آل راشد

آل راشد

ثقافى-اجتماعى

المواضيع الأخيرة

» إحــــــــر ا م الـــقـــــلـــب
الإثنين أغسطس 13, 2018 3:23 pm من طرف sadekalnour

» وقفات مع حجة النبي صلى الله عليه وسلم .. أو أشدَّ ذكراً .. الدعاء في الحج ..أدعية وأذكار ..الحج موسم للدعوة ..
الأحد أغسطس 12, 2018 4:29 pm من طرف sadekalnour

» آداب الحج .. أسرار ومقاصد الحج .. الصحبة في الحج .. لبيك لا شريك لك .. كيف يكون حجك مبروراً؟
الأحد أغسطس 12, 2018 4:14 pm من طرف sadekalnour

» كيف يحج هؤلاء .. حج المرأه .. حج المَدِين .. حج الصبي .. الحج عن الغير
الأحد أغسطس 12, 2018 3:39 pm من طرف sadekalnour

» اداب السنة فى البناء بالزوجة خطوة خطوة
الثلاثاء مايو 29, 2018 11:32 pm من طرف sadekalnour

» رمضان المناخ المناسب لتربية قلوب أبنائنا
الإثنين مايو 28, 2018 11:51 pm من طرف sadekalnour

» نفحات ربانية
الإثنين مايو 21, 2018 5:47 pm من طرف sadekalnour

» رمضان.. نفحاتٌ إلهية وأسرارٌ ربانية.
الإثنين مايو 21, 2018 5:32 pm من طرف sadekalnour

» خمس عشرة وصية لاستقبال شهر رمضان
الخميس مايو 17, 2018 11:44 pm من طرف sadekalnour

» لماذا كانوا يفرحون بقدوم رمضان؟
الخميس مايو 17, 2018 11:38 pm من طرف sadekalnour

اهلا بكم

الثلاثاء نوفمبر 08, 2011 2:32 am من طرف محمد ع موجود



المتواجدون الآن ؟

ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 34 بتاريخ السبت نوفمبر 05, 2011 12:10 pm

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 8400 مساهمة في هذا المنتدى في 2858 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 216 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو moha12 فمرحباً به.

دخول

لقد نسيت كلمة السر

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


    النوازل الفقهية فى الحج

    شاطر
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود النوازل الفقهية فى الحج

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 12:05 am

    نوازل فقهية فى الحج

    المقدمة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،

    وأشهد إلا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة ..
    حديثنا في هذه المجالس عن بعضِ النوازل في الحج، وقبل أن نبدأ الحديث في النازلة الأولى من النوازل، أُحبُّ أن أنبِّه على أمرين

    الأمر الأول

    هو أن النازلة في اصطلاح أهل العلم، هي القضية الفقهية الحادثة ( المعاصرة التي لم تكن فيما سبق، بحيث إنها تحتاج إلى اجتهاد جديد، ونظر جديد، وإعمال ذهن، وتبيين لحُكْم الله – سبحانه وتعالى – فيها، وبموجب هذا التعريف للنازلة،
    فإن ما سأطرحه في المجالس ليس بالضرورة مما ينطبق علية هذا التعريف، فإن ثمة مسائل ليست من النوازل؛ ولكنها تحتاج إلى إعادة نظر، وتحتاج إلى إعادة بحث،
    وتحتاج إلى اجتهاد وَفْقَ ما استجد في هذه الأزمنة، فأنتم تعرفون أحوال الناس في الحج والمناسك والمشاعر قبل مائة سنة ومائتي سنة، وأحوال الناس في الحج في هذه الأيام، فما حصل من أحوال وظروف ومتغيرات، وسهولة في وسائل الاتصال ووسائل النقل، وما وسَّع الله – سبحانه وتعالى – به من الخيرات، جعل الأعداد التي تتدفق لهذا البيت الحرام أعدادًا يَضِيق عن استيعابها المسجدُ الحرام، والحَرَمُ، والمشاعر المقدسة، والمناسك؛ ولهذا كان لزامًا أن يُعاد بحث هذه المسائل وَفْق هذه الظروف الجديدة، ولهذا قد يقول قائل: هذه ليست بنازلة؛ هذه موجودة في كتب الفقه قبل ألف سنة!
    أقول .. نعم؛ لكنها بحثت في زمن، ونحن الآن في زمن آخر، وظروف أخرى، وأحوال مستجدة؛ فتحتاج إلى إعادة نظر، وإلى تمعُّن، وأنتم تعرفون على مدى ثلاثين أو أربعين سنة أن أهل العلم تغيَّرت اجتهاداتُهم في مسائل فقهية، عما كانوا قبل مائة سنة أو ستين أو سبعين سنة، فهذا التغير هو بسبب هذه الظروف، وما سنبحثه من المسائل ربما يكون مثل هذه المسائل، تحتاج إلى نظر جديد وَفْق الظروف الجديدة.

    أما الأمر الثاني –
    أيها الأخوة – فهو أن المسائل التي تُعَدُّ من النوازل والوقائع الجديدة ليست من السهولة بمكان، بحيث أن أحد طلاب العلم يجلس فيها وينبري للإفتاء فيها والقطع، وبيان حُكْم الله – سبحانه وتعالى – والتوقيع عنه بمفرده!
    لا.. المسائل الجديدة تحتاج إلى إعمال نظر، وإلى جهد من عدد كبير من طلاب العلم، ومن العلماء ومن الفقهاء للنظر فيها، والإنسان لا شك قليل بنفسه، كثير بإخوانه وبأهل العلم، وربما يخفى على العالم الكبير شيء، يورده عليه أحد طلابه، وهذا معروف. ولهذا فإني أقول إن ما سنبحثه – إن شاء الله تعالى – في هذه المجالس إنما هو من المباحثات، ومِن طرح المسائل العلمية بين طلاب العلم وأهل العلم، وتداول النظر فيها والاجتهاد، ولا نزعم أن هذا إفتاء وقطعُ رأيٍ فيها؛ ولكننا ندلي فيها بدلونا، وأهل العلم في كل مكان يبحثونها، والمجامع الفقهية تبحث، وهيئة كبار العلماء تبحث، وطلبة العلم والأساتذة في الجامعات كلهم يشتغلون ويبحثون، وفي النهاية تتبين هذه النازلة، ويظهر فيها حُكْم الله – سبحانه وتعالى – الذي يوقع عنه، عز وجل.

    بعد هذه المقدمة نبدأ بالنازلة الأولى من هذه النوازل، وهي

    النازلة الأولى

    العجز عن الحصول على تصريح الحج
    أنتم تعرفون – أيها الإخوة – أن المشاعر المقدسة لها طاقة استيعابية محدودة، وأنتم تشاهدون الآن مِنًى قد استغلت بالكامل، ومزدلفة في ليلة جَمْعٍ تمتلئ بالكامل، وعرفات ليست منها ببعيد، والمسجد الحرام في يوم الثاني عشر والثالث عشر لا يحتمل المزيد، ومن أجل ذلك نظر الفقهاء والعلماء وولاة الأمر في تحديد نسب الحجيج في كل بلد إسلامي، وإلا فإن الذين يرغبون في تأدية الحج أضعافُ هذه الأعداد عشرات المرات، وكل الناس تهفو نفسه للوصول إلى بيت الله الحرام، والوفود على الله عز وجل، والطواف في بيته؛ ولكن هذه هي طاقة هذه المشاعر وتلك الأماكن، ومن رحمة الله – سبحانه وتعالى – أن هذا النسك، وهذه الشعيرة، وهذه الفريضة،

    أن الله – سبحانه وتعالى – ربطها بالاستطاعة فقال – عز وجل - {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران 97]، فهذا الركن وهذه الشعيرة إنما هي فيمن يطيق ويستطيع، فأنتم تعرفون في البلاد الإسلامية أنها حددت نسبة، بنظر أهل العلم، وبنظر أهل الحل والعقد والرأي، نسبة معينة من كل بلد إسلامي، فمثلاً إذا قلنا إن النسبة واحد بالمائة، وكنت أنت مثلاً في مصر أو في نيجيريا أو في أندونيسيا أو في الباكستان أو في غيرها، وترغب في الحج، وعندك القدرة المالية والبدنية على حج بيت الله الحرام؛ ولكنك حينما تقدمت لطلب الحج فوجئت بأن التصريح لا يمكن أن يصل إليك؛ إلا بعد عشر سنوات أو عشرين سنة! فحينئذ ماذا نقول بالنسبة لك: هل أنت معذور أمام الله – عز وجل – بحيث أن الإنسان لو مات، ولم يحج بسبب عدم حصوله على التصريح، أنه لا يسأل أمام الله – عز وجل – ولا يجب أن يُحجَّ عنه مِن تَرِكَتِه وماله؟ أم أنه مؤاخذ ويجب أن يُحجَّ عنه من ماله وتركته؟ هذه هي المسائلة التي بين أيدينا، هذه المسألة والتصريح كما تعرفون أنها حادثة، وليست قديمة. لكن أهل العلم قبل ذلك بحثوا مسألة نظيرة هذه المسألة. النظيرة هي: “تخلية الطريق”، فقد بحث أهل العلم في شروط وجوب الحج مسألةَ تخلية الطريق؛ هل هي شرط في وجوب الحج أم شرط للزوم أداء الحج؟

    ومعنى تخلية الطريق، يعني أن الطريق إلى بيت الله الحرام يكون متاحًا مفتوحًا سائغًا، ليس هناك عدو يمنع، أو سلطان يحول بين الإنسان وبين بيت الله الحرام، هذا هو المقصود بتخلية الطريق، فعدم الحصول على التصريح لا شك أنه من عدم تخلية الطريق، فالطريق لم تكن خالية لمن لم يكن معه تصريح، فإذا لم يكن معك تصريح لن تستطيع أن تسجل في الحج، ولن تستطيع أن تركب الطائرة، ولن تستطيع أن تدخل إلى المشاعر المقدسة، ولا إلى هذه البلاد، فأهل العلم اختلفوا في مسألة تخلية الطريق على قولين

    فمن أهل العلم مَن قال
    إن تخلية الطريق شرط لوجوب الحج. فما لم يكن الطريق خاليًا من الموانع والأعداء الذين يمنعون؛ فإن الحج لا يجب على هذا الإنسان، ولو وجد مالاً، ولو كان صحيحًا سليمًا معافًى، فإذا كان الطريق غير مخلى، ولم يحصل الإنسان على تصريح؛ فإنه عاجز عن الحج، ولذلك يقولون إن الحج غير واجب عليه؛ هذا هو القول الأول.

    القول الثاني

    من أقوال أهل العلم، يقولون: إن تخلية الطريق ليست شرطًا في وجوب الحج؛ لكنها شرط في لزوم الأداء؛ بمعنى أن الإنسان إذا كان قادرًا ماليًّا وبدنيًّا؛ فإن الحج يجب عليه؛ لكن لا يجب عليه الأداء في الحال، حتى يخلى بينه وبين الطريق ويستطيع.
    والفرق بين القولين – يا إخوة – هو أن القول الأول، الذي يقول إن تخلية الطريق شرط لوجوب الحج، يقول: إذا مات فإنه لا يُحج عنه من تركَتِه، ولا يسأله اللهُ – سبحانه وتعالى – عن ذلك؛ لأن الله – عز وجل – قال {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران 97]، هذا الذي لم يُخَلَّ بينه وبين الطريق، ومُنع من الإتيان إلى المشاعر المقدسة، وإلى بيت الله الحرام، ولم يستطع الحصول على التصريح. هل استطاع إلى بيت الله الحرام سبيلاً؟ ما استطاع إلى بيت الله الحرام سبيلاً؛ ولهذا لا يجب عليه الحج، وإذا مات على هذه الحال، فإنه لا يُقضى عنه ولا يُحجج عنه مِن تَرِكَتِه.

    أما الذين يقولون إنه شرط للأداء،

    فإنهم يقولون إنه لا يأثم؛ ولكن الحج يبقى في ذمته، فإذا مات يُخرَج من تركته، ويُدفع لمن يحج عنه. فإذا مات يُحجج عنه مِن تركته؛ لأن الحج وجب عليه؛ لكن سقط عنه الأداء في الحال؛ لعدم القدرة على الوصول إلى بيت الله الحرام.
    الذين قالوا إن الحج من شروط وجوبه تخليةُ الطريق،

    هؤلاء استدلوا بظاهر قول الله – سبحانه وتعالى - {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران 97]، وقالوا هذا لم يستطع إلى بيت الله الحرام سبيلاً؛ وبالتالي فإنه عاجز، فلا يجب عليه الحج.

    والذين قالوا إنه شرط للأداء، وإذا مات على هذه الحال يُحج عنه مِن تركته، استدلوا على ما يقولون بأنه لما نزل قول الله – سبحانه وتعالى -: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران 97]،
    قال رجل “يا رسول الله ما السبيل؟” – يعني ما السبيل في قول الله – عز وجل - {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} – قال – صلى الله علية وسلم - ((الزاد والراحلة))

    . فهؤلاء يقولون شروط الوجوب هي الزاد والراحلة، فإذا وُجدتْ وَجَبَ الحج، وما عدا ذلك فهي شروط أداء، فإذا مات ولم توجد، فإنه يُخرَج عنه مِن تركته. ولكن هذا القول يمكن مناقشة دليله، فإن هذا الحديث رواه الترمذي في جامعه، وابن ماجه، وهو حديث ضعيف عند أكثر أهل العلم بالحديث، هذا الحديث ضعيف، وممن ضعفه الحافظ الزيلعي، وابن حجر، والبيهقي، والألباني – رحمة الله تعالى عليهم جميعًا – بل إن الألباني _ رحمه الله تعالى _ قال: إن هذا الحديث ليس بحسن، ولا ضعيف ضعفًا يَنْجَبِر؛ وإنما هو ضعيف جدًّا. وبالتالي فالاستدلال به لا يستقيم، وإنما هو من الآثار المروية عن بعض التابعين؛ كالحسن وغيره، وإذا كان كذلك فإنه لا حجة فيه، وبناء على هذا فالراجح – إن شاء الله تعالى

    – هو القول الأول.. بأن تصريح الحج شرط في وجوب الحج، وبناء على هذا الترجيح، الذي اختاره العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمة الله تعالى عليه – والعلامة الشيخ محمد العثيمين – رحمة الله تعالى عليه – بناء على هذا الترجيح فإننا نقول لعموم إخواننا المسلمين، الذين تهفو نفوسهم، وتتعلق أفئدتهم بهذا البيت العتيق، ويجدون الزاد والراحلة؛ ولكنهم لا يستطيعون الحصول على التصريح، نقول لهم: إن الله – سبحانه وتعالى – قد عذركم، ولم يوجب عليكم الحج، فمن حصل على التصريح بعد ذلك؛ وجب عليه الحج، ومن مات قبل أن يحصل على التصريح؛ فإنه غير آثم عند الله – سبحانه وتعالى – وغير مسؤول عن ذلك، والله – عز وجل – أرحم مِن أن يكلف عباده ما لا يستطيعون.

    النازلة الثانية هل جدة ميقات


    أو لا؟وهذه المسألة قد تكون نازلة باعتبار أن جدة لم تكن على عهد النبي – صلى الله علية وسلم – كما هي الآن مدينة مأهولة وعامرة، وباعتبار أيضًا أن الناس إلى عهد قريب كان كثير منهم يأتي إلى الحج عن طريق البر، وحتى الذين يأتون عن طريق البحر، كانوا ربما ينزلون عن طريق “ينبع”، أو عن طريق الشعيبة، وهذه كلها لا إشكال، فالذي يأتي مِن ينبع يُحرِم من ذي الحُلَيْفة، أو من الجُحْفَة، والذي يأتي من الشعيبة يُحرِم من يَلَمْلَم. أما في هذه الأزمنة، فأنتم تعرفون أن أكثر من نصف الحجاج يأتي عن طريق جدة، إما عن طريق الطيران، أو عن طريق البحر، فبالنسبة إلى هؤلاء، هل نقول لهم: إن جدة ميقات بحيث إن الواحد منهم لا يُحرِم حتى يصل إلى جدة وينزل فيها، ثم بعد ذلك يُحرِم؟ أم نقول: إن الإحرام واجب عليهم قبل أن يصلوا إلى جدة؟

    قبل أن نبحث هذه المسألة، يَحسُن بنا أن نحرر محل النزاع؛ حتى نعرف ما هو متفق علية، وما هو مختلف فيه من هذه المسألة. فنقول: إن أهل العلم أجمعوا على أن أهل جدة، والمقيمين في جدة، وحتى الطارئين على جدة؛ لكنهم ما أنشؤوا نية النسك من حجٍ أو عمرة إلا وهم في جدة، أن هؤلاء جدة بالنسبة لهم ميقات، فأهل جدة مثلاً إذا أراد الواحد منهم أن يعتمر، فبإجماع أهل العلم أنه يُحرِم من بيته في جدة، وحتى القادمين عليها من الآفاق. افترض أن إنسانًا من مصر وضيفته في جدة، فسكن جدة؛ فإنه إذا أراد أن يعتمر أو يحج يُحرِم من جدة. هذا يإجماع أهل العلم، حتى غير المقيم فيها إذا جاء إليها، ثم أنشأ النية في جدة؛ فإن ميقاته جدة بإجماع أهل العلم. إذًا هؤلاء لا يدخلون في محل النزاع، فجدة بالنسبة لهم ميقات بالإجماع.

    إذًا محل النزاع الذي نريد أن نبحثه – أيها الإخوة – هو من يأتي إلى جدة، وهو في نيته أن يحج أو يعتمر قبل أن يصل إلى جدة؛ كمن يسافر مثلاً مِن بريدة إلى جدة وهو ينوي الحج أو العمرة، أو يأتي من مصر، أو يأتي من العراق، أو من الباكستان، أو من المغرب، أو من أي بلد، يأتي إلى جدة، وهو من حين أنشأ السفر ينوي الإحرام بالحج أو العمرة، فهذا مِن أين يُحرِم؟ وهل تعد جدة بالنسبة له ميقاتًا أو لا؟
    الذي يأتي إلى جدة وهو في نيته الإحرام، إذا مر فوق أحد المواقيت؛ كأن يمر فوق قَرْنِ المَنَازِل أو السيل الكبير الآن، أو فوق ذي الحليفة، أو فوق الجحفة، أو فوق يلملم، فإذا أحرم فوق الميقات، أو من محاذاة الميقات الذي يمر عليه، فهذا لا شك أنه أبرأ لذمته وأسلم له؛ لأنه يكون قد خرج من الخلاف.

    الذي يمر على ميقات من المواقيت، في الجو أو في البر أو في البحر، فيحرم من الميقات الذي يمر عليه قبل أن يصل إلى جدة، فإن هذا يخرج من خلاف أهل العلم، ومن النزاع، ويسلم من التأثُّم على قول بعض أهل العلم. لكن نأتي إلى أحد رجلين: إما شخص يأتي إلى جدة ولم يمر بميقات من المواقيت، ولا بما يحاذيه، أو أنه مرَّ بميقات؛ ولكنه أراد أن يحرم من جدة.
    افترض أن إنسانًا خرج من عندنا، من هنا من بريدة، وهو يريد أن يذهب إلى العمرة، وقال أنا أريد أن أحرم من جدة، فهل يجوز لي ذلك أم لا يجوز؟ هذه هي مسألتنا فهذا بالتأكيد أنه سيمر فوق ذي الحليفة، أو قرن المنازل، أو الجحفة؛ لكنه يريد أن لا يحرم إلا من جدة. فهل يجوز له أن يحرم من جدة أم لا؟ أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على أربعة أقوال:
    * القول الأول: قالوا إن جدة ليست ميقاتًا لأحد. ليست ميقاتًا إلا لمن ذكرناهم في المسألة المُجمَع عليها قبل ذلك، وهم أهلها والمقيمون فيها، أو مَن لم ينوِ العمرة أو الحج إلا فيها. أما القادم عليها بنيَّة العمرة، فإنها ليست ميقاتًا له، وبالتالي فإن مَن تجاوز الميقات قبل أن يحرم؛ فإنه آثم، وهل عليه فدية أو لا؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، واستدلوا بأن جدة لم يوقِّتْها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وليست محاذية لأقرب المواقيت إليها؛ فإن يَلَمْلَمَ أقرب المواقيت إليها، ويلملم تبعد عن مكة أكثر من تسعين كيلو متر، وجدة لا تبعد أكثر من سبعين كيلو متر.
    * القول الثاني: قالوا إن جدة ميقات لمن يأتي من جهة الغرب عنها، وهم الذين يأتون من شمال السودان، أو من جنوب مصر، فهؤلاء الذين يأتون من هذا الاتجاه؛ يعني من جهة الغرب لا يمرون بميقات من المواقيت، وبالتالي فإن جدة تعتبر ميقاتًا لهم، أما من عدا هؤلاء فليست ميقاتًا له، وبالتالي إذا تجاوز الميقات ولم يحرم منه؛ فإنه آثم.

    * القول الثالث

    قالوا إن جدة ميقات لمن قَدِمَ إليها عن طريق الجو أو عن طريق البحر، أما من جاء عن طريق البر فليست ميقاتًا له؛ وإنما ميقاته ما قبلها من المواقيت، أما الذي يأتي من البحر أو من الجو فجدة تعتبر ميقاتًا له. هذا هو القول الثالث في هذه المسألة، وحُجة أصحابه أن جدة ليست محاذية؛ ولكن لمشقة إحرام الناس في الطائرة والباخرة، ولأن الحرج مرفوع؛ فيجوز لهم الإحرام من جدة.

    * القول الرابع


    يقول إن جدة ميقات فرعيٌّ لكل مَن أتى إليها من الجو أو البحر أو حتى من البر، فهي ميقات فرعي، وحينما نقول ميقات فرعي؛ لأن المواقيت التي وقَّتها النبي – صلى الله عليه وسلم – معروفة، أربعة، وزاد عمر – رضي الله عنه – خامسًا، وما عدا ذلك فهو ميقات فرعي، كما سنبيِّنه الآن. هذا هو القول الرابع في هذه المسألة، وهو أوسع هذه الأقوال، أن جدة ميقات لكل مَن أتى إليها. لو أردنا – أيها الإخوة – أن نستعرض أدلةَ كلِّ قولٍ من هذه الأقوال، لطال بنا المقام واتسع، ولكننا سننظر في هذه المسألة باعتبار أن ملايين من المسلمين يأتون إلى جدة عن طريق البحر، أو عن طريق الجو، وهؤلاء منهم الجاهل، ومنهم من له أحد يفتيه، ومنهم من لم يعلم حتى وصل. فهؤلاء إذا جاؤوا إلى جدة وأحرَمُوا منها، أو قيل لهم لا تحرِمُوا إلا من جدة، أو وصلوا إلى جدة وقيل لهم ليست ميقاتًا، أو نحو ذلك. هؤلاء ما حُكْمهم؟ الذين يقولون بأن جدة ميقات لكل من أتى إليها عن طريق البر أو البحر أو الجو، هؤلاء قالوا إن جدة تعتبر محاذية لميقات يلملم، وإذا كانت محاذية لهذا الميقات فإنها تكون ميقاتًا فرعيًّا، فمَن أتى إليها فإنها ميقاته؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))، فمن أتى عليها من غير أهلها أصبحت ميقاتًا له،
    وقبل أن نتبين هل جدة فعلاً محاذية ليلملم؟ نتبين بعض الأمور أولها ما معنى المحاذاة؟ المحاذاة هي التي وردت في حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في صحيح البخاري، فإن أهل العراق، لما فتح العراق، جاؤوا إلى عمر- رضي الله عنه – فقالوا “يا أمير المؤمنين، إن قرنًا جور عن طريقنا – يعني قرن المنازل، الذي هو السيل الكبير الآن بعيد عن طريقنا، ويشق علينا – وإن ذهبنا إليه شق علينا”، فقال عمر – رضي الله تعالى عنه -: “انظروا حذوه من طريقكم – يعني انظروا ما يحاذي قرن المنازل من طريقكم –”، ثم وقَّت لهم – رضي الله تعالى عنه – ذات عِرْقٍ. وذات عرق تقع تقريبًا إلى جهة الشمال من قرن المنازل على طريق الحاج العراقي قديمًا. أخذ من ذلك أهلُ العلم أن كل إنسان يأتي إلى الحرم من طريق، لا تمر بإحدى النقاط التي وقَّتها الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهي ذو الحليفة والجحفة ويلملم وقرن المنازل، أن كل من أتى من غير هذه الطرق، أنه يحرم إذا حاذى أقرب هذه المواقيت.

    فما معنى المحاذاة؟
    كثير من الناس يتبادر إلى ذهنه أن المحاذاة هي أن الإنسان يخط خطوطًا بين المواقيت الأربعة، ثم إذا وصل إلى هذا الخط يعتبر محاذيًا للميقات الذي يليه، ويكون هذا محل إحرامه؛ والحقيقة أن المحاذاة ليست بهذا المفهوم، فالمحاذاة عند عامة أهل العلم هي أن الإنسان إذا أتى من طريق، لا يمر على ميقات من المواقيت التي وقَّتها الرسول – صلى الله عليه وسلم – فإنه ينظر إلى أقرب ميقات من المواقيت التي وقَّتها الرسول – صلى الله علية وسلم – إليه، فإذا كان مثلاً أقربها ذا الحليفة ينتقل إلى الخطوة التالية، وهي أنه ينظر كم المسافة بين الميقات القريب، وهو ذو الحليفة، وبين الحرم؟ فإذا كان في نقطة بينه وبين الحرم مثلها، فإن هذا هو ميقاته، فإذا قلنا مثلاً إن ذا الحليفة بينه وبين مكة أربعمائة كيلو متر، فجاء إنسان مثلاً من جهة مهد الذهب، قلنا أقرب المواقيت إليك ما هو؟ قال أقرب المواقيت إليَّ هو ذو الحليفة، نقول له انظر إذا كنت في نقطة بينك وبين مكة أربعمائة كيلو، فهذا هو ميقاتك، هذا هو معنى المحاذاة. المحاذاة – كما قلت لكم – أن تنظر إلى أقرب المواقيت الأصلية، التي وقَّتها النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث إليك، فتنظر المسافة بين هذا الميقات وبين مكة، فإذا كنت أنت في مكان، بينك وبين مكة مثلُ المسافة التي بين هذا الميقات وبين مكة، فأنت حينئذ في المحاذاة، فلو نظرت مثلاً إلى ذات عرق لوجدت أن المسافةَ التي بينها وبين قرن المنازل أقربُ من المسافة التي بينها وبين ذي الحليفة، إذًا هي محاذية لقرن المنازل. ثم تنظر المسافة بين قرن المنازل ومكة، هي المسافة نفسها التي بين ذات عرق وبين مكة، هذا معنى المحاذاة.

    نرجع الآن إلى جدة. فنقول العملية الأولى: ما هي أقرب المواقيت إلى جدة؟ جدة بين ميقاتين بين الجحفة وبين يلملم. الجحفة ميقات أهل الشام ومصر، ويلملم ميقات أهل اليمن. فجدة بين هذين الميقاتين؛ لكنها كما هو معروف أقرب إلى يلملم، وإذًا إذا أردنا أن ننظر هل تكون جدة محاذية ليلملم؟ نقول يجب أن ننظر كم المسافة التي تكون بين يلملم وبين مكة؟ فإذا كانت المسافة بين جدة وبين مكة هي نفس المسافة، قلنا أن جدة ميقات. يلملم في موقع الميقات الموجود الآن الذي يسمى السعدية، أو الذي على طريق الساحل، المسافة بينه وبين الحرم مسافة كبيرة، المسافة بحدود ستة وتسعين كيلو متر (96 كم)، وجدة بينها وبين مكة ما يصل إلى ستين (60) أو خمسة وستين كيلو متر (65 كم)، إذًا كيف قال أصحاب هذا القول إن جدة ميقات، وأنها محاذية ليلملم؟! أقول لكم أولاً ما هي يلملم؟ ثبت كما في الصحيحين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وقَّت لأهل اليمن يلملم، فما هي يلملم؟ اختلف أهل العلم في يلملم. قد رجعتُ إلى كثير من كتب البلدان والأماكن والبقاع واللغة، فوجدت أن مِن أهل اللغة مَن يقول إن يلملم جبل، ومنهم من يقول إنها وادٍ. والذي يظهر لي – والله سبحانه وتعالى أعلم – أن يلملم جبل ووادٍ جميعًا، ولهذا تجد بعض أهل العلم يقول إنها جبل، وبعضهم يقول إنها وادٍ، والذين قالوا إنها وادٍ كثيرون من أهل العلم، فقد ذُكِر ذلك في “معجم البلدان” وفي كتاب أُلِّف حديثًا، تكلم عن المواقع التي وردت في السيرة، كلهم قالوا يلملم عبارة عن وادٍ، فإذا نظرنا إلى هذا الوادي الذي هو يلملم، نجد أن هذا الوادي تمتد أصوله وأعاليه من أعلى جبال تهامة، أعلى جبال السروات، فهو في أعلاه يكون تقريبًا على شكل سبعة، له أصلان أحدهما ينحدر تقريبًا من منطقة الشفا بالطائف.

    والثاني يقع شمالاً عنه بحدود عشرة كيلو مترات في بلاد هذيل، ثم ينزل هذا الوادي، ثم يجتمع هذان الواديان في وادٍ واحد، فيمر في يلملم التي كانت ميقاتًا عصورًا طويلة، ثم تقريبًا بحدود الأربع مائة والألف هجرية خرج طريق الساحل مما يلي الليث والشعيبة تقريبًا، وكان قريبًا من الساحل، فنُقِل الميقات أو انتقل الناس وبدؤوا يُحرِمون من مسجدٍ أقيم على هذا الطريق في أسفل هذا الوادي. الوادي هذا ينطلق تقريبًا من الشمال الشرقي ويتجه إلى الجنوب الغربي بهذا الشكل، ولهذا حتى الذين نقلوا الميقات من موقعه الأول إلى موقعه الجديد على الطريق الساحلي نظروا إلى الوادي، فإنك لو تأملت الميقات الجديد وجدته أبعد من الميقات القديم، فلو كان في المحاذاة لوضعوه في موضعٍ تكون المسافة واحدة، لكنهم نظروا إلى الوادي، فالوادي ينزل حتى يقطع الطريق الجديد طريق الساحل، فجعلوا الميقات على تقاطع طريق الساحل مع هذا الوادي. وهذا الوادي ممتد؛ كأن النبي النبي – صلى الله عليه وسلم – جعله ميقاتًا لكل مَن أتى من أهل اليمن عن طريق تهامة؛ إن أتى من أسفل فهو من طريق الساحل الآن، أو من أعلى فمن الذي كان الناس يحرمون منه سابقًا، ومن أتى من أعلى فإنه يحرم من أصول هذا الوادي ومن أعاليه. فهذا الوادي الذي هو يلملم لا شك أنه أقرب المواقيت إلى جدة، فإذا نظرنا إلى أعالي هذا الوادي – كما قلت لكم – أعلى هذا الوادي واديان؛ أحدهما قريب من منطقة الشفا بالطائف، وهذه المنطقة التي هي طرف الوادي من هنا، بينها وبين مكة بحدود ستين كيلو متر(60 كم)، وإذا أتينا إلى الفرع الشمالي منه الذي في بلاد هذيل، فإن المسافة بينه وبين الحرم لا تزيد على خمسين كيلو متر(50 كم)، فأهل العلم الذين قالوا بأن جدة ميقات، وأنها محاذية ليلملم، نظروا إلى أقرب نقطة من يلملم وقاسوا المسافة بينها وبين الحرم، ثم نظروا إلى المسافة بين جدة وبين الحرم، فوجدُوا أن المسافتين متساويتان؛ بل إن أوسط جدة وغرب جدة أبعد من أصول و أعالي وادي يلملم عن الحرم، وبناء على ذلك قالوا إنها تُعَدُّ محاذية ليلملم، وبالتالي فإنها ميقات من المواقيت. إذا قلنا إنها ميقات من المواقيت، وهذا القول هو الذي يظهر لي – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – أنها ميقات فرعي؛ لمحاذاتها لوادي يلملم في أعاليه. فننتقل إلى مسألتين هما آخر المسألة.

    * المسألة الأولى هي

    إذا قلنا إن جدة ميقات فرعي، فالذي يأتي من جهة البحر مثلاً من السودان أو من مصر أو نحو ذلك، يأتي إلى جدة، هذا لا إشكال فيه؛ لأن هذا الميقات هو أول ميقات يصل إليه، فحينئذ يُحرِم منه، ولا خلاف بين مَن يقول هذا القول في أنه قد أحرم من الميقات، وأنه ليس عليه شيء أمام الله – سبحانه وتعالى – وأنه أحرم من الميقات الفرعي المقيس على الميقات الذي وقَّته رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لكن الإشكال هو في أمثالنا مثلاً، من يأتي مثلاً من القصيم أو من الرياض أو من الشام أو من اليمن، فيأتي عن طريق الطائرة مثلاً أو عن طريق السيارة، فيتجاوز قرن المنازل ويذهب إلى جدة، أو يتجاوز ذا الحليفة أو يتجاوز الجحفة ويذهب إلى جدة، ويقول لن أحرِم إلا من جدة، فما حكم هذا؟ أهل العلم يبحثون هذه المسألة في مسألة حُكْم تجاوز الميقات إلى ميقات آخر. يعني افترض أنك أنت مِن أهل المدينة، وأردت أن تعتمر، وقلت لن أحرم من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وسأذهب إلى الجحفة فتعتمر من هناك، ما حكم هذا عند أهل العلم؟ المسألة فيها قولان عند أهل العلم: أكثر أهل العلم يقولون لا يجوز أن يتجاوز الإنسان ميقاتًا إلى ميقاتٍ آخر. وهذا يقول به كثير من أهل العلم، وعلى هذا مَن يذهب مِن هنا على الطائرة لا يجوز له أن يحرم من جدة؛ بل يجب عليه أن يحرم إذا حاذى السيل، أو حاذى ذا الحليفة، أو حاذى الجحفة، ولا يجوز له أن يتجاوز ذلك إلى الميقات الآخر وهو جدة، هذا هو القول الأول. واستدلوا لذلك بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – عن هذه المواقيت: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))، فإن من يأتي على أي ميقات من المواقيت، سواء كان من أهله أو من غير أهله، فإنه لا يجوز له أن يتجاوز إلا بإحرام.

    ومن أهل العلم، وهو منسوب إلى الإمام مالك وأبي حنيفة و أبي ثور، وهو قبل ذلك مروي عن عائشة – رضي الله عنها – مَن يقول إنه يجوز تجاوز الميقات إلى ميقات آخر. فإنه قد ذكر أهل العلم أن عائشة – رضي الله عنها -كانت مقيمة في المدينة، فكانت إذا أرادت أن تعتمر أحرمت من الجحفة، وإذا أرادت أن تحج أحرمت من ذي الحليفة، فإذا أرادت أن تعتمر فلا شك أنها تجاوزت ذا الحليفة إلى الجحفة، وثبت أيضًا في الصحيحين من حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – أنه خرج مع المسلمين عام الحديبية، فالمسلمون أحرموا من ذي الحليفة، وأبو قتادة – رضي الله تعالى عنه – ما أحرم من ذي الحليفة، فالموفَّق بن قُدَامَة يقول إنه أحرم من الجحفة، فيكون أبو قتادة – رضي الله تعالى عنه – أيضًا مثل عائشة، تجاوز ميقاتًا إلى ميقاتٍ آخر. وأيضًا يمكن أن يُستدل لأصحاب هذا القول بقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))، فإذا أتيت إلى جدة، وإن كانت جدة ليست ميقاتًا لك، إلا أنك إذا أتيت من جهتها تصبح ميقاتًا لك، والذي يظهر لي – والله سبحانه وتعالى أعلم – أن هذا القول هو الراجح؛ لأنه بالنظر إلى هذه المواقيت، نلاحظ أن هذه المواقيت جعلها الله – سبحانه وتعالى – حرمة للبيت الحرام، تعظيمًا لهذا البيت، فإن الله – عز وجل – جعل لبيته الحرام

    وللكعبة المشرفة ثلاث حرمات

    “حرمة المسجد، وحرمة الحرم، وحرمة المواقيت”، فأنت لو وضعت نقاطًا على كل منطقة – سواء كانت ميقاتًا أصليًّا أو فرعيًّا – لوجدت أنها تحيط بالحرم من كل جوانبه، فهي كما إذا أتيت هذا المسجد، فإذا دخلت مع هذا الباب، وتريد أن تخرج مع هذا الباب، ثم ترجع مرة أُخرى، هل نقول صلِّ تحية المسجد الآن أم إذا رجعت؟ نقول صلِّ تحية المسجد إذا أردت أن تجلس ولو مررت بالمسجد. فنحن نقول لمن دخل في حدود المواقيت ثم خرج أنه لم يُرِد الحج والعمرة في هذا الدخول، وبالتالي فإنه لا يجب عليه الإحرام؛ حتى يدخله مرة أُخرى بنيَّة الحج أو العمرة، تمامًا كما لو أن إنسانًا ذهب من هنا وهو يريد أن يمر بالمدينة، ويصطاف بالطائف لمدة أسبوع، ثم يرجع ويعتمر، ومن حين خرج من هنا وهو يريد العمرة؛ لكنه ما أرادها في الدخول الأول، دخل حدود المواقيت ثم خرج، ثم يريد أن يرجع مرة أُخرى، فهذا – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – يجوز أن يتجاوز الميقات الأول إلى الميقات الثاني؛ لأنه لا يعتبر مُخلاًّ بهذا البيت إن دخل وخرج، ولا شك أن تأثيم ملايين المسلمين ليس من مقاصد الدين، ولا من أهداف الشريعة، فما دام أن الأمر يحتمل، وأن المسألة ليس فيها تجاوز لكتاب الله ولا لسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تجاوزًا صريحًا، وأن هذا له مسوِّغ من كلام أهل العلم؛ فإنه لا معنى أن نذهب للقول الأشد، أو حتى الأحوط؛ لأن الأحوط أحيانًا يكون فيه حرج على مئات الملايين من المسلمين، الذين يأتون في كل عام للحج والعمرة.

    * المسألة الثانية هي
    هل جدة كلها ميقات أم لا؟ تعرفون أن جزءًا كبيرًا من الحجاج الآن ينزل في مطار الملك عبدالعزيز، فهل نقول إن مطار الملك عبدالعزيز ميقات؟ وجزء كبير ينزل في ميناء جدة الإسلامي. مدينة جدة واسعة جدًّا وطويلة، تمتد على البحر ما يقرب من سبعين كيلو متر، وبناء على هذا القول الذي أراه – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – راجحًا؛ فإن جدة ليست كلها ميقاتًا، فمطار الملك عبدالعزيز ليس ميقاتًا، ولا يجوز لمن ذهب إلى جدة أن يحرِم من المطار؛ لأنه بالنظر إلى مطار جدة نجد أن بينه وبين الجحفة أقرب من المسافة بينه وبين يلملم، وقد قلنا في المحاذاة: إن المحاذاة أن تنظر إلى أقرب الميقاتين إليك، فبالنسبة إلى شمال جدة والمطار فإن الجحفة أقرب من يلملم، وبالتالي لا تكون محاذية حتى تكون المسافة بينها وبين الحرم كالمسافة بين الجحفة وبين الحرم، وإذًا فبناء على هذا القول الذي يعتبر ميقاتًا هو وسط وجنوب جدة، هذا هو الذي يعتبر ويعد ميقاتًا، بناء على هذا القول فالميناء الإسلامي وأوسط جدة وجنوب جدة وغرب جدة، هذا كله يعد ميقاتًا. وقبل أن أختم هذه المسألة فإني أقول إن هذه المسألة من المسائل الكبيرة والمهمة، التي تعم بها البلوى، والتي وردت فيها فتاوى كثيرة، ودرسها مَجمَع الفقه الإسلامي، وبحثها غير واحد من أهل العلم وطلابه، ومن أحسن من بحث هذه المسألة هو الشيخ عدنان العرعور -حفظه الله تعالى- في كتاب أو رسالة سماها “أدلة إثبات أن جدة ميقات”؛ لكني أقول إن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد بحث، والذي أراه و أشير به وأدعو إليه، هو أن الجهات المختصة وولاة الأمر يُكلِّفون عددًا من طلبة العلم، ممن يرى هذا الرأي ويرى أن جدة ميقات، ويكلفون معهم عددًا من المختصين بعلم الجغرافيا، الذين عندهم القدرة والخبرة على قراءة الخرائط وقراءة الصور الجوية، وأن يجتمع هؤلاء ثم يبحثوا هذه المسألة بحثًا شرعيًّا، وينزلونها على الواقع، ويضعون المعالم لما يُعدُّ من جدة ميقاتًا، وما لا يعد منها ميقاتًا، ثم تعرض هذه المسألة وهذا البحث على هيئة كبار العلماء للنظر فيه، فإذا أقر فإنه ينزل على الواقع، وتوضع علامات في جدة للمواقيت، وأيضًا يستحسن أن يوضع في جدة – كما وضع في سائر المواقيت – مسجدًا يكون علامة على الميقات، بحيث إن الناس يُحرِمون منه، مَن أتى من طريق المطار أو من البحر أو من غيره، فيكون هذا مَعْلَمًا وميقاتًا مثل المساجد التي أقامتها الدولة – بارك الله فيها – في بقية المواقيت، هذا ما يسر الله – سبحانه وتعالى – وفتح به في هذة المسألة، أسأل الله – سبحانه وتعالى – السداد والتوفيق.

    المجلس الثاني

    فهذا هو المجلس الثاني من المجالس التي تعقد من الدورة المباركة؛ للحديث عن بعض نوازل الحج، وكنا تكلمنا في المجلس السابق عن نازلتين، وفي هذا اليوم نتحدث عما ييسره الله من هذه النوازل.
    النازلة الثالثة: الإحرام بالإزار المخيط، أو ما يسمى في اللغة بالنقبة:
    الإزار المخيط هو ما ظهر في هذا الوقت، وأفتى به مجموعه من أهل العلم وطلابه، وهو الإزار الذي يخاط جانباه، ويوضع في أعلاه تكة؛ إما من خيط أو مطاط أو سير أو نحو ذلك، وفي اللغة يسمى النقبة، وهو يشبه تمامًا ما تلبسه النساء في هذا الزمن ويسمى التنورة، فهذا هو الإزار الذي نريد أن نتحدث عنه.
    ما حكم لبس هذا الإزار بالنسبة للمُحرِم من الرجال؟ أولاً قبل الحديث عن حكم هذه النازلة، أو هذا الإزار، نريد أن نتحدث عن بعض الأمور التي هي مقدمة وتوطئة؛ حتى نصل إلى حكم لبس هذا الإزار.

    فأولاً ماذا يلبس المحرم؟ فقد ورد في السُّنة عدد من الأحاديث كلها تتحدث عما يلبسه المحرِم في إحرامه، ففي الصحيحين عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – في بعض الروايات أنه كان في المدينة فسأله سائل فقال: “يا رسول الله، ما يَلبس المحرمُ؟”، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: ((لا يلبس القُمُص، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا الخفاف)). في هذا الحديث سأل هذا الرجل عما يلبسه المحرم، فأجاب النبي – صلى الله عليه وسلم – بما لا يلبسه المحرم. قال ابن حجر: “وهذا قمة في البلاغة والجزالة فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما عَلِم أن الممنوع محدود، والمباح مطلق؛ أعرض عما سأل عنه السائل، وبين المحصور المحدود؛ فقال: ((لا يلبس القمص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات، ولا ثوبًا مسه ورس أو زعفران))….الحديث”. فهذا هو الحديث الأول في مسألة ما يلبسه المحرم.

    الحديث الثاني هو ما في الصحيحين أيضًا من حديث يعلى بن أمية – رضي الله تعالى عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان في الجعرانة في مرجعه من الطائف، فجاءه أعرابي فقال: “يا رسول الله، ما تقول في رجل أحرم في جبة، وتضمخ بطيب – يعني تلطخ بطيب –”، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((أما الطيب فاغسله ثلاثًا، وأما الجبة فانزعها)). فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم – أن ينزع الجبة.

    الحديث الثالث الذي ورد في مسألة ما يلبسه المحرم حال إحرامه، هو ما رواه البخاري من حديث ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال وهو يخطب بعرفات: ((ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويلات، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين)). ففي هذا الحديث أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – ورخص لمن لم يجد الإزار أن يلبس السراويلات، وبالمناسبة السراويل هذا هو المفرَد؛ لا على ما هو شائع في لهجتنا أنهم يسمونه السروال، لا؛ في اللغة العربية المفرَد السراويل. من خلال هذه الأحاديث الثلاثة قال أهل العلم إن المحرم ممنوع من لبس ما يُفَصَّل على قَدْرِ الأعضاء، وعبَّر بعض الأئمة عما يفصل على قدر الأعضاء بالمخيط، فقالوا لا يلبس المحرم المخيط، ومقصودهم بالمخيط ليس ما يخاط بالإبرة أو بالمكينة، أو نحو ذلك؛ لا وإنما قصدهم بالمخيط ما يخاط ويفصَّل على قدر أعضاء البدن؛ كالفنيلة والسراويل والثوب ونحوها، وهذه اللفظة لم تَرِد في السنة لا في حديث ابن عمر، ولا حديث يعلى، ولا حديث ابن عباس، ولا في شيء من كتب الحديث، كما أعلم. فالتعبير بأن المحرم لا يلبس المخيط إنما ورد عن بعض السلف، فانتشر وتداولته كتب الفقه، وتناقله الفقهاء بعضهم عن بعض، ومن خلال هذا النقل التبس هذا الأمر على كثير من الناس، فظن أن المقصود بالمخيط هو ما يخاط في الإبرة أو المكينة أو نحو ذلك. وهذا ليس مقصودًا للفقهاء على الإطلاق؛ فإنه بإجماع أهل العلم لو أن الإنسان عنده إزار، ثم شق هذا الإزار فخاطه ثم لبسه، أن ذلك جائز بإجماع أهل العلم. فليس المقصود بالمخيط هو الذي جرت به الإبرة أو المكينة أو نحو ذلك؛ وإنما المقصود بالمخيط هو ما يخاط ويفصل على قدر الأعضاء – كما قلت لكم – مثل: الفنيلة، والثوب، والمشلح، والبنطال، والسراويل…إلخ. هذا هو المقصود بالمخيط في لغة الفقهاء. ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن المسألة التي نحن بصددها، وهي حكم لبس الإزار المخيط، الذي وُضع في أعلاه هذه التكة أو الربطة، وبعض الناس وضع له جيبًا يوضع فيه المال أو الجوال أو نحو ذلك. ما حُكْم لبس هذا الإزار؟ قبل أن ننتقل إلى الحكم، أحب أن أبيِّن أن اختلاف أهل العلم المعاصرين في حكم لبس هذا الإزار أو هذه النقبة، له سببان:

    السبب الأول: هو أنه اختلفوا في ما يلبسه المحرم على أسفل بدنه؛ يعني من الحِقْوَيْن أو من الإزار أو من السرة. والذين اختلفوا في الإزار اختلفوا فيما يلبسه المحرم على أسفل بدنه: هل هو محدود أو غير محدود؟ فمن أهل العلم مَن قال إن ما يلبسه المحرم على أسفل بدنه غيرُ محدود؛ فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما – لما سئل ما يلبس المحرم؟ أعرض عن سؤال السائل، وانتقل إلى ما لا يلبس، قال كثير من أهل العلم؛ كالحافظ ابن حجر وغيره، قالوا إن هذا النكتة البلاغية هي أن ما يلبسه المحرِم مطلقٌ واسع، لا حدَّ له؛ إنما الممنوع هو المقيَّد؛ فتَرَكَ النبي – صلى الله عليه وسلم – المطلقَ، الواسع، غير المحصور؛ لأنه لا مطمع في حده ولا حصره، وانتقل إلى ما يُمنع منه فذكره، وهو السراويلات. فما لا يُلبس على أسفل البدن هو السراويلات، فهؤلاء قالوا إن الممنوع محدود، وهو السراويلات وما كان في حكمها، وأما المباح المسموح فإنه غير محدود؛ فيَلبس المحرم إزارًا أو غيره مما شاء، المهم أن لا يكون من السراويل، ولا ما في حكمها. هذا هو القول الأول.

    القول الثاني: الذين قالوا إن هذا الإزار، الذي قد خِيط طرفاه ووُضع فيه تُكة، إنه لا يجوز. قالوا العكس من ذلك، قالوا إن المباحَ في السنة لبسه على أسفل بدن المحرم محدودٌ؛ فقد حدده النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث ابن عباس، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال وهو بعرفة: ((ومَن لم يجد الإزار فليلبس السراويل))، فقالوا هذا دليل على أن المباح فقط هو الإزار، وبالتالي فإنه لا يجوز أن يلبس على أسفل البدن إلا الإزار، وما كان في حكمه. واضح هذا الخلاف، القول الأول: يقول المحرَّم والممنوع محدودٌ، والمباح واسع. والقول الثاني: يقول بل المباح هو المحدود، والممنوع واسع؛ فالمباح فقط هو الإزار وما في حكمه. والحقيقة أن الذي يظهر لي رجحانه – والله سبحانه وتعالى أعلم – هو القول الأول؛ فإن الممنوع هو المحدودُ، والمباحَ مطلقٌ؛ فالممنوع هو السراويلات وما كان في حكمها. والدليل على أن هذا القول هو الراجح هو أن حديث ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – الذي سئل فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – عما يَلبس المحرِم، فأجاب بأنه: ((لا يلبس القمص و لا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات)) أن هذا بالمدينة قبل أن يتلبس الناس في النسك.

    قاله النبي – صلى الله عليه وسلم – لهم قبل أن يُحرِموا؛ أما حديث ابن عباس – رضي الله عنه – قي قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويلات)) فهذا قاله النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو بعرفات. وأنتم تعرفون أن الحاج في عرفات، إما أن يكون متمتِّعًا فيكون قد أحرم مرتين؛ أحرم بالعمرة ثم تحلل، ثم أحرم بالحج، وإما أن يكون مفرِدًا أو قارنًا ويكون قد أحرم منذ أيام، وأهل العلم يقولون إنه “لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة”. فلو قلنا بأن المباح هو الإزار فقط وما كان في حكمه، فمعنى ذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخَّر البيان حتى أحرم المتمتِّع مرتين، وأحرم المفرِد والقارن منذ أيام؛ ولكن يُحمَل حديث ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – في عرفات على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أراد أن يرخص للناس: مَن شقَّ عليه أن يجد ما يلبسه، أو يتَّزر به أن يلبس السراويل؛ لأن مَن عجز عن لبس الإزار جاز له أن يلبس السراويل. فهذا هو الذي يظهر لي رجحانه بهذا التعليل. هذا هو السبب الأول من الخلاف في هذه المسألة، وهو الخلاف في ما يلبسه المحرِم على أسفل بدنه: هل هو محدود أو مطلق؟

    السبب الثاني من أسباب الخلاف في المسألة: هو اختلاف أهل العلم المعاصرين في هذا الإزار الذي نتكلم عنه، المخيط في جوانبه والذي عقد بتكة في أعلاه. اختلافهم هل هو مما يشبه المباح؛ فنقول مباح أو يشبه المحرَّم؛ فنقول محرَّم؟ فالذين قالوا إنه مباح قالوا يشبه المباحات. والذين قالوا إنه محرَّم قالوا إنه يشبه المحرَّم والممنوع، وهو السراويل. والحقيقة أن هذا السؤال قد صغته لكم كما هو في كثير من البحوث، التي بحثها طلاب العلم في هذا الزمان، فإنهم يقارنون هذا الإزار أو هذا اللباس الذي يسمى النقبة، يقارنونه بالإزار أو السراويل؛ فمن شبَّهه بالإزار أو قال إنه لا يزال يسمى إزارًا، قال إنه مباح. ومَن قال إنه يشبه السراويل، قال إنه محرَّم.

    والذي يظهر لي أن هذا السؤال يجب أن يصاغ بطريقة أُخرى. فإننا رجحنا في المسألة السابقة أن المحرَّم محدود، وهو السراويل وما في حكمها، والمباح مطلق، ولهذا من يقول إنه مباح لا يحتاج أن يقيم الدليل على أنه إزار، أو على أنه يسمى في اللغة إزارًا؛ سُمي إزارًا أو لم يُسمَّ إزارًا، المهم أن لا يشبه الممنوع. ولهذا ينبغي أن نصوغ هذا السؤال بصيغة أُخرى فنقول: هذا الإزار الذي يسمى لغةً بالنقبة، هل يشبه الممنوع وهو السراويل، أو لا يشبهها؟ فإن أشبهها فهو ممنوع، وإن لم يشبهها فإنه مباح؛ سُمِّي إزارًا أو لم يُسمَّ، كان شبيهًا بالإزار أو ليس بشبيه؛ لأن المباح مطلق. والذي يظهر لي – والله سبحانه وتعالى أعلم – أن هذا اللباس لا يشبه السراويلات، التي منعها النبي – صلى الله عليه وسلم – فإننا لو تأملنا في جميع الألبسة، التي منعها النبي – صلى الله عليه وسلم – كالبرانس والقُمُص والسراويلات والجُبَّة؛ لوجدنا أنها كلها تجتمع في صفة واحدة: هي أنها فُصِّلَتْ على قَدْرِ الأعضاء، وحينما تتأمل هذا الإزار تجد وتلاحظ أنه ليس من هذا القبيل.

    وبناء على ذلك نقول – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – إن هذا الإزار يجوز لبسُه؛ لأنه ليس مما نصَّ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على تحريمه ولا يُشبِهه، وقد كانت عائشة – رضي الله تعالى عنها – تذهب إلى الحج وإلى العمرة، فكان غلمانها إذا أرادوا أن يَحمِلوا هودجها على البعير أو ينزلوه، ربما بدا منهم شيء من عوراتهم؛ فأمرتهم عائشة – رضي الله عنها – أن يلبسوا تحت الإزار شيئًا يقال له التُّبَّان. والتبان هذا – باختصار شديد – هو الإزار المنتشر في هذا الزمن، إلا أنه قصير إلى حدود أنصاف الفخذين – يعني هو مثل السراويل القصيرة إلى نصف الفخذ؛ لكنه لا أكمام له وإنما له تكة في أعلاه – فكانت عائشة – رضي الله عنها – تأمر غلمانها بأن يلبسوا هذا التُّبان تحت أُزُرِهم؛ ليستر عوراتهم. فالذي يظهر لي – والله سبحانه وتعالى أعلم – أن الممنوع هو السراويل وما في حكمها، وأن هذا الإزار لا يشبه السراويل، وبتالي فإنه يجوز لبسه، سواء سمي إزارًا أو لم يُسمَّ.

    بعض الباحثين وبعض طلبة العلم يقول إن هذا خرج عن مُسمَّى الإزار، وإن كتب اللغة لا تسمي هذا إزارًا، ونحن نقول إن المباح مطلق، ولم يحدد بالإزار؛ فالمباح سواء كان إزارًا أو غير إزار المهم ألا يكون سراويل، ولا ما في معناها، هذا هو الذي ظهر لي رجحانه في هذه المسألة، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

    النازلة الرابعة: لبس الكمامات حال الإحرام:
    والكمامات هي ما يُوضع على الأنف والفم من قطن أو قماش أو نحو ذلك؛ ليمنع دخول الدخان والغبار والروائح الكريهة وغيرها، وقد انتشر استعماله في هذه الأزمنة في أوقات الحج؛ بسبب كثرة السيارات وعوادمها والغبار وغير ذلك؛ فأصبح كثير من الناس – خاصة رجال الأمن، الذين يكثر وجودهم في الشوارع – أصبحوا يلبسونها بكثرة، فما حُكْم لبس هذه الكمامات على الوجه؟
    قبل أن نجيب على هذا السؤال، ونبيِّن حُكْم لبس هذه الكمامات، لا بد أن نجيب على سؤالين:

    السؤال الأول هو: هل الكمامات من جنس ما نُهي عنه من الألبسة في حال الإحرام؟ قد ذكرنا في المسألة السابقة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن القمص والسراويلات والعمائم والبرانس، ونهى عن الجبة؛ كما في مجموع الأحاديث: حديث ابن عباس، وحديث يعلى، وابن عمر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وقلنا إن أهل العلم قالوا إن هذه الأحاديث بمجملها تدل على إن المحرَّم ممنوع ما فُصِّل على قَدْرِ الأعضاء. فهل الكمام الذي يوضع على الوجه من قماش أو نحوه، يأخذ حكم هذه الألبسة؛ مثل الفنيلة التي فُصِّلت على قدر الجسم واليدين، أو مثل السراويل الذي فُصِّل على قدر الرِّجْلين، أو مثل القميص، أو نحو ذلك؟

    هذا الكمام لم يفصل على قدر الأعضاء، خاصة ما يكون منه على شكل قماش، فإن هذا إنما يوضع على الفم، ويُربط خلف العنق؛ فهذا لم يفصل على قدر أعضاء الوجه. وبالتالي فإننا نقول إن الكمامات ليست من الألبسة التي نصَّ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على تحريمها، ولا من جنس هذه الألبسة التي نص النبي – صلى الله عليه وسلم – على تحريمها، هذا هو جواب السؤال الأول.

    نأتي إلى سؤال آخر يتعلق بهذه المسألة، فإذا لم تكن من المخيط فهل يجوز لبسها؟ لا بد أن نجيب على السؤال الثاني، الذي يقول: هل المُحرِم ممنوع من تغطية وجهه؟ أنتم تعرفون أن المُحرِم ممنوع من تغطي
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود نوازل فقهية فى الحج

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 12:07 am

    [b][center]القسم الثاني الصابون أو المنظفات المعطرة بروائح عطرية،

    مما يتخذه الناس طيبًا وعطرًا. هناك صابون برائحة الورد، و عند محل العطور دهن الورد هذا من أغلى العطور. إذًا معنى هذا أن هذا الصابون قد عُطِّر بما يتخذه الناس طيبًا، أو تجد صابونًا معطرًا برائحة العود، أو برائحة الياسمين، أو برائحة المسك، هذه كلها عطور يذهب الإنسان إلى محل العطور ويقول له: أعطني عودًا، أعطني بخورًا، أعطني مسكًا، أعطني عنبرًا، أعطني وردًا، هذه كلها عطور، فالمنظفات التي عطرت بهذا النوع من الروائح الطيبة، إذا قلنا إن المحرِم ممنوع من الطيب، وإن الطيب حُرِّم على المحرِم؛ لأنه من دواعي النكاح؛ فأي فرقٍ بين أن الإنسان يأخذ شيئًا من دهن الورد ويضعه في إزاره أو في لحيته، وبين أن يأخذ صابونًا أو منظفًا من المنظفات برائحة الورد فيغسل يديه، ثم يظل هذا الورد يعبق من يديه لمدة ساعة أو ساعتين أو أكثر؟! هل الأنف يُفرِّق بين الطيب الذي اشتري من بائع المسك، وبين الطيب الذي جاء عن طريق المنظف أو الصابون؟!

    إن القول بأن هذه المنظفات أنها ليست مما يتخذ طيبًا، وبالتالي يجوز اتخاذها، لا شك أن هذه – والعلم عند الله – ظاهرية بعيدة، فإن الحكمة التي من أجلها مُنِع الطيب موجودة فيما أخذته من الطيب فوضعته في لحيتك أو في إزارك، أو في هذا الصابون أو المنظف أو الشامبو الذي تضعه في شعرك أو في بدنك، فيظل جسمك ينتعش ويعبق، وكلما مررت من عند أُناس شمُّوا رائحة الطيب، أنت أحيانًا يمر بك إنسان فتَشُم منه رائحة الطيب، ما تدري هذا الإنسان هل تطيب بالمسك أو بالعنبر أو بالورد أو بالعود، أو أنه استعمل صابونًا أو منظفًا أو شامبو معطرًا؟ أحدٌ منكم يفرق؟! ما يفرق, إذًا هل نقول إن الطيب يَحرُم على المحرِم، والمنظفات هذه تجوز للمحرِم؛ لأن الإنسان ما يذهب إلى محل العطور، ويقول أعطني صابونًا؟! نقول لا، ليس بشرط أن يكون الإنسان يتعطر بالصابون، لكن ما في الصابون هذا يتخذه الناس عطرًا. ولا شك أن هذا يحصل فيه ما يحصل في الطيب من النشوة والرغبة في النكاح، وتَذكُّر الحياة الزوجية، والمرأة ونحو ذلك. والمحرِم ممنوع من ذلك، ولهذا أقول – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – إن المحرِم ممنوع من هذه المنظفات بهذه الروائح، وهذا القول هو الذي رجحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى – وأنا أنقل لكم الآن نصَّ كلام الشيخ – رحمة الله تعالى عليه – فإنه قال في إحدى خطبه: “فلا يجوز للمحرِم أن يدَّهن بالطيب ويتبخر به، ويضعه في أكله أو شرابه، أو يتنظف بصابون فيه طيب يُعدُّ للتطيب”، إذًا هو يقول إذا كان الطيب الذي في الصابون يعد بمفرده للتطيب؛ فإنه ممنوع منه، فهذا القول هو الذي اختاره الشيخ محمد، وهو الذي أراه راجحًا، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

    المجلس الثالث

    هذا هو المجلس الثالث من هذه المجالس التي تنعقد؛ لبيان أحكام بعض النوازل المعاصرة في الحج.

    النازلة السادسة الطواف والسعي في الدورين الأول والسطح

    إن البيت الحرام – كما هو معلوم ومعروف – لم يكن يُرقى على سطحه أو من أدوار؛ إلا في هذا الزمن المتأخر، تقريبًا في البناية السعودية التي تمت في عهد الملك سعود في الثمانينيات الهجرية، فلما بني المسجد بهذه الطريقة حدثتْ هذه المسألة أو هذه النازلة، وعُرضت على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وبحثوها، وقد ذهبت هيئة كبار العلماء في هذه الدراسة وتلك الفتوى ،التي تمت بحدود سنة 1393ه- إلى جواز الطواف في الدور الأول أو في السطح، وكان هذا القرار بالأغلبية، مع تحفظ بعض الأعضاء، ومعارضة عضو واحد، وقد استدل مَن قال بجواز الطواف في الدور الأول أو في السطح بعدد من الأدلة، منها

    أولاً
    أن الهواء تابع للأرض وللقرار – كما هو معروف عند الفقهاء – وأهل العلم يقولون لو أن الإنسان صلى إلى هواء الكعبة لصحَّت صلاته. لو كان الإنسان مثلاً فوق جبل أبي قُبَيْس، ثم استقبل الكعبة؛ فإنه لا يستقبل البناء، وإنما يستقبل الهواء، أو لو أن الكعبة مثلاً هدمت للبناء، فإن الإنسان إنما يستقبل هواءها، فالهواء تابع للقرار، فهواءُ المطاف وهواء المسعى تابعٌ لقراره ولأصله، ولهذا فالإنسان إذا طاف على الأرض، أو طاف في الدور الأول، أو طاف في السطح، فإنه يَصْدُق عليه أنه طاف في المسعى بين الصفا والمروة.

    ومما احتجوا به على هذا الأمر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – ثبت عنه أنه طاف وسعى على بعيره – صلى الله عليه وسلم – والطواف أو السعي على البعير، أو في الدور الثاني فوق البناء، الأمر فيهما سواء، فإن الإنسان سواء كان على البعير، أو على الدور الأول، أو الدور الثاني كله، قد ارتفع عن الأرض على شيء متصل بهذه الأرض، ثم إن من طاف في الدور الأول، أو سعى في الدور الأول أو في السطح، يصدق عليه أنه طاف أو سعى، طاف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة، و بناء على ذلك أفتى المجلس في جلسته تلك بأنه يجوز الطواف أو السعي في الدور الأول، أو في السطح، وقد تحفظ كما قلت لكم بعض الأعضاء، وعارض القرار شخص واحد، هو العلامة الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي، عليه رحمة الله تعالى.

    ثم إن هذا الأمر أصبح فيما بعد إجماعَ عملٍ من الأمة الإسلامية، فتلقاه الناس بالقبول، وأصبحوا يعملون به، ولا ينكره أحد من علمائهم ولا من طلاب العلم فيهم؛ فأصبح إجماع عمل بحمد الله – سبحانه وتعالى – وتوفيقه، ولا شك أن الأمة في هذا الزمن تحتاج إلى مثل هذه الحلول؛ حتى تتسع المشاعر – ومنها بيت الله الحرام – لعدد أكبر من المسلمين؛ حتى يؤدوا مناسكهم، والشعيرة العظيمة التي هي الركن الخامس من أركان الإسلام.

    الحقيقة أن هذا الأمر أو هذه النازلة أصبحت – كما قلت لكم – إجماعَ عملٍ، وما كنتُ لأبحث هذه المسألة أو أعرض لها؛ فإن هذا إلى التشويش أقرب منه إلى بيان الحكم؛ فإن الناس لا يشكون فيه ولا يختلفون فيه، وإنما أردت أن أنتقل من هذه المسألة إلى المسألة التي تليها، وهي تابعة لها، ألا وهي: الطواف في المسعى. فما معنى الطواف في المسعى؟ أو ماذا نقصد بالطواف في المسعى؟

    من المعروف أن الإنسان إذا أراد أن يطوف في الدور الأول أو في السطح، أن المطاف يكون متسعًا حتى يصل الإنسان إلى الناحية الشرقية من المطاف، فيقرب المسعى من المطاف، حتى يضيق المطاف جدًّا في الجهة الشرقية التي هي جهة المسعى من المطاف، إذا كان الإنسان يطوف في الدور الأول أو في السطح، فإنه إذا وصل إلى هذه الجهة، ضاق المطاف في الدور الأول أو في السطح، وقرب منه المسعى فضيق عليه، وأصبحت المسافة قليلة مع زحام الناس في رمضان أو في الحج أو نحو ذلك، يجد الناس حرجًا شديدًا في أن يدخلوا إلى المسعى، فيطوفوا جزءًا من الطواف داخل المسعى. فهذا محل حرج وكلفة ومشقة عند كثير من الناس: أنهم وهم يطوفون يضطرون إلى الدخول في المسعى، فهم يسألون ويقولون ما حُكْم أن يكون جزء من الطواف داخل المسعى؟ قبل أن أجيب على هذه المسألة، أو أذكر الحكم عليها، أحب أن أقدم بمسألة أخرى مهمة لها علاقة في الحكم على هذه المسألة، هذه المسألة: هي هل المسعى – ما بين الصفا والمروة – هل هو داخل المسجد الحرام، ويعتبر جزءًا من المسجد، أم أنه خارج المسجد؟

    المسعى إلى بدايات الثمانينيات الهجرية كان خارج المسجد الحرام تمامًا، ولو أن بعضكم اطلع على بعض الصور القديمة للمسعى بين الصفا والمروة، لوجد أن الناس يسعون بين الصفا والمروة وعلى جنباتهم من اليمين والشمال الدكاكين المشرعة على المسعى، فكان المسعى مستقلاًّ وخارج المسجد الحرام تمامًا، ولهذا كان العلماء في كتب الفقه قديمًا يقولون إن المسعى خارج المسجد الحرام، ولا تتحرج المرأة إذا كانت حائضًا أن تجلس فيه؛ بسبب أنه خارج المسجد الحرام؛ لكن حينما قامت الدولة السعودية – وفقها الله لكل خير – في الثمانينيات الهجرية ببناء المسجد الحرام وتوسعته، أصبح المسجد كما تشاهدونه الآن بحيث أنه ألصق المسعى بالمسجد الحرام، وأصبح البناء واحدًا كما نشاهده الآن، هذا بحدود الثمانينيات الهجرية، فأصبح المسعى ملاصقًا، وجداره مع المسجد جدارًا واحدًا، وأبوابه مشرعة على المسجد الحرام، بعد ذلك وتقريبًا بعد الأربعمائة هجرية قامت الدولة السعودية في عهد الملك فهد – رحمه الله تعالى – بتوسعة أخرى للمسجد الحرام، فأضيف من الجهة الجنوبية الغربية أضيفت البناية والتوسعة المعروفة الآن بتوسعة الملك فهد، وفي المقابل في الجهة الشرقية أزيلت البنايات، وكان هناك شارع وجسر، فأزيل هذا الجسر وأزيلت البنايات التي في الجهة الشرقية، مما يكون خلف المسعى، فأزيلت هذه كلها، ثم وضعت ساحات و(بُلِّطَتْ) بإشكال دائرية متوافقة مع اتجاه القبلة، ووضعت عليها السياجات والجدران، وأدخلت في المسجد الحرام، وأصبح الناس يصلون خلف المسعى كما يشاهده كل أحد، ولهذا فمما يظهر لي أنه لا إشكال فيه أن المسعى الآن ما بين الصفا والمروة، أنه جزء من المسجد الحرام، فلا معنى لما كان يقوله الفقهاء قديمًا من أن المسعى خارج المسجد؛ فإن المسعى أُدخل في المسجد، ثم أدخل ما وراء المسعى في المسجد، فالمسعى كان ملصقًا بالمسجد، والآن يكاد يكون وسط المسجد أو قريبًا من ذلك، فالآن لا معنى لأن نقول إن المسعى خارج المسجد الحرام؛كما هو موجود في كثير من كتب الفقه، هذا كان في الزمن السابق؛ أما الآن فهو جزء من المسجد.

    نرجع الآن إلى بيان حكم المسألة، وهي حكم الطواف في المسعى؟ بمعنى أن الطائف – كما مر علينا – في الدور الأول أو في السطح، يطوف جزءًا من طوافه داخل المسعى، فأقول إن جماعة من أهل العلم وطلابه قد تحرجوا في هذا الأمر، ورأوا أن الإنسان لا يجوز أن يطوف داخل المسعى، وعللوا ذلك بأن المسعى خارج المسجد الحرام، و رخص بعضهم من أمثال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمة الله عليه – والشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله تعالى – في أن الإنسان إذا اضطر اضطرارًا، وزحمه الناس وأخرجوه إلى المسعى، أنه يصح طوافه إن شاء الله. وبعض أهل لم يرخص ولا في حال ازدحام، وقال إنه إذا طاف جزءًا من الطواف داخل المسعى؛ فإن طوافه لا يصح. هذا هو قول عدد ليس بالقليل من أهل العلم وطلابه في هذا الزمن، وكما قلت لكم لم أطلع على تعليل لمن قال بهذا القول؛ إلا أنه قال إن المسعى خارج الحرم، وقد مر معنا قبل قليل أن المسعى كان خارج المسجد الحرام في الزمن السابق؛ أما الآن فأصبح داخل المسجد الحرام، وبالتالي فإن هذا التعليل لا يستقيم، والذي أراه – والله سبحانه وتعالى أعلم – هو أن طواف جزء من الطواف داخل المسعى أنه جائز، سواء كان هناك ضرورة بحيث أن الإنسان زحمه الناس، أو حتى لو لم يكن هناك ضرورة؛ فإن الإنسان إذا كان في السطح أو كان في الدور الأول، وكان يطوف فإذا جاء إلى جهة المسعى، لو أنه دخل من أحد أبوابه وخرج من الآخر بحيث إنه يكمل جزءًا من الطواف داخل المسعى، أن طوافه صحيح؛ وذلك لأنه لا يخرج عن كونه طاف بالبيت الحرام؛ فخروجه في هذا الجزء إلى جهة المسعى هل يخرجه عن أن يكون طاف بالكعبة، أو طاف بالبيت الحرام؟ هو لم يخرج من المسجد، هو داخل المسجد ويطوف على الكعبة المشرفة، وعلى بيت الله الحرام؛ فهو يسمى طائفًا. وما ذكره بعض أهل العلم من تعليل بأن المسعى خارج المسجد، قلنا عن هذا التعليل إنه لا يستقيم الآن بعد التوسعة الأولى والتوسعة الثانية، والذي أراه راجحًا أنه إذا طاف الطائف جزءًا من طوافه داخل المسعى، فإن طوافه صحيح ولا إشكال فيه؛ زحمه الناس أو لم يزحموه. هذا هو الذي ظهر لي رجحانه، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

    النازلة السابعة المبيت بعرفه ليلة عرفة

    فأولاً قبل أن نبحث هذه المسألة، من المشهور والمعروف والمتفق عليه بين مَن نقل صفة حجة النبي – صلى الله عليه وسلم – أن النبي -صلى الله علية وسلم – بات ليلة التاسع بمِنى، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قَدِمَ إلى مِنى من مكة يوم التروية يوم الثامن، وبات تلك الليلة بمنى، ولم يخرج من منى إلى عرفات إلا بعد أن طلعت الشمس يوم عرفة، فهذا هو هدي النبي – صلى الله علية وسلم – ولهذا فإن جماهير أهل العلم على أن المبيت ليلة التاسع أن السُّنة فيه أن يبيته الإنسان بمنى؛ لكن في هذه الأزمنه أنتم تعرفون أن الحجاج يصل عددهم أحيانًا إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين، والحملات أحيانًا تكون عبارة عن سلسلة من السيارات الكبيرة والأتوبيسات، حتى إن بعض الحملات ربما يصل عددها إلى ثلاثين أو أربعين (باصًا).

    فأصبح هؤلاء الحجاج والقائمون على العناية بأمورهم وترتيب أحوالهم، إذا طبَّقوا هذه السُّنة، وهي المبيت ليلة التاسع بمنى والانصراف أو الدفع من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس من يوم عرفة، يجدون مشقة وعسرًا شديدًا، وربما بعض الحملات – وقد مررت بشيء من ذلك – ربما ما يصلون إلى عرفات إلا بحدود الساعة الثانية أو الثالثة، أو حتى الرابعة ظهرًا أو بعد الظهر، فما يصل الحجاج إلى عرفات إلا وهم في حالة لا تخفى على أمثالكم من التعب والإجهاد والمشقة، ثم يصل إلى عرفات فإذا جاء وقت الدعاء والتضرع، الذي هو أعظم المواقف، التي يقول فيها النبي – صلى الله عله وسلم -: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة))، إذا جاء هذا الوقت وإذا بهذا الحاج في قمة الإنهاك والتعب والمشقة، وإذا هو يبحث عن الراحة، ولو أنه جاهد نفسه ودعا؛ فإنه لا يكون في حالة من الإقبال على الله – سبحانه وتعالى – واستحضار التضرع والخشوع، والإنابة إلى الله – عز وجل – والطمع فيما عنده؛ فمن أجل ذلك بدأت بعض الحملات يسألون عن مسألة لو أننا في اليوم الثامن انصرفنا عصرًا أو بعد العشاء إلى عرفات، وبتنا فيها، هل في ذلك حرج؟

    فأقول لا أعلم أحدًا من أهل العلم قال إن المبيت بمنى ليلة التاسع واجب, فهم يقولون إن المبيت بمنى ليلة التاسع سُنة، وبالتالي فإن الذين يتركون هذا المبيت يتركون سُنة بحمد الله تعالى، على أن بعض الناس يقول إنا ذهبنا نطلب الخير، ونطلب ما عند الله – سبحانه وتعالى – ونقتفي آثار محمد – صلى الله عليه وسلم – فأقول وأنت على خير؛ ولكن إذا تعارضت سنة مع مجموعة من السنن، فلا شك أن الإتيان بمجموعة من السُّنن أولى من الإتيان بسنة واحدة، وإذا تعارضت سُنَّتان إحداهما آكد من الأُخرى؛ فإن ترجيح السُّنة الآكد من الفقه، فإذا كان الحاج إذا أتى ليلة عرفه وبات فيها، ثم قام الصبح وإذا هو بكامل الراحة، وحضور القلب والإقبال على الله – سبحانه وتعالى – فإنه إذا جاء وقت الدعاء – الذي هو من أعظم المواقف؛ فإن من أعظم المواقف هو موقف عرفة، ولهذا ما رُئي الشيطان أذل ولا أحقر منه في يوم عرفة؛ لما يرى من تنزل الرحمة من الله – سبحانه وتعالى – والتجاوز عن الذنوب العظام – فإن استغلال مثل هذه الساعات في حالة يكون الإنسان فيها في قمة النشاط والحيوية، والإقبال على الله – سبحانه وتعالى – لا شك أنها من أعظم وآكد سنن الحج، ولهذا الذي يظهر لي – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – أنه إذا تعارض الأمران، فإن الأولى للإنسان أن يترك المبيت بمنى ليلة التاسع؛ من أجل أن يحصل الإقبال والدعاء والتضرع والإخبات إلى الله – سبحانه وتعالى – في يوم عرفة، وإذا كان الإنسان مثلاً يحج بسيارته، ويمكنه أن يجمع الأمرين جميعًا؛ فلا شك أن هذا نور على نور، وخير الهدي هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما لا يخفى على أحد؛ لكن مَن ذهب وأخذ بما ذكرناه؛ فإنه لا شك أنه لا يحرج عليه بأنه إنما ترك سُنة، وقد يكون هذا أفضل له، وهو الفقه بالنسبة له إذا كان سيحصِّل شيئًا أعظم مما تركه. هذه هي النازلة السابعة من نوازل الحج.

    النازلة الثامنة الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس لمن وقف نهارًا

    قبل أن نبحث حكم هذه النازلة، أحب أن أُنبه على أمور:
    الأمر الأول: حُكْم حجِّ مَن وقف بعرفة نهارًا فقط؟ لو أن إنسانًا وقف بعرفة بعد الظهر أو بعد العصر، ثم انصرف إلى مزدلفة ولم يبقَ إلى غروب الشمس، ولم يرجع في الليل، فما حكم حجه؟ حكم حجه كما يقول الموفق بن قدامة – رحمه الله تعالى – أنه صحيح في قول جماعة العلماء، ولم يخالف من أهل العلم أحدٌ في صحة الحج؛ إلا الإمام مالك – رحمه الله تعالى – وقد قال ابن عبدالبر – وهو مالكي أيضًا – قال: “إنه لم يتابع مالكًا في هذا القول أحدٌ”؛ يعني أن مالكًا – رحمه الله تعالى – انفرد بهذا القول، ولا شك أن قول الإمام مالك – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة شاذ؛ لأنه قول مخالف لحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث عروة بن مُضَرِّس عند الخمسة بسند صحيح، لما جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في صلاة الفجر بمزدلفة قال: “يا رسول الله، قدمت من جبلي طيئ، أتعبت راحلتي، وأنهكت بدني، وما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟”، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفه ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجُّه وقضى تفثَه))، فهذا نص صريح من النبي – صلى الله عليه وسلم – في أن مَن وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجُّه. وإذًا فقول الإمام مالك – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة قول شاذ، عليه رحمة الله تعالى.

    الأمر الثاني الذي أُريد أن أبحثه قبل أن نصل إلى مسألتنا هو: حكم حج مَن وقف بعرفة ليلاً فقط؟ إنسان لم يصلْ إلى عرفات إلا بعد العشاء أو في منتصف الليل، ثم وقف فيها ساعة، ثم انصرف إلى مزدلفة، فما حكم حجه؟ حجه صحيح، يقول الموفق بن قدامة – رحمه الله تعالى -: “لا أعلم في صحته خلافًا”، فهذا الحج حجٌّ صحيح، ولو لم يقف إلا في الليل؛ لحديث عروة ابن مضرس – رضي الله تعالى عنه – الذي مر معنا قبل قليل، وفيه قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا)).

    الأمر الثالث بين يدي نازلتنا هو: هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في وقوفه بعرفة. النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث جابر- رضي الله عنه – في صفة حجة النبي – صلى الله عليه وسلم – “أنه لما طلعت الشمس من اليوم التاسع أَمَرَ أن تُضرَب له قبةٌ بنَمِرَة، ثم ركب من مِنى حتى أتى نمرة – ونمرة هذه كانت قرية تقع تقريبًا إلى الجهة الشمالية الغربية من عرفات، تقريبًا قبلة المسجد الآن مسجد نمرة المعروف، وهي خارج عرفة – فلما وصل إليها نزل – صلى الله عليه وسلم – حتى زالت الشمس، فلما زالت الشمس ركب راحلته حتى أتى الوادي – الذي هو بطن عُرَنَة، وبطن عرنة أيضًا خارج عرفات – فنزل – صلى الله عليه وسلم -وخطب الناس خطبةً عظيمة، وصلى بهم الظهر والعصر جَمْعًا وقَصْرًا، ثم ركب راحلته – صلى الله عليه وسلم – وأتى الموقف ووقف عند الجبل المعروف بجبل (إيلال)، أو المعروف الآن بجبل الرحمة، ولم يَرْقَه – صلى الله عليه وسلم – أو يصعده؛ وإنما وقف أسفل الجبل، واستقبل القبلة ورفع يديه يتضرع ويدعو الله – سبحانه وتعالى – حتى غربت الشمس، فلما سقط قرص الشمس وذهبت الصفرة دفع – صلى الله عليه وسلم – مِن عرفات إلى مزدلفة”. هذا هو هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا شك أن هذا هو أكمل الهدي وخير الهدي، وأن الإنسان إذا حرص على أن يقتفي آثار محمد – صلى الله عليه وسلم – أنه على خير عظيم، وأن هذه هي أكمل الأحوال. فأكمل الأحول أن يفعل الإنسان كما فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن يقف نهارًا، ويمكث حتى تغرب الشمس، ثم بعد ذلك ينصرف إلى مزدلفة ولا ينصرف حتى تغرب الشمس.

    بعد هذه المقدمات، نرجع إلى نازلتنا، وهي مَن وقف نهارًا، فما حكم بقائه إلى أن تغرب الشمس بعرفات، بحيث إنه لا ينصرف من عرفات حتى تغرب الشمس؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
    القول الأول: هو قول جماهير أهل العلم؛ كما يقول الموفق بن قدامة – رحمه الله تعالى – وغيره، فقد قال بهذا القول أبو حنيفة، والشافعي في إحدى الروايتين، والإمام أحمد، وجَمْعٌ من الأئمة والعلماء قديمًا وحديثًا، قالوا: مَن وقف نهارًا يجب عليه أن يبقى بعرفات؛ حتى تغرب عليه الشمس، فإن خرج من عرفات قبل أن تغرب الشمس ولم يرجع إليها؛ فإنه آثم لأنه ترك واجبًا. وهل يجب عليه دم أو لا يجب؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، بناء على اختلافهم فيمن ترك واجبًا: هل عليه دم أم عليه التوبة فقط؟ إذًا قول جماهير أهل العلم أن من وقف بعرفات نهارًا يجب عليه أن يبقى فيها حتى تغرب عليه الشمس.

    القول الثاني هو الرواية الثانية عن الإمام الشافعي،
    وهي المذهب عند الشافعية، واختارها الإمام النووي – رحمه الله تعالى – وهذا القول هو قول ابن حزم الظاهري، قال هؤلاء: إن من وقف نهارًا فإن البقاء إلى غروب الشمس سُنة في حقه. إن بقي حتى تغرب الشمس فقد أتى بهذه السُّنة واقتدى بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وإن تركها فليس عليه شيء؛ لأنه إنما ترك سُنة من السنن. نرجع إلى قول جماهير أهل العلم، الذين قالوا إن هذا واجب من واجبات الحج، فنذكر أدلتهم واحدًا واحدًا.
    استدل هؤلاء بعدد من الأدلة.

    الدليل الأول.. أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وقف بعرفة نهارًا، واستمر واقفًا فيها حتى غربت الشمس، ولم يدفع حتى غربت الشمس، وكان – صلى الله عليه وسلم – يقول في حجه: ((لتأخذوا عني مناسككم))، فهذا أمر من النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن يقتدي الناس به في مناسك الحج،
    فنحن مأمورون بالاقتداء به، والأمر للوجوب؛ إذًا البقاء حتى تغرب الشمس واجب؛ لفعله – صلى الله عليه وسلم – ولأمره بالاقتداء به – صلى الله عليه وسلم – هذا هو الدليل الأول؛ ولكن هذا الدليل يمكن مناقشته فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان في كل أفعال الحج يقول: ((لتأخذوا عني مناسككم؛ فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا))، ومع هذا فإني لا أعلم أحدًا من أهل العلم يقول بأن كل ما فعله النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجه أنه واجب؛ مع أن النبي – صلى الله عليه وسلم – فعله، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وإذًا فمجرد هذا الدليل لا يكفي لإيجاب الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس، فالذين قالوا إنه واجب بهذا الدليل لم يقولوا بأن المبيت بمنى ليلة التاسع واجب، مع أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بات فيها، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)). ولم يقولوا بأن الدعاء عند الجمرات واجب، مع أن النبي – صلى الله عليه وسلم – دعا عند الجمرة الأولى والثانية، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)). إذًا مجرد هذا الدليل بمفرده لا ينتج الوجوب؛ بإجماع عمل الأئمة بخلاف هذا الدليل؛ إذا هذا الدليل لا يستقيم.

    الدليل الثاني من أدلة أصحاب هذا القول
    أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وقف بعرفة نهارًا، واستمر بها حتى غربت الشمس، وذلك منه – صلى الله عليه وسلم – مخالفة لهدي المشركين. فإن المشركين – عدا قريشًا – كانوا في الجاهلية يقفون بعرفات، وكان هديهم أنه إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال؛ مثل العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا من عرفة إلى مزدلفة، فأراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يخالف هديُه هديَهم، فبقي – صلى الله عليه وسلم – حتى غربت الشمس، ولا شك أن من أعظم مقاصد حج النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يبطل عقائد الجاهلية وما كان عليه أهل الجاهلية في ذلك الزمان، ولهذا كان – صلى الله عليه وسلم – يخالف الجاهلية في أفعال كثيرة، كما خالفهم – صلى الله عليه وسلم – في الوقوف بعرفة، فإن قريشًا ما كانت تقف بعرفة، ويقولون نحن الحمس – يعني المتحمسون لدينهم – فكانوا يقفون بمزدلفة، وبقية الكفار يقفون بعرفات، فخالفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – وأفاض من حيث أفاض الناس ووقف بعرفة، والنبي – صلى الله عليه وسلم – خالفهم بمزدلفة؛ فإن المشركين في مزدلفة كانوا يقفون فيها حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس دفعوا إلى منى، وكانوا يقولون: “أَشْرِقْ ثَبِير كي ما نغير”؛ ثبير: جبل مُطلٌّ على مزدلفة، فكانوا إذا رأوا الشمس في أعلى الجبل دفعوا من مزدلفة إلى منى، فخالفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – ودفع حين أسفر جدًّا قبل أن تطلع الشمس، وخالفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – حينما مر بوادي مُحَسِّر؛ فإن المشركين كانوا إذا أتوا إلى وادي محسر، يقفون ويتفاخرون بشجعانهم وكرمائهم وشعرائهم إلى آخر ذلك، فأمر الله – سبحانه وتعالى – نبيَّه – صلى الله عليه وسلم – في الحج وأمر المؤمنين أن يذكروه كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرًا، فلما وصل النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى وادي محسر أسرع؛ مخالفةً للمشركين. فالنبي – صلى الله عليه وسلم – في بقائه في عرفات حتى غربت الشمس قَصَدَ مخالفة المشركين, ومخالفةُ المشركين واجبة؛ فعلى مَن وقف نهارًا أن يبقى حتى تغرب الشمس؛ مخالفةً للمشركين.

    ولكن حتى هذا الدليل لا ينتج الوجوب في نظري؛ فقد ذكرت لكم آنفًا أن المشركين يبقون بمزدلفة حتى تطلع الشمس، ثم يدفعون منها إلى منى، فخالفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – ودفع قبل أن تطلع الشمس، ولم يقل أحد من أهل العلم أن الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس واجبٌ؛ بل قالوا يُسنُّ للإنسان أن يدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس؛ لكنه ليس بواجب، مع أن هذا مخالف لهدي المشركين، وأيضًا الإسراع في وادي محسر، ما أعرف أحدًا من أهل العلم قال إن الإسراع في وادي محسر واجب؛ لكنه سُنة من السنن، لكنه في حق النبي – صلى الله عليه وسلم – قد يكون متعيِّنًا من أجل أنه – صلى الله عليه وسلم – كان من مقاصد حجه أن يهدم ما كان عليه المشركون من عقائد فاسدة؛ لكن بالنسة للأمة من بعده، بعد أن انهدمت عقائد المشركين، فإن هذا الأمر لا يصل إلى درجة الوجوب، وإذًا الاستدلال بهذا الدليل في نظري أنه لا ينتج الوجوب.

    الدليل الثالث من أدلة الجمهور

    على أن مَن وقف نهارًا يجب عليه أن يبقى في عرفات حتى تغرب الشمس: أنه قد ثبت في الصحيحين أن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه – صلى الله عليه وسلم –”، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – حين وقف بعرفات، أيهما أيسر على المسلمين؟ أن يدفع من عرفات قبل غروب الشمس؛ حتى يصلوا إلى مزدلفة بنهار ووقت إسفار، أم أن يبقى في عرفات حتى تغرب الشمس.

    ثم يدفعون بليل إلى أن يصلوا مزدلفة؟ وأنتم تعرفون في ذلك الوقت كان الناس ينتقلون على الإبل وعلى الحُمُر، وعلى أرجُلهم، والمسافة بين عرفات ومزدلفة تحتاج إلى وقت، فقد يمضي عامة الليل قبل أن يصل الإنسان إلى مزدلفة؛ بل إن الناس في ذلك الزمن كان الواحد منهم ربما خرج من عرفات، ولم يصل إلى مزدلفة ويتيه عنها، ولهذا كان الخلفاء وأُمراء الحج يوقدون نارًا في المشعر الحرام في مكان مرتفع يسمى (المِيقدة) من أجل ألا يضل الحجاج يمينًا أو شمالا. إذًا أيهما أيسر على المسلمين الذين حجُّوا مع محمد – صلى الله عليه وسلم – أن يدفع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من عرفات إلى مزدلفة نهارًا، أو ليلاً؟ لا شك أن الأيسر لهم – في نظرنا – هو أن يدفع نهارًا؛ حتى يصلوا إلى مزدلفة في وقت إسفار. قالوا فلما ترك النبي – صلى الله عليه وسلم – الأمر الأيسر، وأخذ بالأمر الأشق؛ دل على أن الأمر الأيسر لا يجوز؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا.

    وفي نظري أيضًا أن هذا الدليل لا يستقيم، ولا ينتج الوجوب؛ فإن ثمة أكثر من احتمال لعلها هي التي حملت النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – على اختيار الآخر؛ بل قد يكون بقاء النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى أن غربت الشمس هو الأرفق بالمسلمين. كيف يكون هذا؟ نقول قد يكون النبي – صلى الله عليه وسلم – ما ترك الأيسر، وهو الدفع نهارًا، إلى الأشق وهو الدفع ليلاً؛ إلا ليهدم عقيدة من عقائد المشركين، وأنتم تعرفون أن من أعظم مقاصد حجة النبي – صلى الله عليه وسلم – هدمَ عقائد المشركين، وإذا لم يهدمها النبي – صلى الله عليه وسلم – فمَن يهدمها؟! إذًا كان من المقاصد العظيمة للنبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك الوقت أن يهدم هذه العقيدة؛ فبقي لأنه لو لم يفعل ذلك ما انهدمت، فهذا يحتمل أنه هو الذي جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – يختار هذا الأمر على الأيسر. أيضًا هناك احتمال آخر هو أن النبي – صلى الله عليه وسلم – إنما بقي حتى غربت الشمس؛ ليعلم الناس أن الوقوف بعرفة يصح ليلاً ويستمر حتى الليل، خاصة إذا عَلِمنا أن الليلة في الإسلام تَتْبَع اليوم الذي بعدها، وإذًا الأصل أن يوم عرفة ينتهي بغروب الشمس.

    الأصل في الإسلام أن اليوم ينتهي بغروب الشمس، فإذا غربت الشمس دخل يوم جديد، فمعنى ذلك أن الوقوف في الليل يحتاج إلى دليل من النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى يعرف الناس أن ليلة العيد تابعة ليوم عرفة؛ وليست تابعة ليوم العيد. إذًا هذه مصلحة، و إذًا كون النبي – صلى الله عليه وسلم – يخبر الأمة، ويشرع لهم أن هذه الليلة، وإن كانت في الأصل تابعة لليوم الذي بعدها، إلا أنها في هذا اليوم تابعة لليوم الذي قبلها، هذا أرفق بالأُمة؛ لأن وقت الوقوف سيطول، وإذًا هناك أكثر من احتمال كلها يدل على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – ما ترك الأيسر على أُمته؛ إلا لمصالح عظيمة، هي أعظم من الرفق بهم في هذا الجانب، وإذًا فهذا الاستدلال – في نظري – لا يستقيم للقول بوجوب البقاء حتى تغرب الشمس.

    ننتقل بعد ذلك إلى القول الثاني في هذه المسألة، وهو: قول الشافعية في أصح القولين عندهم، وهو اختيار الإمام النووي، وابن حزم الظاهري: أن مَن وقف نهارًا؛ فالبقاء إلى الليل سُنة في حقه، فإن تركه فليس عليه شيء. والشافعية يقولون إن تركه فإنه يُسنُّ له أن يذبح شاة، يسن له ويُستحب استحبابًا؛ لكنه لا يجب عليه؛ لأنه إنما ترك سُنةً، وهؤلاء يستدلون بما رواه الخمسة بسند صحيح عن عروة بن مُضَرِّس الطائي – رضي الله عنه – قال: جئت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في صلاة الفجر بمزدلفة، فقلت: “يا رسول الله، أتعبتُ راحلتي، وأجهدت بدني، وما تركت جبلاً – وفي بعض الروايات حبلاً – إلا وقفت عليه، هل لي مِن حج؟”، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجُّه وقضى تفثَه))، قال أصحاب هذا القول: يا مَن تقولون إن الوقوف واجب، وإن مَن تركه عليه دم، هذا الدم من أجل ماذا؟ هذا الدم دم جبران لما حصل في النسك من النقص؛ لأن هذا الحاج قد ترك واجبًا، فيجبر هذا النقص الذي حصل في حجه بترك هذا الواجب، يجبره بالدم. الجبران يكون للنقص، أليس كذلك؟ حسنًا؛ النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((فقد تم حجه))، كيف تقولون إنه ناقص، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((فقد تم حجه))؟! وهل الحج التام يحتاج إلى جبران؟ لا يحتاج إلى جبران.

    ثم إنه قد ورد في بعض روايات حديث عروة بن مضرس الطائي – رضي الله تعالى عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقفا معنا حتى ندفع، وكان قد أفاض من عرفات ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه)). فإذا كانت هذه الرواية – وهي عند النسائي والإمام أحمد – محفوظةً، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((كان قد أفاض من عرفات ليلاً أو نهارًا – يعني وقف، ثم دفع ليلاً أو نهارًا – فقد تم حجه وقضى تفثه))، وليس بعد التمام نقص، وليس مع التمام نقص. وهذا الدليل لا أعرف أن جمهور أهل العلم أجابوا عنه بإجابة تُبطِل الاستدلالَ به. ولهذا الذي يظهر لي – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – هو القول الثاني في هذه المسألة، وأن مَن وقف بعرفة نهارًا يُسنُّ له أن يبقى فيها حتى تغرب الشمس؛ ولكن لو دفع منها قبل غروب الشمس، فهو إنما ترك سُنة من السنن، وليس عليه شيء، وحجه تام بنص حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي مر معنا في حديث عروة بن مضرس الطائي – رضي الله عنه – وهذا القول تلاحظون أنه يعضده دليل قوي ثابت، حتى يقول الترمذي: حديثُ عروة بن مضرس حديثٌ صحيح، والحاكم – رحمه الله تعالى – يقول: هذا الحديث على شرط الأئمة كافة. إذًا هذا القول يعضده الدليل، واستدلالات الجمهور الذين قالوا بالوجوب – كما مر معنا – فإنها مُناقَشة. فهذا هو الراجح – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – وهذا هو المتوافق – بإذن الله عز وجل – مع حاجة المسلمين، وما يعانونه من مشقة وعسر وضيق؛ بسبب كثرة الأعداد، وتأخر وقت الانصراف. وأنتم تعرفون أنه قبل سنوات قريبة – وسنعرض لهذا – إن شاء الله – في نازلة قادمة – أن الناس لم يصلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس! لماذا؟ لأنهم ما انصرفوا إلا بعد غروب الشمس، فحينما ينصرف ثلاثة ملايين حاج في وقت واحد، مع طرق محدودة، مسافة سبعة كيلو مترات، فمتى سيصل آخر الحجاج؟ وسنعرض المسألة – إن شاء الله تعالى – في مجلس آخر. لم يصلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وبعض أهل العلم يقول إن الوقوف بمزدلفة ركن من أركان الحج، فكيف نجبر الناس على أن يقفوا حتى تغرب الشمس، مع أن الأدلة التي استدل بها مَن قال بهذا القول – كما تلاحظون – ضعيفة، ومَن قال بأن الوقوف والبقاء إلى غروب الشمس سُنة، أدلتهم قوية. هذا الذي يظهر لي في هذه المسألة، والعلم عند الله.

    النازلة التاسعة العجز عن المبيت بمزدلفة


    أعداد الحجيج في هذه السنوات تصل إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين، والسيارات الكبيرة والصغيرة تصل إلى الآلاف، و الطرق محدودة، ولهذا يظهر بعض المشاكل في خطة السير، فيتعرقل جزء كبير من الحجيج، وفي بعض السنوات تعرقل بعض الحجاج فلم يبلغُوا مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وهذه لا شك أنها نازلة، وكثير من الحجاج أقلقهم هذا الأمر، وسألوا عنه كثيرًا، ولذلك كان من المناسب أن نبحثها في هذا المجلس، خاصةً أن الأمر ليس نادرًا أو شاذًّا، فمع كثرة الحجيج وكثرة السيارات ربما هذا يحصل كل سَنة؛ لكنه في سنة واحدة ظهر واستفاض لوجود مشكلة كبيرة؛ لكن في بعض السنوات ربما يكون العدد أقل، ولهذا ما تظهر على السطح، فنريد أن نتحدث عن هذه النازلة.

    وقبل أن نبحث الحكم فيمَن فاته الوقوف بمزدلفة بهذا السبب ونحوه، نقدم ببعض المقدمات المهمة في هذا الباب.
    أول هذه المقدمات هي بيان هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في مزدلفة، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث جابر، وغيره من الأحاديث التي نقلتْ صفةَ حجة النبي – صلى الله عليه وسلم – لما غربت الشمس من يوم عرفة، وسقط قرص الشمس وذهبت الصفرة، دفع – صلى الله عليه وسلم – من عرفات إلى مزدلفة، وكان يسير وعليه السكينة والوقار، ويقول: ((أيها الناس، السكينةَ السكينةَ؛ فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل))، وما زال – صلى الله عليه وسلم – في طريقه عليه السكينة؛ حتى بلغ جَمْعًا؛ يعني بلغ مزدلفة. ومزدلفة تُسمى مزدلفة، وتسمى جَمْعًا، وتسمى المَشعَر الحرام، هذه كلها أسماء لبقعة واحدة، ومنسك واحد من مناسك الحج، وهي المزدلفة، فلما بلغها النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يبدأ بشيء قبل الصلاة.

    حتى إن الأحمال ما أُنزلت من على ظهور الإبل، فأمر المؤذن فأذَّن ثم أقام ثم صلى – صلى الله عليه وسلم – بالناس صلاة المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيرَه، ثم أقيمت الصلاة وصلى بهم – صلى الله عليه وسلم – صلاة العشاء ركعتين، ثم إن النبي – صلى الله عليه وسلم – اضطجع أو رقد في تلك الليلة، ولما كان من آخر الليل أمَرَ ضعفةَ أهلِه – صلى الله عليه وسلم – فدفعوا إلى منى، وكان معهم عدد من الشباب من بني عبدالمطلب من أمثال ابن عباس ونحوه في السِّن، فدفعوا من آخر الليل إلى منى، وأما النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنه بقي في مزدلفة، حتى إذا بزغ الفجر، قائل يقول إنه طلع الفجر، وقائل يقول إنه لم يطلع، أُذِّن لصلاة الفجر ثم أقيمت الصلاة ثم صلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بالمسلمين صلاة الفجر في المزدلفة، فلما صلى صلاة الفجر ركب بعيره وأتى إلى المشعر الحرام.

    والمشعر الحرام اسم لكل مزدلفة، واسم لجبل في مزدلفة يسمى جبل المشعر الحرام، هذا الجبل أزيل الآن وأقيم عليه المسجد المعروف الآن بمسجد المشعر الحرام، فأتى النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى وقف عند المشعر الحرام، فقال: ((وقفتُ هاهنا، وجَمْع كلها موقف، وارفعوا عن بطن مُحَسِّر))، ثم استقبل القبلة – صلى الله عليه وسلم – فوحَّد الله، وهلَّله، وكبَّره، ورفع يديه يدعو ويتضرع – صلى الله عليه وسلم – حتى أسفر جدًّا؛ يعني قبيل شروق الشمس، ثم ركب ناقته ودفع إلى منى – عليه الصلاة والسلام – عليه السكينة والوقار. هذا هو هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في مزدلفة، وكان المشركون لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون “أَشْرِقْ ثَبِير كي ما نغير”؛ ثبير جبل يطل على مزدلفة، هو أرفع الجبال، كانوا ما ينصرفون من مزدلفة حتى تطلع الشمس على هذا الجبل، فخالفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – ودفع قبل طلوع الشمس، هذا هو هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في مزدلفة، ولا شك أن خير الهدي وأكمل الهدي هو هدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

    بعد ذلك ننتقل إلى المقدمة الثانية، قبل الحديث عن مسألتنا التي بين أيدينا، هذه المقدمة هي

    ما حكم المبيت بمزدلفة ليلة العيد؟ فأقول إن أهل العلم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: فمن أهل العلم مَن قال إن المبيت بمزدلفة ليلة العيد ركنٌ من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به؛ فمن فاته فقد فاته الحج. ومن أهل العلم مَن قال إن المبيت بمزدلفة واجبٌ من واجبات الحج، وليس ركنًا، وهذا القول هو قول جماهير أهل العلم، بما فيهم الأئمة الأربعة. والقول الثالث من أقوال أهل العلم أن المبيت بمزدلفة ليلة العيد سُنةٌ. والذي لا ريب فيه ولا شك – والعلم عند الله – هو رجحان قول مَن قال إن المبيت بمزدلفة واجبٌ من واجبات الحج؛ يجب على الحاج لكنه لو فاته فإن حجه صحيح. والذين قالوا بأنه واجب من واجبات الحج استدلوا بعدد من الأدلة، لكن من أظهر هذه الأدلة قول الله – سبحانه وتعالى -: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198].

    والمشعر الحرام – كما قلت لكم قبل قليل – هو اسم من أسماء مزدلفة، كما أن مما استدل به هؤلاء على وجوب المبيت بمزدلفة حديثَ عروة بن مضرس، الذي مر معنا في المجلس الماضي، وقد رواه الخمسة، وهو حديث صحيح، وفيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لعروة بن مضرس: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجُّه، وقضى تفثه))، فقيد النبي – صلى الله عليه وسلم – تمام الحج بالوقوف بمزدلفة؛ يعني قال: ((من صلى صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع))، ومن أدلتهم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وقف بجمع أو بات بمزدلفة، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)). هذا هو ما استدل به أصحاب هذا القول على أن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، كما أن مما استدل به أصحاب هذا القول أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رخَّص للضعفة من آخر الليل…إلخ، والرخصة لا تكون إلا في مقابل الواجب؛ فإنه لا يقال رخص لهم في ترك السُّنة؛ وإنما يقال رخص لهم في ترك الواجب، أو جزء من الواجب.

    أما مَن قال إن المبيت بمزدلفة ركنٌ في الحج، فإن هؤلاء أظهرُ دليلٍ لهم هو ما ورد في بعض روايات حديث عروة بن مضرس الطائي – رضي الله تعالى عنه – كما عند النسائي، فإنه ورد في رواية عند النسائي
    أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ((مَن أدرك الإمام والناس، وأفاض معنا فقد أدرك، ومن فاته الناس والإمام فلم يدرك))؛ يعني مَن أدرك الوقوف مع الإمام والناس، وأفاض معهم؛ فقد أدرك الحج، ومَن فاته الوقوف مع الناس، والإفاضة معهم؛ فقد فاته الحج. لكن هذه الرواية كما عليه أكثر أهل العلم أنها رواية غير محفوظة، لا تصح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – كما قرر ذلك الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – والشِّنْقِيطِي كما في “أضواء البيان”. فهذه الرواية لا تصح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – إنما حديث عروة بن مضرس روايتُه المحفوظة هي الرواية التي كررناها مرارًا، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجه وقضى تفثه))، أيضًا مما يدل على أن المبيت بمزدلفة ليس ركنًا في الحج حديثُ عبدالرحمن بن يعمر- رضي الله تعالى عنه – الذي رواه أصحاب السنن، والإمام أحمد بسند صحيح، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((الحج عرفة؛ فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جَمْعٍ فقد أدرك – وفي بعض الروايات – فقد تم حجه))، في هذا الحديث يخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن مَن أدرك الوقوف بعرفة، ولو لحظة قبل طلوع الفجر من ليلة مزدلفة؛ فقد تم حجُّه، وأدرك الحج، فالإنسان الذي لا يقف بعرفة إلا في آخر لحظة من ليلة مزدلفة، متى سيقف في مزدلفة؟ إذًا كان جمهور أهل العلم يقولون إن الوقوف قبل طلوع الفجر، فهذا بالتأكيد سيفوته الوقوف بمزدلفة، ولو كان إذا فاته الوقوف بمزدلفة لا يصح حجُّه لأخبر بذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – لكنه قال: ((فقد تم حجه))، فهذه الأدلة بمجموعها تدل على أن المبيت بمزدلفة واجبٌ من واجبات الحج، يأثم الإنسان بتركه متعمدًا؛ ولكنه لا يبطل حجه؛ بل حجه صحيح، هذا هو أعدل الأقوال في مسألة حكم المبيت بمزدلفة. أما قول مَن يقول إنه سنة فهذا قول ضعيف، ومستنده ضعيف؛ فإنهم يقيسونه على المبيت بمنى ليلة التاسع، ولا شك أن هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابل النص.

    المقدمة الثالثة المقدار الواجب من المبيت في مزدلفة

    قلنا إن المبيت بمزدلفة واجب على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، فما هو المقدار الواجب من هذا المبيت؟ يعني كم يجزئ الإنسان من هذا المبيت؛ بحيث يقال له قد أتيت بالواجب؟ في مسألة الوقوف بعرفة من حديث عروة بن مضرس الطائي، ومن حديث عبدالرحمن بن يعمر، عرفنا أن الوقوف بعرفة يكفي فيه لو دقيقة واحدة، وكان قد وقف بعرفة ليلاً أو نهارًا؛ أيُّ وقوفٍ بعرفة حتى ولو مرور، فإنه يكفي ويَصدُق على هذا الإنسان أنه وقف بعرفة، وأنه أدرك الحج. فالمبيت بمزدلفة الذي أمر الله – سبحانه وتعالى – به وأمر به النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث عروة بن مضرس وغيره، ما هو المقدار الذي نقول إن الإنسان إذا أتى به فقد أتى بالواجب، وما زاد على ذلك فهو سُنة؟ لا شك أن أكمل الهدي وخيره هو هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأن أكمل ما يفعله الحاج أنه إذا جاء إلى مزدلفة يصلي بها المغرب والعشاء، ويبيت بها ويصلى الفجر ويقف الموقف، ويدعو حتى يسفر جدًّا، ثم يدفع منها، هذا لا شك أنه هو الكمال بالنسبة لهذه الشعيرة. لكن ما نريد أن نتحدث عنه هو المقدار الواجب، الذي إذا أتى به الإنسان فقد بَرِئَتْ ذمتُه، وخرج من العهدة، وإذا لم يأتِ به أَثِمَ لتفريطه وتركه واجبًا من واجبات الحج. وعلى الخلاف فيما يترتب عليه بعد ذلك. فما هو هذا المقدار؟


    ما زلنا
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: النوازل الفقهية فى الحج

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 12:15 am

    اختلف أهل العلم في المقدار الواجب من المبيت بمزدلفة على أقوال:
    القول الأول: فذهب الإمام مالك – رحمه الله تعالى – إلى أنه يكفي الحاجَّ أن يقف بمزدلفة بمقدار ما يصلي المغرب والعشاء ويتعشى، فإذا وقف بمزدلفة هذا المقدار؛ فإنه قد أتى بالواجب. يعني إذا قلنا مثلاً صلاة المغرب والعشاء تحتاج إلى ربع ساعة، والعشاء يحتاج مثلاً إلى ربع ساعة، فمعنى ذلك أن الإمام مالك – رحمه الله تعالى – يقول إنه إذا وقف بمزدلفة مقدار نصف ساعة، فإنه يجزئه ذلك ولو دفع بعد ذلك، فلو وصلتَ إلى مزدلفة الساعة التاسعة مساءً، ثم بقيتَ فيها نصف ساعة ثم انصرفت؛ فإنك عند الإمام مالك تكون قد أتيت بالواجب. وما زاد على ذلك فهو تطوع وهو سُنة؛ بل إن من المالكية من قال يكفي من الوقوف بمقدار ما يُنزل الإنسانُ رَحْلَه. هذا هو القول الأول في هذه المسألة.

    القول الثاني: وهو الذي ذهب إليه الشافعي، والإمام أحمد، وجماعة من أهل العلم، قالوا إن المقدار الواجب لمن وقف قبل منتصف الليل أن يقف حتى منتصف الليل، ومَن وقف بعد منتصف الليل فإنه يجزئه أيُّ وقوف، فإذا أردنا أن ننصف الليل إلى نصفين، فإنا نحسب المسافة الزمنية من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ وليس كما يتبادر للأذهان أنه من غروب الشمس إلى طلوعها. الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فإننا إذا قلنا هذا المقدار ثماني ساعات مثلاً، فالمنتصف هو أربع ساعات من غروب الشمس، فعند الشافعي وأحمد – عليهما رحمة الله – يجب من الوقوف بمزدلفة إذا وقف الإنسان قبل منتصف الليل، أن يبقى فيها حتى ينتصف الليل، وإن وقف بعد منتصف الليل أجزأه أيُّ وقوف. هذا هو قول الشافعي، وأحمد، وجماعة من أهل العلم.

    القول الثالث: قول أبي حنيفة – عليه رحمة الله تعالى – والإمام أبو حنيفة يختلف عن الأئمة الثلاثة، فإنه يرى أن الوقوف بمزدلفة من بعد طلوع الفجر، فمن وقف أول الليل فإنه يجب عليه أن يبقى – عند الإمام أبي حنيفة – حتى يطلع الفجر؛ لأن الوقوف عنده من بعد طلوع الفجر. هذه هي أقوال أهل العلم في هذه المسألة.

    أما أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – الذي يقول يجب الوقوف إلى طلوع الفجر، وإن الوقوف المشروع بعد الصلاة، فإنه يستدل على ذلك بحديث عروة بن مضرس الطائي – رضي الله عنه – وفيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار؛ فقد تم حجه وقضى تفثه)). هذا هو مستند الإمام أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – في أن الوقوف بعد صلاة الفجر؛ ولكن الحقيقة أن هذا الحديث ليس على ظاهره في أن الوقوف الواجب بعد صلاة الفجر، بدليل أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كما ثبت في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – ومن حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث عائشة – رضي الله عنهم – أنه – صلى الله عليه وسلم – قدَّم ضعفةَ أهله بليلٍ للدفع إلى منى، ولا يمكن أن يرخص لهم النبي – صلى الله عليه وسلم – في ترك الواجب، فهذه الأدلة تدل على أن هؤلاء الضعفة مِن النساء ومَن يرافقهم، أنهم أتوا بجزء من الواجب، ثم رخص لهم النبي – صلى الله عليه وسلم – في باقيه، وفي الدفع إلى منى، فهذا دليل على أن الوقوف يجب قبل طلوع الفجر، لا كما يقول أبو حنيفة – رحمة الله تعالى عليه – إن الوقوف الواجب بعد صلاة الفجر، هذا هو قول أبي حنيفة – رحمة الله تعالى عليه – في هذه المسألة.

    أما قول الأئمة الشافعي وأحمد في أن المقدار الواجب إلى منتصف الليل، فإذا انتصف الليل فإن الباقي سُنة ولا يجب، فإنهم يستدلون على ذلك بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كما ثبت في أحاديث كثيرة، أَذِنَ للضعفة من أهله أن يدفعوا بليلٍ؛ كما في حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث عائشة، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أَذِنَ لهم أن يدفعُوا بليلٍ، فقالوا إذا رخص للضعفة ومَن يرافقهم؛ فهذا دليل على أنه قد أُتي بالواجب، فإذا انتصف الليل وذهب أول الليل وأتى آخره، جاز للضعفة أن يدفعُوا، وهذا دليل على أن الواجب قد أُتي به، وما عدا ذلك فإنه ليس بواجب، فنقول إن هذا المقدار هو الواجب إلى منتصف الليل، وما زاد على ذلك فهو غير واجب، ولهذا الشافعي وأحمد – عليهما رحمة الله – يرخصان بعد منتصف الليل للضعفة وللأقوياء جميعًا، فمَن بقي إلى منتصف الليل فقد أتى بالواجب، وما بقي فهو سُنة في حقه.

    أما القول الأول، وهو قول الإمام مالك – رحمه الله تعالى – وهو أن الواجب من المبيت بمزدلفة بمقدار ما يصلي الحاج المغرب والعشاء ويتعشى، أو قول بعض أصحابه إنه يكفي بمقدار ما ينزل الإنسان رحله، فإن حُجة هؤلاء هي ظاهر الآية، فإن الله – سبحانه وتعالى – يقول: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } [البقرة: 198]، فإذا وقف الإنسان بمزدلفة، وصلى المغرب والعشاء وذكر الله؛ فقد وقف عند المشعر الحرام. وأنتم تعرفون أن الصلاة من أعظم الذكر، كما قال الله – عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الجمعة: 9]؛ يعني اسعوا إلى الصلاة، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [التغابن: 9]، قال الضحاك – رحمه الله -: “ذكر الله: الصلوات الخمس”. فإذا أتى بهذا فقد أتى بالمأمور به في كتاب الله – سبحانه وتعالى – وما زاد على ذلك فإنه مستحب وكمال؛ ولكنه غير واجب. وما استدل به الشافعية والحنابلة في قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث عروة بن مضرس: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه))، فإن هذا كما يقول الموفق بن قدامة – رحمه الله تعالى – بإجماع أهل العلم، إن الحاج لو أنه وقف حتى طلع الفجر، ولم يُصلِّ الفجر بمزدلفة، ولم يذكر الله – سبحانه وتعالى – في مزدلفة، ودفع قبل ذلك أن وقوفه صحيح، وإذا كان المأمور به صريحًا في الحديث ليس بواجب، فلازِمُه غير واجب من باب أولى.

    والذي يظهر – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – في هذه المسألة، هو وجاهة ما ذهب إليه الإمام مالك – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة، وأن هذا هو المقدار الواجب من المبيت، وما ورد من أدلة في هذا الباب؛ كقول النبي – صلى الله علبه وسلم – كما في حديث عروة بن مضرس: ((مَن صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع))، أو أنه أذن للضعفة آخر الليل، أو بليل..إلخ. فإن هذه كلها تدل على أن المبيت بمزدلفة منه قَدْرٌ واجب، ومنه قدر كمال واستحباب. فالواجب هو ما أُمر به في كتاب الله – سبحانه وتعالى – وما زاد على ذلك يكون كمالاً، ولا شك أن هذا القول له وجاهته؛ إلا أن قول أكثر أهل العلم في هذه المسألة له أدلة قوية، وهو محل اعتبار؛ ولكن بالنظر إلى أحوال الناس في هذه الأزمنة، فالازدحام الشديد، وكثرة الحجاج، وكثرة السيارات، وكثير من الناس ربما يأتي إلى مزدلفة فيدخل من طرف ويخرج من الطرف الآخر ما يستطيع أن ينزل بها، وأن النبي – صلى الله عليه وسلم – راعى الضعفاء مِن أهله ومَن كان معهم، وأن الناس في مثل هذه الأزمنة في حاجه شديدة، ولا تقوم الأدلة قيامًا وجيهًا؛ بحيث لا يتوجه عليها مناقشة، بأنه يجب المبيت إلى طلوع الفجر، أو إلى آخر الليل، أو إلى منتصف الليل. فالذي يظهر – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – أن قول الإمام مالك – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة، له وجاهة، وله حظ من النظر. الأَوْلى بالإنسان ألا يتعرض لخلاف أهل العلم، ويدخل بمسألة هل أتى بالواجب أو لم يأتِ به، ويحتاط لنفسه، لكن لو أن الإنسان حصل له مثل ما يحصل كثيرًا في أيامنا هذه، من أنه دخل متأخرًا في مزدلفة، وما استطاع أن يبقى فيها بعد امتلاء مواقفها وساحاتها ونحو ذلك، أننا نقول: مجرد دخوله إلى مزدلفة من طريق وخروجه من الطريق الآخر، وبقائه فيها مدة من الزمن أنه يَصدُق عليه أنه أتى بما أوجبه الله – سبحانه وتعالى – عليه، وأن هذا القدر يكفي في رفع الإثم عنه؛ ولكن كما قلت قبل ذلك الأكمل ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام.

    نأتي الآن إلى المسألة التي بين أيدينا وهي: حكم مَن عجز عن المبيت الواجب بمزدلفة؟
    حصل في بعض السنوات أن بعض الحجاج ما وصل إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، وانتهاء وقت الوقوف بمزدلفة تمامًا.
    فأولاً على ما رجحناه في حُكْم المبيت بمزدلفة، وأنه واجب وليس بركن؛ فإننا نقول إن حجه صحيح؛ لأن الراجح من أقوال أهل العلم أن المبيت بمزدلفة ليلة العيد واجبٌ من واجبات الحج، والواجب إذا تركه الحاج، فإن حجه صحيح، ومسألة ماذا يترتب على ذلك نبحثها الآن، المهم أن نعرف أن الحاج الذي يفوته الوقوف بمزدلفة، ويعجز عنه أن حجه صحيح.

    نأتي بعد ذلك إلى حكم المسألة التي بين أيدينا في جزئها الثاني: إذا كان الحج صحيحًا، فماذا يلزمه؟ الكلام عمن عجز عن المبيت بمزدلفة، لا عمن ترك المبيت بمزدلفة مختارًا. يعني إنسان خرج من عرفات، وذهب إلى منى مباشرةً، وجلس فيها بدون عذر، هذا ما نتكلم عنه، هذا ترك الواجب مختارًا، ويلزمه ما يلزم مَن ترك الواجب مختارًا مِن الإثم ووجوب التوبة، والجبران عند مَن يقول به. نحن نتكلم عما يحصل لبعض الحجاج في هذه الأزمنة، وهي أنه ربما عجز عن الوصول إلى مزدلفة حتى يفوت وقتها أحيانًا؛ كأن يكون في سيارة مثلاً وفي الطريق يتوقف السير، ما يستطيع أن يذهب لأن أهله معه في السيارة، وإذا جلس انتهى وقت الوقوف بمزدلفة قبل أن يصل إليها، إذًا هذا عاجز عن الوقوف بها، وتركه الوقوف بها عُذْرُه العجز. فماذا يلزم هذا العاجزَ؟

    ذهب بعض أهل العلم إلى أن مَن أُحصِر عن الواجب فإن عليه دمًا. من أحصر يعني مُنع، حيل بينه وبين الواجب؛ مثل مَن حيل بينه وبين الوقوف بمزدلفة، أن عليه دمًا؛ يعني يجبره بدم، وجبران الدم مبني على أثر ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – وهو قوله – رضي الله عنه -: “مَن ترك نسكًا من غير الفريضة؛ فليهرق دمًا”. هذا قولٌ في هذه المسألة.

    القول الثاني في هذه المسألة: وهو الذي أفتى به سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد العثيمين – رحمهما الله تعالى – أفتيا به الحجاج الذين عجزوا عن المبيت بمزدلفة، وأنه لا يلزمهم شيء، فما دام أنهم تركوا المبيت عجزًا؛ فإنه لا يلزمهم شيء.
    ما حُجة مَن قال بهذا القول؟

    استدلوا بدليلين:
    الأول: حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي – رضي الله تعالى عنه – وقد رواه الخمسة، وهو حديث صحيح، وفيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((الحج عرفة؛ فمن جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جَمْع؛ فقد تم حجه))، هذا هو الشاهد، فمَن وقف ولو للحظة قبل طلوع الفجر بعرفات؛ فقد تم حجه. ومن المعروف أن مَن وقف في هذا الوقت لن يقف في مزدلفة؛ يعني في آخر لحظة من الليل، فإنه عند جمهور أهل العلم قد انتهى؛ لأن وقت المبيت الواجب عندهم ينتهي بطلوع الفجر. فمن وقف في آخر لحظة في عرفة وهو طلوع الفجر، فإنه بالتأكيد لن يستطيع أن يقف بمزدلفة. والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((فقد تم حجه))، وهذا دَلالته أن مَن وقف بآخر لحظة من “وقت الوقوف بعرفة” بعرفة، ففاته الوقوف بمزدلفة، وفواته ذلك بعذر؛ لأنه ما وقف بعرفة إلا في آخر وقتها؛ فقد تم حجه، وما على مَن تم حجه من شيء. هذا هو الحُجة الأولى لمن قال بهذا القول.

    الدليل الثاني: قالوا إن كل ما عجز عنه المكلَّف من الواجبات ومن شرائط العبادات، فإنه يسقط؛ كما قرر هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، في أن ما عجز عنه المكلَّف من شرائط العبادات ومن واجباتها، فإنه يسقط. كما لو أن الإنسان مثلاً عجز عن ستر العورة، أو غير ذلك؛ كالسجود ونحوه، فإن من عجز عن شيء من الواجبات وشرائط العبادات، فإنه يسقط عنه بالعجز؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله – سبحانه وتعالى – لا يكلف الإنسان إلا وسعه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهذا القول هو اختيار الشيخين ابن باز والعثيمين – رحمهما الله تعالى – كما سبق، وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة، والعلم عند الله.

    بقية مسألة ليس من النازلة التي نريد أن نتحدث عنها؛ لكن من المهم أن ننبه عليها؛ لأن الترجيح في المسألة السابقة قد يترتب علية إشكال، فقد ذكرت لكم قبل قليل في مسألة المقدار الواجب من الوقوف بمزدلفة أن قول الإمام مالك – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة وجيهٌ، وأن الإنسان لو وقف في مزدلفة ربع ساعة أو نصف ساعة، أو مرَّ بها مرورًا؛ فإن هذا يجزئه على قول الإمام مالك – رحمه الله تعالى – وهو قول وجيه، له حظ من النظر. لكن قد يترتب على هذا أمر آخر، وهو أن يأتي إنسان مثلاً من عرفات، فيصل إلى مزدلفة الساعة التاسعة، ثم يقف فيها لمدة ساعة، ثم يركب سيارته ويذهب إلى جمرة العقبة ويرميها، فحتى لا نقع في هذا الإشكال؛ أردت أن أنبه على هذه المسألة التي أمامكم، وهي مسألة – حتى لو قلنا بقول الإمام مالك – رحمه الله تعالى – ووقف الإنسان بمزدلفة مقدار الواجب، ثم دفع قبل منتصف الليل.

    متى يبدأ وقت رمي جمرة العقبة؟
    لا شك أن رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، هو هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو أكمل الأحوال، وهو صحيح بإجماع أهل العلم؛ لكن قبل هذا الوقت، متى يجوز له أن يرمي جمرة العقبة؟ متى يبدأ وقتها؟ لا أعلم أحدًا من أهل العلم قال يجوز أن ترمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل؛ حتى الإمام مالك – رحمه الله تعالى – الذي يقول إنه يجزئه أن يقف بمزدلفة بمقدار ما يصلي بها المغرب والعشاء ويتعشى، يقول لا يجوز له أن يرمي جمرة العقبة؛ حتى تطلع الشمس. وإنما اختلفوا فيما بين منتصف الليل إلى طلوع الشمس، فقال الشافعي وأحمد: إذا انتصف الليل جاز لمن بمزدلفة أن يدفع، وجاز له أن يرمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: لا يرميها حتى يطلع الفجر، وقال بعض أهل العلم: لا يرميها حتى تطلع الشمس. هذه ثلاثة أقوال في هذه المسألة، وهي بداية وقت رمي جمرة العقبة، مَن قال بأن وقت الرمي يبدأ بعد منتصف الليل هم الشافعي وأحمد ومَن قال بقولهم.

    وهؤلاء استدلوا بأدلةٍ من أظهرها وأقواها ما رواه أبو داود عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أرسل أم سلمة بليلٍ، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم أفاضت إلى البيت وصلَّت الصبح في مكة”، فأم سلمة – رضي الله تعالى عنها – رخَّص لها النبي – صلى الله عليه وسلم – أن تدفع بليلٍ، فذهبت ورمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم ذهبت من جمرة العقبة إلى المسجد الحرام، وأفاضت وصلت الفجر هناك؛ فهذا نص صريح أنها رمت قبل الفجر. ومن أدلة أصحاب هذا القول ما في صحيح البخاري وغيره من حديث عبدالله مولى أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها -: “أنها وقفت بمزدلفة، ثم أخذت تصلي، ثم قالت لمولاها: “يا بني هل غاب القمر؟”، قال: لا، فرجعتْ فصلَّت، ثم قالت: “هل غاب القمر؟”، قال: نعم، فأمرتْ أن يرتحلوا، فارتحلوا حتى أتوا منى، ثم رموا جمرة العقبة، قال مولاها: فرجعنا إلى منزلها – يعني بمنى – ثم صلَّت الصبح فقلتُ: يا هَنْتَاهْ لقد غلَّسنا – يعني صلينا الفجر بغلس – فقالت: “يا بني قد أَذِن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للظُّعُن”.

    والظعن جمع ظعينة، وهي: المرأة التي تركب على البعير، فالشاهد في هذا أن سياق الدليل يدل على أنها رمت قبل طلوع الفجر؛ لأنها رمت ثم رجعت إلى منزلها، ثم صلت الفجر بغلس. هذا حُجة مَن قال إنه يجوز الرمي بعد منتصف الليل، إذا جاز الدفع جاز الرمي. وأما الذين قالوا إنه لا يجوز الرمي إلا بعد طلوع الفجر فقد احتجوا بحديث أسماء نفسه! وقالوا إن حديث أسماء ظاهرُه أنها ما رمت حتى طلع الفجر. والذي يظهر لي – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – أن أسماء رمت قبل طلوع الفجر؛ لأنها رمت ثم ذهبت إلى منزلها فصلَّت، فقال مولاها: “يا هَنْتَاهْ لقد غلسنا”. فبعد رميها ذهبت إلى بيتها ثم صلت الفجر.

    فالذي يظهر لي – والله سبحانه وتعالى أعلم – أن حديث أسماء يدل على أن الرمي قبل طلوع الفجر. أما الذين قالوا إن الرمي لا يجوز إلا بعد صلاة الفجر وبعد طلوع الشمس، فاستدلوا بما رواه أهل السنن عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: “قدَّمنا رسولُ الله – صلى لله عله وسلم – ليلة جَمْع أُغيلمة بني عبدالمطلب، فأخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يَلْطَحُ أفخاذنا ويقول: ((أُبَيْنِيَّ لا ترموا حتى تطلع الشمس))؛ أبيني: بمعني أي أبنائي، وهذا نوع من الملاطفة لهم منه – صلى الله عليه وسلم – لا ترموا حتى تطلع الشمس، والحديث صحيح. وهذا قد يُشْكِل فعلاً، كيف تقولون يرمي بعد منتصف الليل.

    والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول لهؤلاء: ((لا ترموا حتى تطلع الشمس))؟! لكن أقول لكم إن حديث ابن عباس يدل على عدم الرمي حتى تطلع الشمس، وحديث أسماء يدل على الرمي قبل طلوع الفجر في الدَّلالة الصحيحة، وحديث عائشة دلالته أكيدة، وفيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر أم سلمة أن تدفع فدفعت، قالت عائشة: “فرمت جمرة العقبة قبل الفجر”. فهذا فيه ((لا ترموا حتى تطلع الشمس))، وهذا فيه “أن أم سلمة – رضي الله تعالى عنها – رمت قبل الفجر”؛ فهذه متعارضة، وأحسن ما يقال في الجمع بينها هو ما قاله الشِّنْقِيطِيُّ – رحمه الله تعالى – أن حديث أسماء وحديث عائشة في قصة أم سلمة يُحمَل على الجواز، وحديث ابن عباس يُحمَل على الاستحباب. والذي يظهر – والله سبحانه وتعالى أعلم – هو قول الشافعي وأحمد في هذه المسألة، وهو أنه إذا انتصف الليل فقد جاز رمي جمرة العقبة.

    تنبيه يسير قبل أن نختم هذا، وهو أن الأحاديث كثيرة في أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رخَّص لضعفة أهله وللنساء وللظُّعُن من آخر الليل، فأقول إن هذه الرخصة التي ثبتت لهؤلاء في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – تَثْبُتُ لأكثر الناس؛ أو لكل الناس مع هذه الأعداد الهائلة؛ فإنهم يستحقون مثل هذه الرخصة، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

    المحاضرة للدكتور عبد الله بن حمد السكاكر

    نسالكم الدعاء
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: النوازل الفقهية فى الحج

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 12:22 am


    الأستاذ المشارك بقسم الفقه في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 16, 2018 4:22 pm