آل راشد

آل راشد

ثقافى-اجتماعى

المواضيع الأخيرة

» عكاشة بن محصن رضى الله عنه
الإثنين سبتمبر 18, 2017 9:00 pm من طرف sadekalnour

» أسرار وعجائب سورة الفاتحة
الخميس سبتمبر 14, 2017 9:23 pm من طرف sadekalnour

» تفسير سورة الجمعة باختصار
الأربعاء سبتمبر 13, 2017 10:24 pm من طرف sadekalnour

» فضائل حفظ القرآن الكريم
الأربعاء سبتمبر 13, 2017 10:11 pm من طرف sadekalnour

» من أسرار التوبة
الأربعاء سبتمبر 13, 2017 10:03 pm من طرف sadekalnour

» صلاة الفريضة في الفنادق المجاورة للمساجد
الثلاثاء أغسطس 08, 2017 3:28 pm من طرف sadekalnour

» هل الندم يكفي لغفران الذنب؟
الثلاثاء أغسطس 08, 2017 3:20 pm من طرف sadekalnour

» من فتاوى ألأمام بن تيميه فى زياره القبور
الثلاثاء أغسطس 08, 2017 3:12 pm من طرف sadekalnour

» معاتى الكلمات فى القرآن الكريم ** ( 1 )
الإثنين أغسطس 08, 2016 2:05 pm من طرف sadekalnour

» النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأنك تراه
الإثنين نوفمبر 30, 2015 2:41 pm من طرف sadekalnour

اهلا بكم

الثلاثاء نوفمبر 08, 2011 2:32 am من طرف محمد ع موجود



المتواجدون الآن ؟

ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 34 بتاريخ السبت نوفمبر 05, 2011 12:10 pm

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 8367 مساهمة في هذا المنتدى في 2843 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 215 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو مينا فمرحباً به.

دخول

لقد نسيت كلمة السر

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


    ألإيمان والكفر

    شاطر
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4126
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود ألإيمان والكفر

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الخميس يونيو 06, 2013 1:52 pm

    ( الإيمان والكفر )


    للشيخ : ( محمد إسماعيل المقدم )


    أهل السنة وسط بين فرق أهل الإسلام كما أن الإسلام وسط بين غيره من الملل، ولما كانوا وسطاً وفقهم الله لاختيار القول الوسط الجامع لأدلة الدين الوسط، فلا يغلوا ويتجاوزوا، ولاهم فرطوا وضيعوا، وهم وسط أيضاً في قضايا الكفر والإيمان بين طرفي نقيض.



    أمثلة لنصوص الكفر غير المخرج من الملة


    ورد استعمال كلمة الكفر في كثير من النصوص دون أن يفهم منها خروج صاحب هذا الفعل الذي وصف بالكفر من الملة المحمدية،
    وقضية ضوابط الكفر والإيمان من القضايا التي إن لم يجتهد فيها الإنسان، ويعمل على الإحاطة بالنصوص الواردة في المسألة؛ فربما أخذ أحد طرفي النقيض، وانحرف في فهم هذه النصوص، ونزلها على غير منازلها.

    فمثلاً يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من تعلم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها)،
    فهذا أطلق عليه الكفر؛ لكنه ليس بالكفر الذي يخرج من الملة، وإنما هو كفر النعمة.

    ويقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً فيما رواه الشيخان: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم) .

    وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم فيمن أنكر نسبه: (تبرؤه من نسب وإن دق كفر بعد إيمان) أي: تبرؤ الرجل من الانتساب إلى والده، أو إنكاره ولده (وإن دق كفر بعد إيمان).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) .

    وقال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فوصفهم بالكفر لوقوع التقاتل بينهم.

    لكن عندنا أدلة أخرى إذا ضممناها إلى هذه الأدلة نفهم أن وقوع القتال بين المسلمين يسمى كفراً كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم،

    لكن هل هذا الكفر أكبر مخرج من الملة؟ الجواب: لا،

    ومن الأدلة التي تؤيد أن وقوع القتال لا يعد كفراً أكبر مخرجاً من الملة

    وإن كان يسمى كفراً: قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]،

    فوصفهم أولاً بالإيمان، وأثبت لهم هذا الإيمان، ثم قال بعد ذلك: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] .

    وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، وإن كان ليس فيه لفظ الكفر الذي نتكلم عنه.

    ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما وقال: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)

    ، فوصف الطائفتين المتقاتلتين والجيشين بأنهم من المسلمين رغم وقوع القتال بينهما.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (تمرق مارقة على حين فرقة من أمتي تقتلها أولى الطائفتين بالحق).

    وقوله تبارك تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ [البقرة:178]
    إلى أن قال تبارك وتعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178]،
    فناداهم في صدر الآية بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ووصفهم وخاطبهم بالإيمان،
    ثم قال تبارك وتعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)، أي: إن عفى ولي الدم عن أخيه، فأثبت له أخوة الإيمان مع وجود الاقتتال بينهما.

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) .
    وقال أيضاً: (من حلف بغير الله فقد كفر)، هل كفر بمعنى: خرج من الملة وصار مثل اليهودي أو النصراني؟

    كلا. كذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت) .
    وهذه الأحاديث لها نظائر كثيرة كالأحاديث التي نفت الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر.
    وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، فالمقصود: لا إيمان كاملاً.

    ومعروف تفسير ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لقوله تبارك

    وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، قال ابن عباس : ليس بالكفر الذي يذهبون إليه.

    وقال طاوس: سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله،
    وقال أيضاً: كفر لا ينقل عن الملة.
    وقال سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

    وهذا فيمن رفع راية التوحيد، ورفع راية تحكيم الشريعة، ويكون ذلك في حال الخلافة الإسلامية،
    ثم إن قاض من القضاة حكم بغير ما أنزل الله، وهو يعلم أنه عاص بفعله ذلك، كأن يكون حكم برشوة أخذها، أو محسوبية لبعض أقاربه، أو مجاملة لبعض الناس، أو اتباعاً للهوى؛ فهذه معصية أو كفراً دون كفر، وليس بالكفر الذي يخرج من الملة، وهذا بخلاف من نبذ الدين خلف ظهره، ولم يرفع بذلك رأساً، كما سنبين إن شاء الله بالتفصيل فيما بعد.

    ومن المسائل التي وصف فاعلها بالكفر: ترك الصلاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن ترك الصلاة فقد كفر)،

    وقوله: (بين المرء وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)، إلى جملة أخرى من النصوص التي فيها وصف تارك الصلاة بالكفر.

    إذاً: ما هو الضابط؟ وما هو الميزان الذي نستطيع أن نعرف به أن الكفر أكبر أم هو كفر دون كفر؟

    كذلك الظلم: هل الظلم أكبر يخرج من الملة أم هو ظلم دون ظلم لا يخرج فاعله من الملة وإن كان ينقص من الإيمان؟
    فالكفر الأكبر يذهب بأصل الإيمان، والكفر الأصغر يذهب بكمال الإيمان،

    ينقص الإيمان لكن لا يطيح به بالكلية، كالشجرة إذا قطعت عنها بعض أغصانها أو فروعها تظل حقيقتها قائمة بخلاف ما إذا اجتثثتها من جذورها وأذهبتها بالكلية،
    فكيف نستطيع أن نضع ميزاناً دقيقاً لهذه الأشياء؟
    ما ضابط الحكم على الفعل بأنه كفر دون كفر أو كفر أكبر،
    والظلم هل هو ظلم أكبر أو ظلم دون ظلم؟
    فهناك بعض الناس لم يلتفت إلى هذه النصوص، فمن أجل ذلك جازفوا في الحكم على الناس بالكفر،

    وهو يعتمد على دليل شرعي لكنه يضعه في غير موضعه، فمثلاً يسمع أن من حلف بغير الله فقد أشرك فيحكم عليه بالشرك والكفر! لماذا تفعل هذا؟
    يقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)! وبذلك التقى مع الخوارج الوعيدية في تكفير المؤمنين الموحدين الذين ارتكبوا بعض هذه المخالفات.


    ضابط الإيمان والكفر

    هذه المسألة وضحها الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه: ( حكم تارك الصلاة )، ومعرفتها مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر،
    ثم يصح النفي أو الإثبات بعد ذلك. فالكفر والإيمان متقابلان متضادان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر، فإذا زال الإيمان عن الإنسان ثبت له وصف الكفر؛ إذ لابد لكل واحد من الناس من إحدى هاتين الصفتين: إما أنه كافر وإما أنه مؤمن.

    أما مسألة التوقف في الحكم على شخص، والإتيان بالمقاييس والكلام الفاسد،

    مثل قولهم مثلاً: هذا حرير طبيعي، وهذا حرير صناعي، وكلاهما ناعم الملمس، فنحن لا نستطيع أن نحكم على أحدهما حتى نتبين حقيقة كل منهما،
    فهذا كلام لغو، وعندما يريد الإنسان أن يميز بين شيئين فإنه ينبغي أن يركز على وجه الافتراق وليس على وجه الاتفاق،
    يقول لك: هذا رجل مسلم، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أو يلبس ملابس المسلمين،
    أو يقول: السلام وعليكم، أو يظهر أي شعيرة من شعائر الإسلام.
    وأيضاً هناك آخرون كفروا من وجهة نظرهم هم، أو كفروا بالفعل، ويتلبسون ببعض هذه المظاهر الإسلامية،
    فيقول: هذا يظهر هذه الشعائر وهذا يظهرها، وأنا لا أدري من الصادق فيهما من الكاذب، إذاً: لابد أن نتوقف حتى نتبين صدق إيمانه بضوابط وقواعد اخترعوها وأحدثوها في دين الله تبارك وتعالى.

    في أي نوع من العلوم حينما تعقد مقارنة بين جهاز وجهاز، خلية وخلية، أو أي شيء تضع أوجه المقارنة وتقارن بينهما،
    وهل تذكر أوجه الاتفاق أم تميز بينهما بما يفترقان فيه؟ عند عقد المقارنة ينبغي أن تبحث عن وجه الافتراق وليس عند وجه الاتفاق،
    مثلاً: مسلم ونصراني، هذا يقول الشهادتين لكنه سب الدين، أو خرج من الملة بأي فعل من أفعال الكفر،
    فهذا هو الذي ينبغي أن يكون. والمقصود أن الكفر والإيمان متقابلان،
    ولابد أن كل إنسان يكون في حالة من حالتين: إما أن يكون مؤمناً أو كافراً،

    أما المنزلة بين المنزلتين فهذا كلام خارج عن أصول وقواعد أهل السنة والجماعة.
    لكن الإيمان أصل وأساس، ثم يتفرع عن هذا الأصل شعب وفروع متعددة، وكل شعبة من شعب الإيمان يجوز أن يطلق عليها إيماناً،

    فمثلاً: الصلاة شعبة من شعب الإيمان؛ لذلك تسمى أحياناً: إيماناً، كما في قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم سألوا عن ذلك بعد تحويل القبلة إلى مكة المكرمة،
    فقالوا: فكيف بالصلاة التي كنا نصلي من قبل مستقبلين بيت المقدس؟ وماذا عن المسلمين الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة وقد صلوا إلى بيت المقدس؟

    فأنزل الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] أي: ليحبط صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنكم في الحالين مستسلمون لأمر الله عز وجل.

    فشعبة الإيمان تسمى إيماناً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن،

    والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟! قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)،

    والمقصود من الحديث: نفي الإيمان عمن أساء الجوار، لكن هل الإنسان الذي يسيء إلى جاره يعتبر كافراً كاليهودي أو النصراني؟ كلا، لماذا؟ لأن شعب الإيمان تسمى إيماناً، لكن الإيمان له أصل، وهذا الأصل إذا ذهب زال الإيمان بالكلية وحل محله الكفر.

    أما شعب الإيمان فإذا زالت فهي تنقص الإيمان لكن لا تحبطه بالكلية. فالإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة من شعب الإيمان تسمى إيماناً،

    فالصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والحج يسمى إيماناً، والصيام كذلك، وليس هذا في الأعمال الظاهرة فقط بل أيضاً في الأعمال القلبية الباطنة كالتوكل على الله عز وجل، والخشية من الله، والإنابة إليه ..

    كل هذه الأعمال الباطنة تسمى إيماناً، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان) .

    إذاً: هذه هي القاعدة: شعب الإيمان تسمى إيماناً، لكن ليس معنى ذلك أن شعب الإيمان التي هي فروع الأصل هي كل الإيمان؛ بحيث إذا زالت زال كل الإيمان، لكنها تسمى إيماناً بوجودها، وازديادها يزيد الإيمان، وبذهاب بعضها ينقص الإيمان ما دام النقص في الشعب لا في الأصل نفسه. فشعب الإيمان عبارة عن مراتب أعلاها: لا إله إلا الله، ثم تأتي أفعال أخرى من الإيمان تصل إلى سبعين شعبة، فالصلاة شعبة من الإيمان، والزكاة، والحج، والصيام ..

    وهكذا، ثم تأتي الأعمال الباطنة: الحياء، والتوكل، والخوف، والرجاء إلى آخره، ثم تنتهي بآخر درجة من شعب الإيمان، وهي: إماطة الأذى عن الطريق؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)،
    وقوله أيضاً في الحديث الآخر: (نحي الأذى عن طريق المسلمين)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
    كلما اقتربت الشعبة من الصلاة أو الشهادتين ازدادت خطورتها،
    بحيث إذا زالت من قلب المؤمن ومن سلوكه فإنها تهز إيمانه هزاً شديداً. كذلك توجد شعب إيمان أخرى قد تقترب من شعبة إماطة الأذى عن الطريق،
    وكلما كانت أقرب لشعبة إماطة الأذى عن الطريق كان تخلفها أهون مما عداها.

    يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى: الكفر والإيمان متقابلان، فإذا زال أحدهما خلفه الآخر،
    ولما كان الإيمان أصلاً له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان،
    وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه شعبة من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها، وإذا زالت زال الإيمان تماماً عن الإنسان وصار كافراً،
    مثل الشهادتين وكلمة التوحيد، رجل عنده حياء وكرم وصدق، وقل ما شئت من شعب الإيمان لكنه لم يشهد شهادة التوحيد، لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
    فزوال شعبة التوحيد التي هي أصل الإيمان ينهي كل إيمانه ولا يعتد به.
    ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، فمن رأى قشرة موز أو زجاجة أو أي شيء يؤذي الناس في الطريق ولم يزله فهو مقصر، وينقص إيمانه بحسب ما يترك من هذه الشعب، لكن إذا أساء بترك إماطة هذا الأذى هل يصبح كافراً بمجرد ذلك؟ كلا، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً. إذاً: ما بين كلمة التوحيد وإماطة الأذى عن الطريق شعب تتفاوت تفاوتاً عظيماً، فمن هذه الشعب ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب.

    كذلك الكفر له أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر.
    فالحياء شعبة من شعب الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، فكل شعبة إذا كان وجودها من شعب الإيمان فزوالها يعد من شعب الكفر.

    الصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر.

    الحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر.

    والقاعدة: أن المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، هذا الأمر الثاني الذي نريد أن نستصحبه.

    خلاصة الكلام: أن المعاصي كلها من شعب الكفر، ويمكن أن تسمى أحياناً كفراً كما في النصوص التي ذكرناها، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.



    شعب الإيمان والكفر وأنواعهما


    شعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وشعب الكفر أيضاً قولية وفعلية.

    شعب الإيمان القولية والفعلية


    شعب الإيمان القولية منها شعبة يكون بزوالها زوال الإيمان، مثل كلمة التوحيد فهي شعبة من شعب الإيمان القولية.

    كذلك شعب الكفر قولية وفعلية، فقد يأتي الإنسان بشعبة من شعب الكفر يكون بقولها زوال الإيمان بالكلية مثل سب الدين، وسب نبي من الأنبياء،

    والاستهزاء بالله تبارك وتعالى، فهذا إذا صدر من إنسان فهو يذهب كل الإيمان، فهو شعبة من شعب الكفر القولية كالنطق بكلمة الكفر مثلاً اختياراً، فهذا يحبط الإيمان فيصبح الإنسان كافراً خارجاً من الملة.
    كذلك أيضاً يكفر بفعل شعبة من شعب الكفر الفعلية التي تحبط الإيمان تماماً مثل تمزيق المصحف، أو من يهين المصحف -والعياذ بالله- وهو يعلم بذلك، ومتعمد له، أو شخص سجد لصنم، فهذه شعبة من شعب الكفر الفعلية.

    فشعب الإيمان منها قولية ومنها فعلية، وشعب الكفر منها شعب قولية ومنها فعلية، وكل هذه الأنواع في شعب الإيمان إذا زالت -القولية أو الفعلية- ممكن أن تزيل الإيمان بالكلية، كذلك هناك شعب من شعب الكفر إذا تعرض الإنسان لها فقد تزيل إيمانه بالكلية.
    هذا أصل.

    قول وعمل اللسان والقلب

    الأصل الآخر هو: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل،

    والقول قسمان: قول القلب وقول اللسان،
    قول القلب: بالاعتقاد والتصديق، يعني: تصديقك بأن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول الله، والقرآن كتاب الله،
    وهذه الأوامر هي أوامر الله، وهذه النواهي هي نواهي الله، فهذا هو التصديق الذي هو جزء من حقيقة الإيمان.

    إذاً: حقيقة الإيمان: قول وعمل، القول: قول بالقلب وهو التصديق، وقول باللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.

    أما العمل فعملان أيضاً: عمل القلب وعمل الجوارح، عمل القلب: بأن يعمل الأعمال الصالحة بنية وإخلاص ومحبة وانقياد في العمل.
    إذاً: حقيقة الإيمان تتركب من قول وعمل، لكن عندما نفصلها تتركب من أربعة:

    قول بالقلب وقول باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالأركان أو بالجوارح.

    قول القلب: التصديق والاعتقاد. وعمل القلب: انقياد القلب لهذه الأوامر

    وهذه التكاليف، والمحبة والانقياد لحكم الله تبارك وتعالى،
    فإذا زالت هذه الأربع: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح زال الإيمان كله،
    أما إذا زال من إنسان تصديق القلب لكن تكلم بكلمة الإسلام، وعمل بعمل الجوارح، وأتى بعمل القلب، فهل تنفعه باقي الأجزاء؟ لا.

    هذا هو المنافق. وأما إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، كمن يصدق بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
    ومؤمن بأن الأمر بالصلاة من عند الله، وأن القرآن من عند الله، وأن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول الله حقاً، ولا ينطق عن الهوى،
    ولكنه لم ينقد لشريعته، ولا لأحكامه، فهذه المسألة من المعارك الكبرى بين أهل السنة وبين المرجئة،

    فإن المرجئة يقولون: إن الإيمان هو مجرد المعرفة!
    أما أهل السنة فهم مجمعون على زوال الإيمان إذا انتفى عمل القلب مع وجود التصديق، لماذا؟ لأن إبليس حينما أمره الله تبارك وتعالى بالسجود كان عنده تصديق بأن الأمر بالسجود من عند الله،
    وكان يعلم أن الذي يأمره بالسجود هو الله تبارك وتعالى، لكن عمل قلبه وانقياد قلبه لهذا الحكم لم يتواجد،
    وزال عمل القلب مع وجود التصديق، فلم ينفعه وصار إمام الكافرين.
    فرعون هل كان مصدقاً بموسى أم لم يكن مصدقاً بأن موسى رسول الله؟ نعم كان مصدقاً،
    والدليل: قوله تبارك وتعالى في سورة النمل في شأن فرعون وقومه: (وَجَحَدُوا

    بِهَا) أي: بالآيات وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]،

    هذا القرآن يخبرنا أنهم كانوا على يقين كامل من صدق موسى عليه السلام، لكن كفرهم كان كفر جحود وعناد واستكبار، لكن في قلوبهم كانوا يصدقون. مشركو قريش أيضاً كانوا يصدقون أن الرسول عليه الصلاة والسلام من عند الله؛

    ففي قلوبهم وجد قول القلب باعتقاد الصدق،
    والدليل قوله تبارك وتعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ [الأنعام:33]، يعني: من وصفهم إياك بأنك كذاب فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] ،

    كان يشق على النبي صلى الله عليه وسلم حينما يسمع أذية المشركين له وهم يتهمونه بالكذب صلى الله عليه وسلم،

    فأنزل الله القرآن لإخباره بهذه الحقيقة التي يعلمها الله وحده تبارك وتعالى، (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)، من اتهامك بهذه التهمة الشنيعة الكذب على الله والعياذ بالله، (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ)،
    اعلم أنهم في الحقيقة لا يكذبونك (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، فمشركو قريش كانوا على يقين بأن محمداً رسول الله حقاً،
    فالتصديق الذي هو قول القلب بالاعتقاد كان موجوداً لكن لم يوجد عمل القلب بالانقياد لهذا الدين،
    ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم نفي عنهم الإيمان. كذلك أهل الكتاب كانوا كذلك،
    والدليل قوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]،
    وآيات أخرى كثيرة تدل على أن أهل الكتاب كانوا على يقين أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن الله، لكن انتفى عمل القلب بالانقياد،
    وجد عمل القلب بالتصديق أن هذا من عند الله، لكن لم يشفعوه بانقياد القلب ومحبة وامتثال ما أمر به صلى الله عليه وآله وسلم.

    أيضاً عمل القلب داخل في حقيقة الإيمان، وحقيقة التصديق يدخل فيها العمل، والدليل على ذلك: قوله تبارك وتعالى في حق إبراهيم عليه السلام: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:103-105]،
    فمتى وصفه الله تبارك وتعالى بتصديق الرؤيا؟ إبراهيم عليه السلام لما استيقظ من نومه بعد أن أوحي إليه في المنام أن يذبح ابنه كان مصدقاً بذلك، ولو لم يكن مصدقاً لما أقدم على ذبح ولده؛ لأنه يعلم أن هذا وحي من الله تبارك وتعالى؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ومع ذلك لما امتثل قلبه وجوارحه لهذا الأمر الإلهي الذي أريه في منامه حينئذ وصف بالتصديق: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:104-105]،

    لما انضم إليه انقياد القلب والعمل. خلاصة الكلام: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، القول: قول القلب: وهو اعتقاد الصدق. وقول باللسان: وهو النطق بكلمة التوحيد.
    ثم عمل: وهو عمل القلب بالنية والإخلاص والمحبة والانقياد، ثم عمل الجوارح، وإذا زالت هذه الأربع زال الإيمان كله بكماله، وإذا زال تصديق القلب زال الإيمان ولم تنفع بقية الأجزاء.

    عقيدة أهل السنة إذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق

    هذا هو موضع المعركة بين أهل السنة والمرجئة، حيث إن أهل السنة مجمعون على زوال الإيمان إذا انتفى عمل القلب مع وجود التصديق،
    وذكرنا أمثلة إبليس وفرعون واليهود والمشركين، هؤلاء جميعاً كانوا يعتقدون صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينفون عنه الكذب، لكن قالوا: لا نتبعه ولا نؤمن به، وما كانوا بذلك مؤمنين.

    الخلاصة: ليس الإيمان مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، كما أن اعتقاد التصديق -وإن سمي تصديقاً- ليس هو التصديق المستلزم للإيمان، والدليل قوله عز وجل: يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:104-105] .
    إذاً: معرفة الحق وتبينه هذا نوع من الهدى، فمن رأى الحق حقاً لكن لم يرزقه الله اتباعه، فهذا في المرتبة الثانية من الهداية، لكن هل هذه المرتبة تستلزم الاهتداء؟ كلا، أما الهدى الذي يترتب عليه الانقياد والعمل والامتثال فهذه هي المرتبة الثالثة التي تستلزم الاهتداء،
    فهؤلاء الذين ذكرنا أمثلتهم من المشركين أو فرعون أو إبليس أو غير ذلك من اليهود أو النصارى؛ عرفوا الحق ولكنهم لم ينقادوا له، فبذلك لم يصيروا مؤمنين.

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تبارك وتعالى: وها هنا أصل آخر، وهو: أن حقيقة الإيمان مؤكدة بالقول والعمل،

    والقول قسمان: قول القلب: وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام.

    والعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء،
    فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة،
    فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به، مثل أبي طالب لما قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا فـأبو طالب كان يعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام رسول من عند ربه، لكنه لم ينقد بقلبه لشرائعه؛ فلم ينفعه ذلك.

    أنواع الكفر

    الأصل التاني هو: أن الكفر نوعان: كفر اعتقاد وكفر عمل،
    قال ابن القيم رحمه الله: وهنا أصل آخر، وهو: أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد. فكفر الجحود: أن يكفر بما علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه.

    وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، أي: أن كفر الجحود والتكذيب يضاد الإيمان ولا يمكن أن يجتمع مع الإيمان؛ ففاعله كافر كفراً أكبر. إذاً: كفر الاعتقاد كله يخرج من الملة إذا كان كفر جحود.

    أما كفر العمل فمنه ما يخرج من الملة ومنه ما لا يخرج من الملة، وقد يجتمع مع الإيمان مع تسميته كفراً.
    يقول: وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم كفر عملي، لكن من أي النوعين هو: هل هو مما يجتمع مع الإيمان أم مما يضاده من كل وجه؟ السجود للصنم، والامتهانة للمصحف، وقتل النبي، وسب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد من الأنبياء؛ هذا كله يضاد الإيمان، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يجتمع الإيمان مع وجود شيء من هذه الأفعال،
    هذا وإن كان كفراً عملياً فمنه ما يخرج تماماً من الملة ومنه ما لا يخرج من الملة، مثل: الحكم بغير ما أنزل الله كما ذكرنا ووضحنا، ومثل: ترك الصلاة، فتركها كفر عملي قطعاً، ولا يمكن أن ينفى عن فاعل هذا الوزر اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليه،

    فالله تبارك وتعالى سمى من يحكم بغير ما أنزل الله كافراً، فقال تبارك وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]،

    وسمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تارك الصلاة كافراً، ولكنه كفر عمل لا كفر اعتقاد،
    ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه وتعالى الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافراً، ولا يطلق عليهما اسم الكفر! فهما يستحقان اسم الكفر لكن الخلاف: هل هذا كفر يخرج من الملة، ويضاد الإيمان تماماً،
    أم لا يضاد الإيمان ولا يحبطه بالكلية؟ أيضاً نفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإيمان عن الزاني فقال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)،
    وأخبر عمن شرع في هذه المعصية -والعياذ بالله- أنه يخرج الإيمان من قلبه، ويبقى فوق رأسه مثل المظلة أو السحابة، ثم يرجع إليه الإيمان.
    وكذلك السارق إذا سرق: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) . كذلك نفى الإيمان عن شارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، فإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل،
    لكن ينتفي عنه كفر الجحود والاعتقاد، فالزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو غير ذلك مما وصف بالكفر كفر عملي، وقد يجامع الإيمان وقد لا يجامع كما بينا.
    يقول صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)؛ فيؤخذ من هذا الحديث: أن القتال بين اثنين من المسلمين أو طائفتين من المسلمين من الكفر، لكن هذا الكفر من الكفر العملي، فهو لا يخرج من الملة، ولا يضاد الإيمان تماماً. إذاً: الكفر العملي منه ما لا يضاد الإيمان، وقد يوجد في الإنسان، وكما قلنا: إن شعب الإيمان -البضع والسبعون- تسمى إيماناً، وشعب الكفر تسمى كفراً، فعندما يفعل الإنسان شعبة من شعب الكفر يقال: إن هذا الشخص فعل شيئاً من أفعال الكفر، وهذا الفاعل كما جاءت الأحاديث يسمى فاعله كافراً، لكن يحكم له بالإيمان ووجود أصل الإيمان، وإن نقص إيمانه بحسب ما ارتكب من هذه المخالفات، مثلاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، فهذا كفر عملي.

    قاعدة أهل السنة والجماعة في تكفير المعين

    قال عليه الصلاة والسلام: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما) رواه البخاري يعني: رجع بها أحدهما،
    لماذا؟ لأن هذا المسلم إن كان فعل فعلاً من أفعال الكفر مثل سب الرسول، أو الدين، أو إهانة المصحف، فإذا قال له: يا كافر؛ فإن كان كما قال وكان صادقاً في الحكم عليه ببينة فهو فعلاً كافر، لكن هذا المسلم إذا لم يكن مستحقاً بأن يوصف بالكفر فإن هذا الشخص الذي وصفه بالكفر يعود عليه الحكم بالكفر؛
    ولذلك دائماً نقول: إن القوم الذين يعتقدون أنه لا يوجد كفر دون كفر، وأن كل الكفر يخرج من الملة، نقول: أنتم أولى بالتورع عن إطلاق الحكم بالكفر على المسلمين؛ لأننا أهل السنة والجماعة إذا اعتقدنا أن الشخص إذا حكم على آخر بالكفر،
    وقال له: يا كافر! ظلماً وعدوناً؛ فإنه يأثم بذلك، ويسمى كافراً، ويقال: إنه أتى بشعبة من شعب الكفر العملي، وهي شعبة تنقص إيمانه، ولكن لا يخرج بها من الملة، أما هم فإذا أخطئوا في الحكم على شخص بالكفر، وكان هذا الشخص غير كافر في الحقيقة؛ فبنص الحديث سيعود حكم الكفر عليه هو، فيصبح كافراً، وهو لا يعتقد أن هناك كفراً دون كفر،
    وكل الكفر عنده يخرج من الملة، فإذاً هذا يستلزم فيه مزيداً من الاحتياط في حقه هو؛ لأنه إذا وصف أحداً بالكفر واستحق الكفر إذا أخطأ في الحكم على أخيه بالكفر، فسيكون كافراً كفراً أكبر مخرجاً من الملة في اعتقاده لا كما هو الأمر في الحقيقة؛ فلذلك يجب الحذر في حقه من إطلاق الكفر أكثر من غيره.
    وقد سمى الله سبحانه وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمناً بما عمل به وكافراً بما ترك العمل به،

    قال تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ [البقرة:84]، (تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ) المقصود: إخوانكم؛ لأن من شدة الرابطة بين المؤمنين وأصحاب العقيدة الواحدة أن الله تبارك وتعالى يعبر بالأنفس عن الإخوان في الله،
    فهذا دليل من هذه الأدلة: (وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ) يعني: لا تخرجون إخوانكم في الدين، ومثل هذا قوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11] يعني: لا تلمزوا إخوانكم، وقوله: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور:61] يعني: على إخوانكم على بعض التفاسير، وقوله: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا [النور:12] يعني: بإخوانهم.

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:84-85]
    يعني: إخوانكم، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْم الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85].

    فأخبر سبحانه وتعالى أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم بأنه لا يقتل بعضهم بعضاً، وشهدوا بذلك، ولا يخرجوا بعضهم بعضاً من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقاً آخر، وأخرجوهم من ديارهم، فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق كافرين بما تركوه منه، فهذا الإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي.

    قول أهل السنة في أهل المعاصي

    قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل السباب- فسوقاً لا يكفر به، والآخر -القتال- كفراً، ومن المعلوم أنه أراد هنا الكفر العملي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، هذا التفسير هو قول الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أعلم هذه الأمة بكتاب الله،
    وأعلم الأمة بالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين الذين أتوا بعد الصحابة ما فهموا كما فهم الصحابة،

    فانقسموا فريقين: فريق أخرجوا العاصي من الملة بالكلية وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، واستدلوا بالأدلة التي فيها نص على بعض الكبائر بالكفر وقالوا: من يفعل هذه الأشياء كافر وخارج من الملة. وفريق آخر اشتط في الجانب الآخر وجعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، وهم المرجئة، فالخوارج ومن تابعهم غلوا وهؤلاء فرطوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل: أن هذا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم.

    الظلم على قاعدة أهل السنة

    قال سفيان بن عيينة: عن هشام بن جحير عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تبارك وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]
    قال: ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه، قال ابن طاوس : وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
    وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة. وقال طاوس : ليس بكفر ينقل عن الملة.
    وقال وكيع : عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
    وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه؛ فإن الله سبحانه وتعالى سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً،
    ويسمى الجاحد ما أنزله على رسوله أيضاً كافراً، وليس الكافران على حد سواء، ويسمى الكافر ظالماً،
    كما في قوله تبارك وتعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] ، فسمى الكافرين ظالمين، وسمى المتعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً،
    فقال تبارك وتعالى بعدما أشار إلى بعض أحكام الطلاق: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1]؛ فوصفه بالظلم، والكافرون أيضاً وصفهم بالظلم كما قال: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]،
    لكن هل هذا الظلم مثل هذا الظلم؟ لا، فتماثل الأسماء لا يقتضي تماثل المسميات،
    بل قال يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فهل قوله: (من الظالمين) يعني: من الكافرين؟ كلا.

    لكن هذا ظلم دون ظلم ..


    بل هي في حق الأنبياء من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه معاصي في حق الأنبياء بالنسبة إلى علو مقامهم، لكنها في حق غيرهم من البشر لا تكون معاصي على الإطلاق، إنما يكون النبي يفعل فعلاً معيناً وهو يظن أنه يرضي الله، ويتضح بعد ذلك أنه لم يوافق مرضاة الله تبارك وتعالى،
    أو يفعل فعلاً كان الأولى ألا يفعله لكنه لا يأثم بذلك،

    وقد عقد الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه (الفصل) فصلاً طويلاً تتبع فيه جميع النصوص التي فيها ما يوهم نسبة المعاصي إلى الأنبياء، وبين تنزيههم عن المعاصي. وهؤلاء المبتدعة أدى بهم الجهل الفاحش إلى إنكار أن يكون هناك ظلم دون ظلم،
    وقالوا: إن كل ظلم هو كفر مخرج من الملة، فكان بعض الإخوة حينما يناقشونهم يقول: سنأتي لهم بأدلة تفحمهم تماماً ويسكتون على المعارضة، فقال: قال يونس عليه السلام: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]،
    فقالوا: يونس أيضاً كان كافراً، والعياذ بالله! وقالوا: آدم كفر ثم دخل في الإسلام من جديد: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37]، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، ففسروا الظلم هنا على أنه ظلم أكبر، وقالوا: إن الأنبياء كفروا والعياذ بالله، سبحان الله! الأمة مجمعة على عصمة الأنبياء من الكفر،
    وعن كبائر الذنوب، بل وعن صغائرها على القول الراجح، فقول آدم عليه السلام: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا)، هذا ظلم دون الظلم الذي جاء في قوله: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] .
    وقول موسى عليه السلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16]، وموسى عليه السلام ما تعمد قتل ذلك الرجل، ولكنه كان شديد القوة عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام،
    وما تعمد أن يقتله؛ لذا قال هنا: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16]، فوصف نفسه بالظلم،
    فهل هذا مثل الظلم في قوله تبارك وتعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)؟ ليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم.

    وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، هل الظلم هنا ظلم دون ظلم أم ظلم أكبر؟ ظلم أكبر، والدليل قوله تبارك وتعالى حاكياً عن لقمان: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فهذا ظلم أكبر، وشرك يخرج من الملة تماماً، كما في قوله: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

    الفسق على قاعدة أهل السنة

    كما سمي الكافر كفراً أكبر ظالماً يسمى أيضاً فاسقاً، كما في قوله تبارك وتعالى: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:26-27]، فهذا الفسق فسق أكبر مخرج من الملة.

    ويقول تبارك وتعالى: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [البقرة:99]، فهذا فسق أكبر، وهو كثير في القرآن، وليس الفسق كله أكبر، فهناك فسق دون فسق،
    كما في قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]، فهذا فسق لكنه فسق دون فسق.
    كذلك قوله تبارك وتعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة:282] . وقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4]، فمن قذف المحصنات وصف بالفسق، لكن هل هو الفسق الأكبر المخرج من الملة؟ كلا. والدليل: أن إقامة الحد عليه دون حد المرتد، ولو أن الذي يقذف المحصنات يصير فاسقاً فسقاً أكبر مخرجاً من الملة،
    فلو أقيم عليه حد لكان حد الردة لحديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، لكن حد هذا جلد ثمانين جلدة، وهو حد القاذف، فدل على أنه مسلم. على أي الأحوال: من الأبحاث المهمة: أن بعض الأفعال اختلف علماء أهل السنة في أنها إذا تركت ينقض الإيمان، مثل ترك الإنسان شيئاً من أركان الإسلام بلا جحود، فهذه مسائل خلاف، مثل ترك الصلاة أو الزكاة أو الحج أو غير ذلك، لكنه كافر كفراً أكبر إذا جحدها، أما إذا تركها تكاسلاً أو اتباعاً للهوى أو بخلاً أو نحو هذا؛ فهناك خلاف بين العلماء، والخلاف الحاصل في تارك الصلاة أقوى من الخلاف في غيرها، وجمهور العلماء لا يكفرون تارك الصلاة كفراً يخرجه من الملة، مع اتفاقهم على أنه أشد وزراً من السارق والزاني وقاتل النفس وشارب الخمر والمرابي، فكل هذه الآثام ترك الصلاة أشد إثماً منها، وهذا على قول من لا يكفره. أما تارك الزكاة فالأقرب -والله أعلم- أنه لا يكفر بذلك إلا إذا جحد، وكذلك تارك الحج وسائر الأركان.
    يقول الله تبارك وتعالى عن إبليس: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، ففسق إبليس هل كان فسقاً أكبر أم كان فسقاً دون فسق؟ هو فسق أكبر. ويقول تبارك وتعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، فهل هذا الفسوق كفسق إبليس؟ وهل هذا الفسوق كقوله: (والكافرون هم الفاسقون)؟ كلا.

    الجهل والشرك على قاعدة أهل السنة

    كما أن الكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان، فإن الجهل جهلان، مثل قوله تبارك وتعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].
    وهناك جهل غير مكفر، كما في قوله تبارك وتعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، فهنا جهل عملي، مثل قوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء إذا خرج من البيت: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ) .

    وكما يقول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فهذا جهل عملي، وليس بالجهل الأكبر المخرج من الملة. كذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة، ويخرج من الملة، وهو الشرك الأكبر، وهناك شرك دون شرك، وهو الشرك الأصغر؛ كشرك العمل (الرياء).

    قال تبارك وتعالى في الشرك الأكبر: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72]، فهذا شرك أكبر. وقال تبارك وتعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] .

    أما ما دون ذلك، فقال عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وهذا شرك الرياء كما فسره العلماء بذلك، وهو أن يعمل عملاً لغير الله، يعمله مراءاة للناس، فهذا شرك دون شرك. والشرك الأصغر يدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (من قال: واللات، فليقل: لا إله إلا الله)، فهذه معصية كفارتها أن تقول كلمة التوحيد.
    أيضاً من هذا الشرك الذي هو دون شرك، ما ورد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الشرك في هذه الأمة -أي: الأمة المحمدية- أخفى من دبيب النمل)، وذكر صلى الله عليه وآله وسلم في نفس الحديث صورة لذلك فقال: (أن يقوم الرجل في صلاته فيطيلها لما يعلم من نظر الناس إليه)، فهذا أيضاً شرك عملي، أو شرك دون شرك.
    فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما لا ينقل عنها

    ---------------------------------------------------------
    تابعونا ...


    .
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4126
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: ألإيمان والكفر

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الجمعة يونيو 07, 2013 1:33 pm

    النفاق على قاعدة أهل السنة

    النفاق نوعان: نفاق اعتقاد ونفاق عمل،

    فنفاق الاعتقاد: هو الذي أنكره الله تبارك وتعالى على المنافقين في القرآن،

    وهو الذي أوجب لهم الدرك الأسفل من النار.

    ونفاق العمل، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث

    الصحيح: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) .

    وفي الصحيح أيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً،
    ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان) .

    وهذا نفاق عملي قد يجتمع مع أصل الإيمان،
    ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛

    فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً،
    ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أربع من كن فيه -يعني: استحكمت فيه- كان منافقاً خالصاً،
    ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها)،
    لكن إذا اجتمعت تماماً وتمكنت في هذا الشخص، فهذا في الغالب يكون منافقاً نفاقاً أكبر.
    يقول إسماعيل بن سعيد : سألت أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة،
    هل يكون مصراً من كانت هذه حاله؟
    قال: هو مصر مثل قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، يخرج من الإيمان الكامل، ويرتفع عنه هذا الوصف الشريف،
    لكن ما زال في دائرة الإسلام. ونحو قوله: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) .
    ونحو قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44].
    قال إسماعيل بن سعيد : فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفر لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض،
    فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.


    ---------------------------------------------------
    ما زلنا ..


    عدل سابقا من قبل sadekalnour في الجمعة يونيو 07, 2013 2:02 pm عدل 1 مرات
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4126
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: ألإيمان والكفر

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الجمعة يونيو 07, 2013 1:45 pm

    أصل أهل السنة في اجتماع الكفر والإيمان في الشخص

    الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان،

    وهذا من أعظم أصول أهل السنة: أنها قد تجتمع هذه الأشياء في الرجل الواحد،
    وخالفهم في ذلك غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية،
    ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل،
    وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم.
    أما القرآن: فيقول الله تبارك وتعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]،
    فهذه الآية تدل على أنه قد يجتمع الإيمان مع الشرك الذي يخالفه، فأثبت لهم إيماناً به سبحانه وتعالى مع الشرك،
    لكن لابد أن نتذكر أن هناك نوعاً من الشرك لا يمكن أن يقترن مع الإيمان،
    يعني: إذا كان أصل الإيمان موجوداً قد يجتمع مع أشياء يطلق عليها شرك،
    لكن ليس بالشرك الذي يخرج من الملة. قال تبارك وتعالى:

    قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات:14]،
    فأثبت لهم إسلاماً وطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم مع نفي الإيمان عنهم،
    وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه.
    والإيمان المطلق هو مثل الذي في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15]،
    وهؤلاء الذين ورد ذكرهم في آخر سورة الحجرات ليسوا بمنافقين في أصح القولين،
    بل هم مسلمون معهم شيء من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليسوا مؤمنين وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفر.

    يقول الإمام أحمد رحمه الله تبارك وتعالى: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن -يريد الزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاك- فهو مسلم ولا أسميه مؤمناً،
    ومن أتى دون ذلك -يريد دون الكبائر- سميته مؤمناً ناقص الإيمان، ودل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق)، فدل على أن النفاق يجتمع مع أصل الإيمان،
    وأن الرجل قد يجتمع فيه نفاق وإسلام، وكذلك الرياء شرك، فإذا اجتمع في رجل الشرك والإسلام، حكم بغير ما أنزل الله،

    أو فعل ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفراً، وهو ملتزم بالإسلام وشرائعه؛ فقد قام فيه كفر وإسلام،
    لكن تذكروا أنه كفر لا ينقل عن الملة، وكفر لا ينافي أصل الإيمان.
    وقد بينا أن من المعاصي ما هي شعب من شعب الكفر، كما أن من الطاعات ما هي شعب من شعب الإيمان،
    فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان، وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمناً وقد لا يسمى،
    كما أنه قد يسمى بشعب الكفر كافراً، وقد لا يطلق عليه هذا الاسم. أيضاً لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً،

    مثلاً: رجل كافر ولكنه كريم يحسن إلى الفقراء والمساكين والضعفاء واليتامى، فهذا قامت به شعبة من شعب الإيمان، وهي الإحسان إلى الخلق، لكن هل يسمى بذلك مؤمناً؟ كلا، فلا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً وإن كان ما قام به إيماناً،
    ولا من قامت به شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفراً. ولذلك نذكر الناس عموماً بهذه المسألة: بعض الناس يتعامل مع بعض الكفار أو النصارى أو غيرهم فيزين له الشيطان أن يمتدح هؤلاء الكافرين فيقول: هذا رجل صادق، ويفي بوعده، ويحترم مواعيده،
    ويثني على هذا الكافر، ويتعامى عن أمر خطير جداً؛ لأنه قد يفضله على المسلمين والعياذ بالله! وهذا من الخذلان، لأنه يجب على الإنسان أن يعدل في الغضب والرضا،
    فهل تساوي المسلم الذي معه كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم ويزكي ويحج برجل عنده حياء أو كرم أو إحسان إلى الخلق؟! من الجور الغفلة عن هذا الأمر.

    فأصل الإيمان الموجود مع المسلم لا يمكن أن يساويه أبداً من أتى شعباً من الإيمان، ولا يصر بذلك مؤمناً.

    إذاً: القاعدة الأخيرة هي: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به إيماناً، فمثلاً الإحسان إلى الجار إيمان، فإن وجد يهودي أو نصراني فيه إحسان إلى الجار لا يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به هو في حد ذاته إيماناً.
    كذلك لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد أن يسمى كافراً، وإن كان ما قام به كفراً، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً، فلو أنك أتقنت دراسة مسألة من مسائل العلم في الطهارة أو الصلاة أو غير ذلك، وكنت عارفاً بهذه الجزئية،
    فهل تستحق بذلك أن تسمى العالم الفلاني الجليل الكبير أو العلامة؟ كلا، لا تسمى عالماً بمجرد إتقانك لجزئيات بعض المسائل. كذلك لا يلزم من معرفة بعض مسائل الطب كالبول السكري مثلاً لمن يعيش فيها ليل نهار، وقرأ فيها كثيراً، ويعرف الأدوية والجرعات والمضاعفات وكل شيء عن حالة من الحالات؛ أن يسمى طبيباً بمجرد أنه علم أو تعلم كل ما يمكن أن يعرف عن حالة معينة من حالات الطب،
    ولا يسمى طبيباً بمجرد ذلك. ولا يمتنع كذلك أن تسمى شعبة الإيمان إيماناً، وشعبة النفاق نفاقاً، وشعبة الكفر كفراً، يعني: لا يمتنع مع هذا أن المؤمن أو المسلم قد يفعل فعلاً من أفعال الكفر، والفعل نفسه يسمى كفراً،
    لكنه لا يسمى كافراً، أو الكافر يفعل فعلاً من أفعال وشعب الإيمان، ولكنه لا يسمى بذلك مؤمناً.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر )،

    فمن صدرت منه خلة من الخلال الكفرية فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، يعني: لا يأخذ حكم الكافر المطلق،
    لكن قد يوصف فعله بأنه كفر، وكذا يقال لمن ارتكب محرماً: إنه فعل فسوقاً،
    وإنه فسق بذلك المحرم؛ دلالة على أنه خرج عن طاعة ربه،
    ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه، وهكذا الزاني والسارق والشارب للخمر لا يسمى مؤمناً وإن كان معه إيمان، كما أنه لا يسمى كافراً وإن كان ما أتى به هو من خصال الكفر وشعبه؛
    إذ المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.



    ---------------------------------------------------
    ما زلنا ..
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4126
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: ألإيمان والكفر

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الجمعة يونيو 07, 2013 1:59 pm

    حكم تارك الصلاة


    سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، فتارك الصلاة يسلب عنه اسم الإيمان المطلق، وسلب اسم الإسلام عنه محل خلاف.

    يقول الإمام ابن القيم في حق تارك الصلاة: سلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده،

    (فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)؛ فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان،
    لكن هل ينفعه ما معه من الإيمان من قول واعتقاد كلمة التوحيد في عدم الخلود في النار؟
    وهنا نصل إلى الميزان الذي نزن به مثل هذه الأفعال التي يوصف فاعلها بأنه كفر،
    لكن نريد أن نعرف: هل الكفر يخرج من الملة أم لا يخرج من الملة؟

    هل وصف تارك الصلاة بالكفر هو الكفر الذي يحبط أصل الإيمان بالكلية أم دون ذلك؟
    هل ترك الصلاة يحبط كلمة التوحيد؟
    هل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟
    ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الإيمان واعتباره، وإن كان المتروك شرطاً في اعتبار الإيمان لم ينفعه؛ لأن شعب الإيمان مترابطة،
    وبعض شعب الإيمان تكون شرطاً في صحة شعبة أخرى؛ كالوضوء شعبة من شعب الإيمان، والصلاة شعبة من شعب الإيمان،
    لكن هل تصح شعبة الصلاة بدون شعبة الوضوء والطهارة؟ كلا، فإذا فقدت شعبة الوضوء قبل شعبة الصلاة فإنها تحبط هذه الصلاة،
    فلا يصح لشخص أن يصلي دون أن يكون متطهراً،

    فشعبة الصلاة تحبط إذا فقد شرط الطهارة. كذلك شعبة التوحيد (لا إله إلا الله) شرط في صحة الإيمان واعتباره حتى تنفع قائلها وتنجيه في الآخرة؛
    لأن بعض الكفار يعملون أعمالاً صالحة في الدنيا فيوفون جزاءهم هنا في الدنيا فقط،

    كما قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18]. فالكافر إذا عمل أشياء من الأعمال الحسنة أو الخيرية فإنه يجازى بها في الدنيا فقط أما الآخرة فتكون هباء منثوراً.

    فشعبة التوحيد (لا إله إلا الله) هي شرط في انتفاع العبد بجميع شعب الإيمان في اليوم الآخر،

    ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته، وأنه لا إله إلا هو، من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم،
    حتى النصارى الذين يعيشون في أواسط المسلمين يقولون: نحن نقول: إله واحد، ويموهون بذلك على ضعفاء المسلمين ويشوشون عليهم،
    واليهود يقولون: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقط ولم يقل معها: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛
    فإنها لا تنفعه، ويحبط كل ما أتى به من الأعمال الخيرية. كذلك لا تنفع الصلاة من صلاها عمداً بغير وضوء،
    فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه وقد لا يكون كذلك.
    هذا هو الميزان، وإذا أردت أن تحكم على شيء وصف الشرع فاعله بالكفر، مع وجود بعض شعب الإيمان فيه كالشهادتين مثلاً، فإذا ترك هذا الفعل هل ينفعه في الآخرة؟
    الجواب: ينفعه إذا لم يكن هذا المتروك شرطاً في صحة شعب الإيمان واعتبارها،
    لكن إذا كان المتروك شرطاً في صحة شعب الإيمان فلا ينفعه ذلك ويكون مستوياً بالكافر الأصلي.

    الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى بين أن تارك الصلاة يعد خارجاً من الملة، وأن كفره كفراً أكبر،

    وهذا البحث إن شاء الله سنذكره بالتفصيل، وعلى أي الأحوال نهمس دائماً في أذن من يترك الصلاة:
    هل تقبل أن يكون إيمانك وإسلامك وانتسابك إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى هذا النبي وهذا الدين محل خلاف؟!

    عالم يقول: أنت كافر كفراً أكبر مثل فرعون وأبي لهب والمشركين واليهود والنصارى، وتستحق القتل، وإذا مت لا تكفن ولا تغسل ولا يصلى عليك ولا تدفن مع المسلمين ولا ترث ولا تورث؛ لأنك كافر تماماً مثل أي كافر أصلي،

    والبعض الآخر من العلماء يقولون: لا، بل هو مسلم عاص فاسق أشد شراً من السارق والزاني والقاتل والمرابي وفاعل هذه الكبائر العظمى،

    فكل العلماء متفقون على أن تارك الصلاة أشد وزراً من هؤلاء أجمعين،

    وتطبيقاً لقاعدة الإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال: فيبقى النظر في الصلاة: هل هي شرط لصحة الإيمان؟ وهذا هو سر المسألة،

    والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة، فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها،

    وإن أتى بها صورة. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: (فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع)،

    وفي قوله: (إن أول ما ينظر في أعماله الصلاة، فإن جازت له نظر في سائر أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد) .

    فهذا باختصار تطبيق الحافظ ابن القيم لقاعدته الأخيرة، فهو يذهب إلى أن الصلاة شرط في اعتبار باقي الأعمال،

    واستدل بهذا الحديث: (فإن جازت له الصلاة نظر في سائر أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد)،
    فبهذا الحديث استدل بأن الصلاة شرط فيما عداها من الأعمال مثل شعبة الشهادتين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    ---------------------------------------------------
    شكراً لفضيلة الشيخ / محمد أسماعيل المقدم

    وأنى فى حاجة لصالح دعائكم .. لا تنسونى من دعائكم



      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 26, 2017 1:07 pm