آل راشد

آل راشد

ثقافى-اجتماعى

المواضيع الأخيرة

» معاتى الكلمات فى القرآن الكريم ** ( 1 )
الإثنين أغسطس 08, 2016 2:05 pm من طرف sadekalnour

» النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأنك تراه
الإثنين نوفمبر 30, 2015 2:41 pm من طرف sadekalnour

» معنى كلمة التوحيد وشروطها
الإثنين نوفمبر 30, 2015 2:32 pm من طرف sadekalnour

» التنفس خارج الإناء ثلاثاً والاجتماع على الطعام، ومدحه إذا أعجبه
الإثنين نوفمبر 30, 2015 2:25 pm من طرف sadekalnour

» مـن حـد يـث :: تـعـا قـب المـلا ئـكـه
الإثنين نوفمبر 30, 2015 2:22 pm من طرف sadekalnour

» صورة وآية: وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً
الأربعاء نوفمبر 25, 2015 9:08 am من طرف sadekalnour

» صورة وآية: النوم بالنهار
الأربعاء نوفمبر 25, 2015 9:03 am من طرف sadekalnour

» بحث علمي: معجزة السبع المثاني
الأربعاء نوفمبر 25, 2015 8:58 am من طرف sadekalnour

» كتاب الروح .. لأبن القيم الجوزية
الأربعاء أكتوبر 15, 2014 3:03 pm من طرف ayzo

» لا إلة إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين
الإثنين سبتمبر 22, 2014 11:04 pm من طرف sayedmelsayed

اهلا بكم

الثلاثاء نوفمبر 08, 2011 2:32 am من طرف محمد ع موجود



المتواجدون الآن ؟

ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 34 بتاريخ السبت نوفمبر 05, 2011 12:10 pm

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 8349 مساهمة في هذا المنتدى في 2835 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 214 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو سمير النحاس فمرحباً به.

دخول

لقد نسيت كلمة السر

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


    شرح حديث (اجتنبوا السبع الموبقات)

    شاطر

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4108
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود شرح حديث (اجتنبوا السبع الموبقات)

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء سبتمبر 12, 2012 9:22 pm

    شرح حديث (اجتنبوا السبع الموبقات)


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
    فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات))رواه البخاري برقم (2615)، ومسلم برقم (145).
    ترجمة راوي الحديث:
    أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة، اختلف في اسمه فقيل: عبد الرحمن بن صخر، وقيل: ابن غنم، وقيل غير ذلك، قال النووي في مواضع من كتبه: "اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولاً"1، وقال القطب الحلبي: "اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولاً مذكورة في الكنى للحاكم، وفي الاستيعاب، وفي تاريخ ابن عساكر"2،وذهب الأكثرون إلى الأول، مات سنة تسع وخمسين من الهجرة.

    شرح مفردات الحديث:

    الاجتناب: هو الابتعاد وعدم المقاربة.

    الموبقات: قال الإمام النووي رحمه الله: "هي المهلكات، يُقال: (وبق الرجل) بفتح الباء (وبق) بكسرها، و(وبق) بضم الواو وكسر الباء (يوبق) إذا هلك، و(أوبق) غيره أي أهلكه"3.

    السحر: "عزائمُ ورقىً وعُقدٌ تؤثر في الأبدان والقلوب فيُمرض، ويقتل، ويُفَرِّق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه"4.
    الربا: "اختلفت تعريفات الفقهاء للربا باختلاف المذاهب، وعرَّفه الشافعية بقولهم: عقد على عوض مخصوص غير معلوم التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين، أو أحدهما"5.

    اليتيم: في اللغة هو الانفراد، وفي الشرع هو من مات عنه أبوه دون الحلم أي قبل أن يبلغ، وما بعد البلوغ لا يسمى يتيماً على الراجحقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اليتيم في الآدميين من فقد أباه؛ لأن أباه هو الذي يهذبه، ويرزقه، وينصره بموجب الطبع المخلوق، ولهذا كان تابعاً في الدين لوالده، وكان نفقته عليه، وحضانته عليه"6.
    التولي يوم الزحف: أي الفرار والهرب من المعركة حال قتال العدو.

    القذف: هو الرمي والاتهام.

    المحصنات: هن العفيفات الطاهرات، المجتنبات للفواحش.

    الغافلات: أي الغافلات عن الفواحش، وما قذفن به.

    المعنى الإجمالي للحديث:

    يُحذِّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته في هذا الحديث من الوقوع في الذنوب المهلكة، والكبائر العظيمة التي تورد صاحبها المهالك،
    حيث عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً من هذه الذنوب والكبائر وهي ليست للحصر، بل قد وردت نصوص أخرى بذكر بعض الكبائر والذنوب كعقوق الوالدين، والظلم، وشهادة الزور، وغيرها كثير.

    وقد صنَّف العلماء قديماً وحديثاً في باب الكبائر والذنوب والمهلكات ومنهم الإمام الذهبي رحمه الله الذي صنف كتاب "الكبائر"، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله له كتاب بعنوان الكبائر
    وهذا يدل على خطر الوقوع فيها، مما يستلزم الحذر منها، والمسارعة إلى التوبة، والاستغفار، والإنابة إلى الله تعالى عند الوقوع فيها

    يقول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً* إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}(الفرقان:68-70).

    الموبقة الأولى:
    الإشراك بالله: وهو جعل شريك لله سبحانه وتعالى في ربوبيته أو إلهيته، والغالب الإشراك في الألوهية؛ بأن يدعو مع الله غيره، أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادة كالذبح، أو النذر، أو الخوف، أو الدعاء

    والشرك نوعان:

    الأول: شرك أكبر يخرج من الإسلام، ويخلد صاحبه في النار إذا مات، ولم يتب منه، وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كدعاء غير الله، والتقرب بالذبح والنذر لغير الله من القبور والجن، والخوف من الموتى أو الجن أن يضروه أو يمرضوه، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات مما يفعل الآن حول قبور الصالحين وغيرهم

    قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}(يونس:18).

    والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الإسلام لكنه ينقص التوحيد، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر،

    وهو قسمان:

    القسم الأول شرك ظاهر وهو (ألفاظ وأفعال)، فالألفاظ: كالحلف بغير الله
    كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))7، ونحو قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقالSad(أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده))8،

    وأما القسم الثاني من الشرك الأصغر: فهو شرك خفي، وهو الشرك في الإرادات والنيات بالرياء والسمعة، كأن يعمل عملاً مما يتقرب به إلى الله تعالى يريد به ثناء الناس عليه، مثل أن يحسن صلاته، أو يتصدق لأجل أن يُمدح ويُثنى عليه، والرياء إذا خالط العمل أبطله
    قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}(الكهف:110)،
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال(الرياء))9"10.

    والشرك بالله هو أحد أكبر الكبائر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)) ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله...)) رواه البخاري برقم (2511)، ومسلم برقم (87)
    وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى لمن مات ولم يتب منه، بل يكون مصير صاحبه النار كما قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}(النساء:48)، وقال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}(المائدة:72)، وذلك لأن الشرك فيه مشابهة للخالق الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الضعيف الناقص.
    الموبقة الثانية: السحر:وقد تقدم تعريف السحر بأنه عزائمُ ورقىً وعُقدٌ تؤثر في الأبدان والقلوب فيمرض، ويقتل، ويُفَرِّق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، وعرَّفه بعض المعاصرين بأنه: "عبارة عن أمور دقيقة موغلة في الخفاء، يمكن اكتسابها بالتعلم، تشبه الخارق للعادة، وليس فيها تحد، أو تجري مجرى التمويه والخداع، تصدر من نفس شريرة تؤثر في عالم العناصر بغير مباشرة أو بمباشرة"11.

    وقد اختلف في السحر هل له حقيقة أم لا؟

    فالقول الأول:

    أن السحر له حقيقة وتأثير، وهذا ثابت بالكتاب والسنة يقول الإمام النووي رحمه الله: "والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. انتهى"12،

    وقال القرطبي رحمه الله: "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت، وله حقيقة..."13، والأدلة على ذلك من القرآن: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ}(البقرة:102)،ووجه الدلالة من هذه الآية أن الله تعالى أخبر أن للسحر آثارً حقيقة، ومنها أنه يتم بواسطته التفريق بين المرء وزوجته، وأن ما يتعلمونه ما هو إلا ضرر لا نفع فيه.
    ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}(الفلق:1-5)، ووجه الدلالة أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر النفاثات وهن السواحر، كما أن جمهور المفسرين اتفقوا على أن سبب نزول هذه السورة هو ما قام به لبيد بن الأعصم اليهودي لعنه الله من سحر النبي صلى الله عليه وسلم.


    والأدلة من السنة:

    ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سَحَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني زريق يُقال له "لبيد بن الأعصم" حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: ((يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان))


    علاج السحر والوقاية منه .


    أما عن حكم السحر .

    فقد قال الحافظ ابن حجر :

    وقد دلت آية البقرة وهي قول الله تعالى :

    {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [البقرة:102]


    على أن السحركفرٌ ومتعلمة كافرُ أي الساحر وهو واضح في بعض الأنواع وهو التعبُد للشياطين أو للكواكب وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكَّفر به أصلاً.

    وهنا يثور سؤال خطير وهو : من الذي كفَّر سليمانَ ولماذا ؟

    وأود أن أتوقف قليلاً مع آيات السحر في سورة البقرة باعتبارها العمدةُ في الأحكام التي تتعلق بالسحر ولأن بعض كتب التفسير قد شحنت بكثير من الأخبار الموضوعة المكذوبة في تفسير هذه الآيات .

    وسببُ نزول هذه الآيات أن الله تعالى أنزل إلى بني إسرائيل شريعة مباركة طيبة هي شريعة التوراة فتركوها ونبذوها وإشتغلوا بالسحر الذي يعبدّهم للشيطان .

    فلما جاءتهم الشريعة الغراء التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم استمروا على ضلالهم في إتباع السحر والإعراض عن الشريعة وزعموا أن نبي الله سليمان إنما سُخرت له الجن والإنس والطير بالسحر فأنزل الله هذه الآيات ذاماً لهم مبيناًَ كفرهم وضلالهم مبرئاً عبده ونبيه سليمان مما رماه به أهل الضلال والبهتان .

    وذكر ابن الجوزي في زاد المسير قولاً عن ابن إسحاق في سبب نزولها فقال : إنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبياً ؟ والله ما كان إلا ساحراً فنزلت الآية .

    قال الحافظ ابن حجر العسقلاني :

    اختلف في المراد بالآية فقيل إن سليمان كان قد جمع كتب السحر والكهانة فدفنها تحت كرسيه فلم يكن أحد من الشياطين ليستطيع أن يدنو من الكرسي فلما مات سليمان وذهبت العلماء الذين يعرفون الأمر جاءهم الشيطان في صورة إنسان فقال لليهود هل أدلكم على كنز سليمان الذي لا نظير له ؟!

    قالوا : نعم .

    قال : فأحضروا تحت الكرسي فحضروا فوجدوا تلك الكتب .

    فقال لهم : إن سليمان كان يضبط الجن والإنس بهذا فَفَشَا بينهم أن سليمان كان ساحراً.

    فلما نزل القرآن يذكر سليمان في الأنبياء أنكرت اليهود ذلك وقالوا ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبياً ؟ والله ما كان إلا ساحراً ، فنزلت هذه الآية .

    والأثر أخرجه الطبري وغيره عن السُدى ومن طريق سعيد بن جبير نحوه بسند صحيح ومن طريق عمران بن الحارث عن ابن عباس موصولاٍ بمعناه .

    وأما ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت وما روى عن علي وابن عباس وغيرهما فهذا كله من كذب اليهود وافترائهم وبم يُنقل في هذا خبرُ صحيحُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    يقول الحافظ ابن كثير:

    والأحاديث والآثار الواردة في قصة هاروت وماروت حاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل فيها حديثُ مرفوع صحيحُ متصلُ الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى .

    وظاهر سياق القرآن هو إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال .

    وأما تعليمُ الملكين السحرَ للناس بصريح النص القرآني فهذا من باب الفتنة والاختبار والابتلاء .

    ولله أن يختبر عباده بما يشاء وقد خلق الله إبليس الذي هو أصلُ الشر كله ونهى العباد عن متابعته وحذر منه واختبر جيش طالوت بعدم الشرب من النهر والملكان ليسا بعاصيينّ لله في حال تعليمهما السحر للناس بل هما مطيعان لله ، وذلك أنهما مكلفان بهذا من الله تعالى ابتلاءً واختباراً من الله لعباده .

    والخلاصة أن الآية قد دلت على أن السحر كفر وأن الساحر كافر وهذا بلا خوف متعلق بالسحر الحقيقي الذي يعتمد فيه الساحر على الكفر بالله العظيم والاستعانة بعبادة الجن والشياطين والنجوم والكواكب وكلما ازداد الساحر كفراً أو شركاً ازداد الجني والشيطان له طاعة .

    ويقول حافظ حكمي في المعرج :

    وقد عُلم أن السحر لا يُعمل إلا مع كفر بالله وهذا معلوم من سبب نزول الآية .

    ويقول الإمام النووي رحمه الله تعالى :

    عملُ السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع وقد عدَّه النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات ومنه ما يكون كفراً ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا .

    وقال القرطبي : قال أهل الصناعة إن السحر لا يتم إلا مع الكفر والشرك أو التعظيم للشيطان فالسحر إذن دال على الكفر على هذا التقدير .

    وقال صاحب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد :

    (( لما كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يتأتى السحر بدون الشرك أدخله المصنف في كتاب التوحيد ليبين ذلك تحذيراً )) ، كما ذكر غيره من أنواع الشرك .

    وقال ابن عابدين :

    ولعل ما نُقل عن الأصحاب أي القول بكفر الساحر مبني على أن السحر لا يتم إلا بما هو كفر كما يفيده قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}

    ومن ثم كان حدَّ الساحر في الإسلام هو القتل .

    وفي سنن أبي داود عن بجالة بن عَبَدَه قال :

    كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة .

    بجالة بن عبدة هو التميمي العنبري تابعي ثقة .

    (( حد الساحر ضربه بالسيف )) فهو حديث ضعيف

    وبهذا القول قال مالك وأحمد وأبو حنيفة وقال من الصحابة عمرو ثمان وابن عمر وحفصه وغيرهم .

    ولم ير الشافعي القتل للساحر بمجرد السحر إلا من عمل سحره ما يبلغ الكفر وهو رواية عن أحمد بن حنبل أيضاً .

    وقد يسأل الآن سائل ويقول فلماذا لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم الذي سحره والجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين يهود عهدُّ فلو قتله لنقضيه مع كل ما أظهروه من كيد للمسلمين وطعن فيهم وفي دينهم حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ومن المعلوم أن لبيد بن الأعصم كان حليفاً ليهود وكان مناقضاً كما ثبت في الرواية الصحيحة في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أما حكمُ ساحرِ أهل الكتاب فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم قتل ساحر أهل الكتاب إلا إذا قتل بسحره .

    أما الإمام أبو حنيفة فقد قال بوجوب قتل ساحر أهل الكتاب ولم يفرق بينه وبين الساحر المسلم .

    وخالف أبو حنيفة الأئمة الثلاثة : أيضاً في حكم المرأة الساحرة بأنها لا تقتل ، أما هم فقالوا بوجوب قتلها ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة لعدم وجود الدليل الذي يفرق بينهما .

    وقد اختلف العلماء في توبة الساحر هل تقبل أو لا تقبل ؟!

    والصحيح إن شاء الله تعالى أنه لم يسد باب التوبة على أحد من خلقه على الإطلاق بل أن المشرك لو تاب تاب الله عليه .

    وقد أخبرنا القرآن أن سحرة فرعون كفروا بالله عز وجل وتابوا إلى الله وقبل توبتهم


    فماذا عن حكم من يذهبُ إلى السحرة والعرافين والكهان :

    والجواب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم من حديث حفصه رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء ( وفي لفظ أحمد ) فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً))

    وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي وصححه شيخنا الألباني في الإرواء من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)).

    قال صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد : وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدق العراف أو الكاهن بأي وجه كان .

    وفي الحديث الذي رواه البزار بإسناد جيد كما قال الحافظ في الفتح ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن وهذا لفظ رواية البزار عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( ليس منا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهن أو تُكُهِّن له أو تسحر أو سُحر له ومن أنى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)) .

    قال صاحب فتح المجيد : قوله : ليس منا ( فيه : وعيد شديد يدل على أن هذه الأمور من الكبائر.

    فمن هو العراف ومن هو الكاهن ؟

    قال البغوي :

    العراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن العراف اسمُ للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق .

    وقال الإمام أحمد :العرافة طَرف من السحر والساحر .

    وقال أبو السعادات : العراف هو المنجم .

    أما الكاهن فهو الذي يَّدعي علم الغيب .

    وهنا يثور في الصدر سؤال قد يستحي صاحبه أن يسأل عنه ألا وهو ولكن بعض هؤلاء العرَّافين والكُهَّان قد يخبرون عن شيء فيكون صحيحاً ويقع كما أخبروا تماماً فما تفسير هذا ؟

    ونقول بقد سئل رسول الله هذا السؤال ففي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت سأل أُناس رسول الله عن الكهان .

    فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليسوا بشيء ))

    قالوا : يا رسول الله فإنهم يحدثونا أحياناً الشيء يكون حقاً ؟

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها ، وفي رواية – فيقرها في أذُن وليه قرَّ الدجاجة [أي يرددها في أذن الكاهن] فيخلطون فيها مائة كذبة)

    وأخيراً نحني جباهنا ذلاً وشكراً لله جل وعلا أن جعلنا موحدين نعلم يقيناً أن الأمر كله لله وأن الملك لله وأنه لا يقع شيء في هذا الكون كله إلا بأمره وتحت سمعه وبصره بل وما من ورقة تسقط من شجرة في هذا الكون كله إلا بعلمه جلا وعلا .

    قال تعالى : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [الأنعام:59].

    نعلم يقيناً أنه لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تضر ولا تنفع إلا بإذن الله جل وعلا .

    والأصل في هذا كله قول الله جل وعلا والنص يريح القلوب المطمئنة ويطمئن النفوس الحائرة .

    قالا تعالى : {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ} [البقرة:102]

    الله أكبر ... ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

    ولو اجتمع سحرة أهل الأرض لا يستطيعون أن يؤثروا بسحرهم في مخلوق إلا بإذن الله .

    فوجَّه قلبك إلى ملك الملوك وجبار السموات والأرض وتوكل عليه وثق به فهو المرتجي والملاذ ولا حول ولا قوة إلا به .

    من توكل عليه كفاه ومن اعتصم به نجاه ومن فوض إليه الأمر هداه

    قال تعالى : {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}

    وقال تعالى : {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}

    يا صاحب الهم إن الهم منفرج ..... ابشر بخير فإن الفارج الله .

    ومن أجمل ما قاله الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه القيم تلبيس إبليس قال حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟

    قال التلميذ : أجاهده .

    قال الشيخ : فإن عاد؟! قال : أجاهده .

    قال الشيخ : فإن عاد؟! قال : أجاهده .

    فقال الشيخ : هذا يطول يا بني ولكن إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور فماذا تصنع ؟

    قال : أجاهده قال : يا بني هذا أمر يطول ، استعن برب الغنم يكفك كلابه .

    فاستعن بالله أيها الحبيب والجأ إليه فهذا هو الحصن الحصين والملاذ المكين ولما كان الله هو خالقنا فتحصن به هو الذي يعلم ضعفنا وعجزنا فقد تفض علينا بحصون وحروز ولكننا كثيراً ما نغفل عن الدواء إلا إذا حل بنا الداء فهيا إلى الحصون التي نتقي بها شر السحر والسحرة


    إن أعظم طريق للوقاية من السحر ومس الجن وربط الرجل عن زوجته ما يلي :

    أولا : تحقيق التوحيد لله العزيز الحميد وإخلاص العبودية لله جل وعلا والتوكل عليه تبارك وتعالى .

    فقلب الموحد قد أشرق فيه مصباح التوحيد وأزهر فيه نور الإيمان ومن ثم خرج منه الخوف من كل أحد إلا من الله جل وعلا .

    بل لا ينفرد بالمحبة والخوف إلا الله .

    صاحب هذا القلب كما يقول ابن تيمية : في جنة وهو في الدنيا .. في جنة وهو في البرزخ ... في جنة وهو في الآخرة .

    إن قوة الإيمان في القلب تضعف الشيطان وكلما زاد إيمان العبد وأخلص العبادة لله ضعف تسلط الشيطان عليه .

    فها هو فاروق الأمة عمر رضي اله عنه كان الشيطان يهرب منه كما جاء في البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : استأذن عمرُ على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يكلمنه – وفي رواية : يسألنه ويستكثرنه – عاليةً أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر قمن يَبتَدْرِنَ الحجاب ، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عمر والنبي صلى الله عليه وسلم يضحك .

    فقال عمر : أضحك الله سنك (*) بأبي أنت وأمي ما أضحكك ؟ قال (( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب )) .

    قال عمر : فأنت يا رسول الله لأحق أن يهبن ، ثم قال عمر : أي عدوات أنفسهن ، أتهبنني ولا تهبن النبي صلى الله عليه وسلم ؟

    قلن : نعم ، أنت أفظ وأغلظ من النبي عليه الصلاة والسلام .

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إيه يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجا إلا سلك فجاً غير فجك )) .

    والفج : المسلك والطريق فالشيطان يهرب ويفر حتى من الطريق الذي يسير فيه عمر هرباً من قوة إيمانه رضي الله عنه .

    وساق ابن الجوزي في كتابه القيم تلبيس إبليس قصة تبين ما نقول بوضوح .

    قال: كانت شجرة تُعبد من دون الله فجاء إليها رجل فقال : لأقطعن هذه الشجرة فجاء ليقطعها غضباً لله فلقيه إبليس في صورة إنسان فقال : ما تريد ؟

    قال : أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تُعبد من دون الله .

    قال : إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها ؟

    قال : لأقطعنها ، فقال له الشيطان : هل لك فيما هو خير لك !! لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك !!

    قال : فمن أين لي بذلك ؟

    قال : أنا لك .

    فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئاً ، فقام غضباً ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته وقال : ما تريد ؟

    قال : أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى .

    قال : كذبت مالك إلى ذلك سبيل .

    فذهب ليقطعها فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد أن يقتله ، قال : أتدري من أنا ؟ أنا الشيطان جئت أول مرة غضباً لله فلم يكن لي عليك سبيل ، فخدعتك بالدينارين فتركتها ، فلما جئت غضباً للدينارين سلطت عليك !!

    فتدبر يا عبد الله !!

    قال تعالى :{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{99} إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ{100} [النحل :99-100]

    فإن الشيطان لا سلطان له عليهم فقال سبحانه : {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [ الحجر :42]

    ثانيا : كثرة ذكر الله جل وعلا

    فالذكر يضعف الشيطان ويقوي الإيمان ويرضي الرحمن وهو الركن الركين والحصن الحصين الذي يتحصن به الإنسان من الشيطان الرجيم .

    وفي حديث الحارث الأشعري الطويل وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((.. وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين أحرز نفسه منهم وكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله عز وجل ))

    وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الشعري رضي الله عنه أن الحبيب النبي قال: (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت ))

    ثالثاً : قراءة سورة البقرة

    ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: (( .... لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، إن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة))

    رابعاً : قراءة آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني أتٍ فجعل يحثوا من الطعام فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني محتاج وعلىّ عيالٌ ولي حاجة شديدة قال: فخليتُ عنه فأصبحتُ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟ )).

    قال : قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله .

    قال : (( أما إنه قد كذبك وسيعود )) .

    فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    قال دعني فإني محتاج وعليّ عيال ، لا أعود .

    فرحمته فخليت سبيله فأصبحت .

    فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك ؟ )) .

    قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله .

    قال : (( أما قد كذبك وسيعود )) .

    فرصدته الثالثة فجعل يحثو من الطعام فأخذته .

    فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود.

    قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها .

    قلت ما هن ؟

    قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (({اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ})) حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح .

    فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما فعل أسيرك البارحة ؟ )).

    قلت : يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله .

    قال : (( ما هي ؟ ))

    قلت قال لي، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكان أحرص شيء على الخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أما إنه قد صدقك وهو كذوب ، تعلم من تخاطب مُذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قال: لا قال: ((ذاك شيطان)).

    خامساً : قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة .

    من قوله تعالى : {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} إلى آخر السورة .

    ففي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ))

    أي من كل شر وسوء من الشياطين .

    سادساً : قراءة المعوذات

    ففي البخاري عن عائشة أن النبي كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما : {قل هو الله أحد} و : {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس } ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات .

    وعن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال : خرجنا في ليلة مطيرة وظلمة شديدة فطلبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لنا فأدركته فقال : (( قل )) فلم أقل شيئاً . ثم قال : ((قل)) فلم أقل شيئاً ، قال ((قل)) فقلت : ما أقول ؟ قال: (( قل هو الله أحد ، والمعوذتين ، حين تمسي وتصبح ثلاث مرات يكفيك من كل شيء ))

    وفي رواية (( ما تعوذ الناس بأفضل منها ))

    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: بينا أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في غزوة إذ قال: (( يا عقبة قل )) فاستمعت ، ثم قال (( يا عقبة قل )) فاستمعت ، فقالها الثالثة : فقلت : ما أقول ؟ فقال : (( قل هو الله أحد)) فقرأ السورة حتى ختمها ، ثم قرأ (( قل أعوذ برب الفلق )) وقرأت معه حتى ختمها ثم قرأ: ((قل أعوذ برب الناس )) فقرأت معه حتى ختمها ثم قال: (( ما تعوذ بمثلهن أحدٌ)) ([6]).

    سابعاً : روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومُحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك )).

    وأخيراً روى البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من تصبَّحَ سبعُ تمرات عجوة لم تُضره لك اليوم سمُّ ولا سحر)) وفي رواية ((من تمر العالية)) وهي في المدينة .

    هذه هي الحصون والحروز التي يتقي بها الإنسان من السحر والمس والربط بإذن
    الله جل وعلا .

    فما هو علاج من سُحِرَ فعلاً :

    أولاً : لابد أن يحافظ على هذه الأذكار التي ذكرناها آنفاً .

    ثانياً : حلَّ السحر من المسحور بالرقية الشرعية كما قال ابن القيم .

    الأولُ: حلُ السحر بسحر مثله وهذا هو الذي من عمل الشيطان فيتقرب الناشر والنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور. [وهذه من عمل الشيطان بلا شك]

    أما النوع الثاني : هو النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات المباحة فهذا جائز .

    هذا ما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال Sad( من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه ))

    وفيه أيضاً قال : (( اعرضوا على رقاكم ولا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك )) .

    وفي صحيح البخاري عن قتادة قلت اسعيد بن المسيب رجل به طبُّ أي سحر أو يؤخذ عن امرأته (أي يربط) أيحلُّ عنه أو يٌنْشر ؟

    قال : (( لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح ، فأما ما ينفع فلم يُنه عنه ))

    وفي مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز أنه قال : من علاج السحر بعد وقوعه وهو علاج نافع بإذن الله للرجل إذا حُبس عن جماع أهله .

    ثم قال الشيخ ابن باز أن يأخذ سبعُ ورقات من السدر الأخضر ويدقها بحجر أو نحوه ويجعلها في إناء ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل ويقرأ فيها: ((آية الكرسي)) و ((قل يا أيها الكافرون)) و ((قل هو الله أحد)) و ((قل أعوذ برب الفلق)) و ((قل أعوذ برب الناس)) .

    وأن يقرأ آيات السحر في سورة الأعراف وهي قوله سبحانه :

    {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ{117} فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{118} فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ{119} [الأعراف : 117:119].

    والآيات في سورة يونس وهي قوله سبحانه : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ{79} فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ{80} فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ{81} وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ{82} [ يونس :79:82].

    والآيات التي في سورة طه : {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى{65} قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى{66} فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى{67} قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى{68} وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى{69} } [طه :65:69]

    يقول الشيخ ابن باز :

    بعد قراءة ما ذكر في الماء يشربُ ثلاث مرات ويغتسل بالباقي وإن دعت الحاجة لاستعماله مرتين أو أكثر فلا بأس حتى يزول إن شاء الله .

    .


    ولنا فى الحديث بقية بأذن الله

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4108
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود قتل النفس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء سبتمبر 12, 2012 9:35 pm

    (3)
    قتل النفس التي حرم الله

    هذا هو لقاءنا الرابع مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    (( اجتنبوا السبع الموبقات )) . قالوا : يا رسول الله وما هُنَّ ؟

    قال (( الشرك بالله ، والسحرُ وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكلُ مال اليتيم ، وأكلُ الربا ، والتولي يوم الزحف وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات )) .

    ونحن اليوم على موعد مع الكبيرة الثالثة في هذا الحديث ألا وهي قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق .

    ونظراً لطول الموضوع فسوف أركز حديثي مع حضراتكم في العناصر التالية :

    أولاً : حرمة النفس والدماء عند الله جل وعلا .

    ثانياً : حكم من قتل نفسه فمات منتحراً .

    ثالثاً : حكم القتل الخطأ .

    رابعاً : هل للقاتل المتعمد توبة ؟

    أولاً : حرمة النفس والدماء عند الله جل وعلا .

    أحبتي في الله :

    إن الله عز وجل قد كرم هذا الإنسان تكريماً كبيراً .

    خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه .

    وأرسل له الرسل ليأخذوا بيديه إلى الحق وأنزل من أجله شريعة محكمة تضمن له السعادة في الدنيا والآخرة .

    وهي المنهج الحق المستقيم الذي يصون الإنسان من الزيغ والانحراف ويحفظه من مزالق الشر ونوازع الهوى .

    وهي المورد العذب الزلال والمعين الكريم الفياض الذي يشفي صدره ويُحي نفسه ويروى عقله ويحفظُ بدنه .

    ومن أجل هذا فقد ضمنت الشريعة المحكمة جميع الحقوق التي تكرم وتسمو بهذا الإنسان وفي طليعة هذه الحقوق حقُ الحياة ...

    وهو حق كبير لا يحل لأحد أن ينتهك حرمته أو أن يستبيح حماه .

    بل لقد جعل الإسلام قتل النفس كبيرة .

    كبيرة تأتي بعد كبيرة الشرك بالله عز وجل كما قال الله عز وجل في وصف عباد الرحمن .

    وليس لأحد البته أن يسلب هذه الحياة إلا خالقها سبحانه وتعالى أو بأمر منه في نطاق الحدود التي شرعها لخلقه وهو سبحانه عليم بهم خبير بما يصلحهم ويفسدهم إذ يقول سبحانه : {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك:14]

    والعليم اللطيف الخبير جل وعلا يحرم قتل النفس إلا بالحق فيقول سبحانه : {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [ الأنعام:14]

    ويقول رسوله صلى الله عليه وسلم : (( وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق )) .

    وهذا الحق الذي يبيح قتل النفس محدد واضح لا غموض فيه ..

    وليس متروكاً للرأي ولا متأثراً بالهوى .

    وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يحلُ دمُ امريء مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفسُ بالنفسُ ، والثيب الزاني ، التارك لدينه المفارقُ للجماعة ))

    فأما الحالة الأولى : فهي القصاص العادل الذي وإن قتل نفساً فقد ضمن الحياة للمجتمع نفسه .

    كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ{178} وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
    [ البقرة :178-179]

    نعم .. حياةٌ بردع هؤلاء الذين يفكرون مجرد تفكير في الاعتداء على الناس .

    وحياةٌ بكفَّ أهل المقتول عن الثأر قد لا يقف عند القاتل بل يتعداه إلى أهله ممن لا ذنب لهم ولا جريرة .

    وحياة يأمن فيها كل فرد على نفسه لأنه يعلم يقيناً أن هناك قصاصاً عادلاً ينتظر كل من يتعدى حدود الله .

    أما الحالة الثانية : التي يجوز فيها القتلُ وبالرجم فهي للثيب الزاني الذي رزقه اللهُ الحلال الطيب فراح يرتعُ في مستنقع الرذيلة العفن .

    والحالة الثالثة : التي يجوز فيها القتلُ تكون لمن ترك دينه وارتد بعد أن منَّ الله به عليه .

    فالردة بالإجماع سبب لإباحة دم المسلم .

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري وأحمد عن ابن عباس: ((من بَّل دينه فاقتلوه))

    هذه هي الحالات الثلاث التي تبيح قتل المسلم على يد ولي الأمر المسلم أو من
    ينوب عنه .

    أما فيما عدا هذه الحالات فإنه لا يجوز أبداً قتل النفس بل إن الأمر جد خطير وكيف لا وقد قال جل وعلا : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }[النساء:93]

    وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً )) . قال : فقال ابن عمر : إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفكُ الدم الحرام بغير حِلَّه

    وفي سنن النسائي من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( كلُ ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يقتل المؤمن متعمداً ، أو الرجل يموت كافراً ))

    وفي الحديث الذي رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء ورواه الحاكم والنسائي وأحمد من حديث معاوية وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو قتل مؤمناً متعمداً ))

    وفي الحديث الذي رواه النسائي من حديث بريده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( قتلُ المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ))

    الله أكبر .... فكم يكون عظيماً عند الخالق زوال الدنيا على قدر عظمتها .

    فإذا علمنا أن قتل المؤمن أعظم من زوال الدنيا علمنا خطورة وفظاعة القتل العمد بما لا يمكن للغة البشر أن تصفه وقد جمعه من أوتي جوامع الكلم في هذا اللفظ الوجيز .

    وفي الحديث الذي رواه النسائي والبخاري في التاريخ وصححه الألباني من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أمَّنَ رجلاً على دمه فقتله فأنا برئ من القاتل وإن كان المقتول كافراً ))

    عن عبيد الله بن عدي أن المقداد بن عمرو الكندي – وكان حليفاً لبني زهرة وكان ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم - أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا ، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة ، فقال : أسلمت لله ، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتله فقال : يا رسول الله قطع إحدى يدي ، ثم قال ذلك بعد ما قطعها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ))

    وقام النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يبين حرمة هذه الدماء فيقول والحديث في الصحيحين من حديث ابن أبي بكرة (( أي شهر هذا؟ )) قلنا الله ورسوله أعلم . وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم ، قال فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : (( أليس البلدة ؟ قلنا : بلى ، قال : فأي يوم هذا ؟ )) قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت ، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال : أليس يوم النحر )) قلنا : بلى يا رسول الله قال : (( فإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم فلا ترجعوا بعدي كفاراً أو ضلالاً يضرب يعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب ))

    ولحرمة هذه الدماء عند الله جل وعلا وأنها ليست رخيصة بسفكها من شاء وقت شاء بل هي عظيمة عند الله جل وعلا .

    ولذا فإن أول ما يُقضى فيه يوم القيامة هو الدماء .

    كما في الصحيح وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أولُ ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة في الدماء ))

    ولا منافاة بين هذا وبين قوله (( أول ما يحاسب به العبدُ الصلاة ))

    فهذا حق بينه وبين الله والدماء حق العباد .

    وقد ورد عند النسائي وأبو داود من حديث ابن مسعود بلفظ (( أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس الدماء ))

    ولذلك قال علي بن أبي طالب كما في صحيح البخاري (( أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن جل وعلا للخصومة ))

    يريد قصته في مبارزته هو وصاحبه يوم بدر وفيهم نزل قول الله تعالى {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } [ الحج:19]

    فإذا قامت القيامة وقام الناس جميعاً لرب العالمين ووقفوا في أرض المحشر حفاة عراةَّ غُرلا وقد دنت الشمس من الرؤوس وتصبب العرق على قدر الأعمال وزفرت جهنم وزمجرت وقد جيء لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها وتطايرت الصحف ونصبت الموازين ونودي عليك .

    فقرع النداء قلبك وارتعدت فرائصك واضطربت جوارحك وتغير لونك وطار قلبك وجاءت الملائكة الموكلة بسوقك إلى الله تعالى .

    حتى إذا ما وقفت بين يدي ملك الملوك وجبار السموات والأرض أخذت صحيفتك هذه الصحيفة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة !!

    فانتبه ... يُنادى عليك أيها القاتلُ المجرم يا من سفكت دماء الموحدين المؤمنين فتأتي فرداً عارياً لا سلطان لك ، ولا مال معك ، لتفتدي به وقد أحاط بك من كل ناحية من قتلتهم في الدنيا وقد تعلقوا به وأوداجهم [أي عروق أعناقهم] تشخب [أي تسيل] دماً ويقولون لله جل وعلا سل هذا القاتل فيم قتلنا كما في سنن النسائي من حديث ابن عباس وهو حديث حسن قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل تشخب [تسيل] أوداجه دما ، فيقول : أي رب سل هذا فيم قتلني ؟ )) وفي رواية (( يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ، ناصيته ورأسه بيده ، وأوداجه تشخب دماً ، يقول : يا رب ، قتلني هذا ، حتى يدنيه من العرش ، قال : فذكروا لابن عباس التوبة فتلا هذه الآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} قال : وما نُسِخَت هذه الآية ولا بدلت ، وأنى له التوبة ؟ ))

    الله أكبر .....

    تذكر وقوفك يوم العرض عريانا...........مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا
    والنار تلهب من غيظ ومن حنق..........على العصاة ورب العرش غضبانا
    اقرأ كتابك يا عبد على مهلٍ..............فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا
    فلما قرأت ولم تنكر قراءته...........وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
    نادى الجليل خذوه يا ملائكتي............وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا
    المشركون غداً في النار يلتهبوا..........والموحدون في دار الخلد سكانا



    {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [الأنبياء:47]

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً (( أتدرون من
    المفلس ؟)) قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال : (( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا فَيُعْطَى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضَي ما عليه ، أُخذ من خطاياهم ثم طرح في النار ))




    ثانياً : حكم من قتل نفسه فمات منتحراً

    أحبتي في الله :

    ولم ينتف هذا الوعيد الرهيب في حق من قتل نفسه منتحراً والعياذ بالله بل هو خالد في النار لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    ((من تردى من جبل (أي ألقى بنفسه) فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساهُ في نار جهنم خالداً فيها أبداً ، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ))

    وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن رسول الله التقى هو والمشركون فاقتتلو ، فلما مال النبي صلى الله عليه وسلم إلى عسكره ، ومال الآخرون إلى عسكرهم ، وفي أصحاب رسول الله رجل لا يدع لهم شاذَّة ولا فاذَّة إلا اتبعها يضربها بسيفه – فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أما إنه من أهل النار )) .

    فقال رجل من القوم : أنا صاحبه أبداً .

    قال فخرج معه كلما وقف معه ، وإذا أسرع أسرع معه ، قال : فجُرِحََ الرجل جرحاً شديداً فاستعجل الموت فوضع سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله فقال : أشهد أنه رسول الله .

    قال : (( وما ذاك ؟ )) .

    فقال : الرجلُ الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار ، فأعظم الناس ذلك ، فقلت : أنا لكم به فخرجت في طلبه حتى جرح جرحاً شديداً فاستعجل الموت ، فوضع سيفه بالأرض وذُبَابَه بين ثدييه ( ذبابة السيف : طرف رأسه) ثم تحامل عليه فقتل نفسه فقال رسول الله عند ذلك :

    (( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدوا للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدوا للناس وهو من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم ))

    وفي رواية أخرى في الصحيحين عن أبي هريرة قال : فلما أُخبر النبي أن الرجل قتل نفسه كبر النبي وقال : (( أشهد أني عبد الله ورسوله ثم أمر بلالاً فنادى في الناس أنه لن يدخل الجنة إلا نفسٌ مسلمة وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الكافر ))

    ثالثاً : حكم القتل الخطأ

    وقد بينه الله جل وعلا في سورة النساء بقوله :

    {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً } [النساء:92]

    فالحالة الأولى : أن يقع القتل على مؤمن أهله مؤمنون في دار الإسلام .

    وفي هذه الحالة يجب تحرير رقبة مؤمنة وديةٌ تسلمُ إلى أهل القتيل فأما تحرير الرقبة المؤمنة فهو تعويض للمجتمع المسلم عن قتل نفس بعنق نفس مؤمنة أخرى .

    وأما الدية فتسكين لثائرة نفوس أهل القتيل وشراٌْ لخواطرهم بعد ما فجعوا في قتيلهم وتعويض لهم عن بعض ما فقدوه إلا أن يصدَّقوا ويتنازلوا عن هذا الحق تسامحاً وتعاطفاً .

    الحالة الثانية : أن يقع القتل على مؤمن وأهله محاربون للإسلام في دار الحرب .

    وفي هذه الحالة يجب تحرير رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قتلت لكن لا يجوز دفع الدية لقوم القتيل المحاربين حتى لا يستعينوا بها على قتال المسلمين ، إذا لا مكان ولا مجال هنا لاسترضاء أهل القتيل لأنهم محاربون وأعداء للإسلام والمسلمين .

    أما الحالة الثالثة : فهي أن يقع القتل على مؤمن أو على غير مؤمن قومه معاهدون أي لهم عهد هدنة أو عهد ذمة .

    وفي هذه الحالة يجب أن تدفع الدية إلى أهله المعاهدين ولو لم يكن القتيل مؤمناً لأن عهدهم مع المؤمنين يجعل دماءهم مصونة كدماء المسلمين ويجب أيضاً على القاتل أن يعتق رقبة مؤمنة .

    هذه هي أحكام القتل الخطأ .

    وكان من الواجب عليّ أن أفصل الحديث في أحكام الدية ومقدارها ولكن لا يتسع الوقت لهذا فليراجعه من شاء في كتاب الجنايات والديات من كتب الفقه لعلمائنا الكرام جزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .

    وأخيراً : هل للقاتل المتعمد توبة ؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة فلقد روى البخاري عن سعيد بن جبير قال : اختلف أهل الكوفة فَرَحَلْتُ فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال هذه الآية { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ....... } هي آخر ما ترك وما نسخها شيء .

    وفي رواية النسائي يقول سعيد قرأت عليه آية الفرقان {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ } [الفرقان:68]

    قال هذه مكية نسختها آية مدنية .

    وذهب أهل السنة وما عليه المحققون من علماء السلف أن القاتل المتعمد إن تاب تاب الله عليه لأن الأخذ بظاهر آية النساء ومن يقتل مؤمنا متعمداً ليس بأولى من الأخذ بظاهر قوله تعالى { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ } [ هود : 114]

    وقوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } [ الشورى : 25]

    وقوله تعالى : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } [ النساء :48]

    ثم إن الجمع بين آية النساء وآية الفرقان ممكن فلا نسخ ولا تعارض وذلك بحمل الحكم المطلق في آية النساء على الحكم المقيد في آية الفرقان لا سيما وقد اتفقا في الحكم والسبب فيكون معناه : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [النساء:93]

    {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً } [ الفرقان : 70]

    وأما الأحاديث التي تذكر هذا أيضاً فهي كثيرة منها ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت وليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، فمن وفَىَّ منكم فأجره على الله ، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه ، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ))

    وكذلك حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً ، فسأل عن أعلم أهل الأرض ؟ فدٌل على راهب ، فأتاه ، فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفساً ، فهل له من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله ، فكمل به مائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض ؟ فدُل على رجل عالم ، فقال : إنه قتل مائة نفس ، فهل له من توبة ؟ فقال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا ، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك ، فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى إذا نصَفَ الطريق ، أتاه الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً ، مقبلا إلى الله ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط ، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم ، فقال : قيسوا مابين الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة ))

    وأخيراً قال علماؤنا من قتل مؤمناً متعمداً فتاب تاب الله عليه أما إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على الكفر بشؤم المعاصي

    {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [النساء:93]


    اللهم اغفر ذنبنا



    (نتابع شرح الجديث

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4108
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود اكل مال اليتيم

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء سبتمبر 12, 2012 9:41 pm

    4
    أكل مال اليتيم

    أحبتي في الله :

    هذا هو لقاءنا الخامس مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    (( اجتنبوا السبع الموبقات )) . قالوا : يا رسول الله وما هُنَّ ؟

    قال (( الشرك بالله ، والسحرُ وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكلُ مال اليتيم ، وأكلُ الربا ، والتولي يوم الزحف وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات )) .

    ونحن اليوم على موعد مع الكبيرة الرابعة في هذا الحديث ألا وهي أكل مال اليتيم ..

    ويا لها من كبيرة وقع فيها كثير من الناس نسأل الله السلامة والعافية . ونظراً لخطورة هذا الموضوع وطوله فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في العناصر التالية :

    أولاً : من هو اليتيم .

    ثانياً : مكانة اليتيم في القرآن والسنة وفضل كافله .

    ثالثاً : عاقبة من يأكل مال اليتيم .

    رابعاً : يُتم رغم وجود الوالدين .

    وأخيراً : كيف تؤمن مستقبل ولدك بعد موتك ؟!

    فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان .

    أولاً : من هو اليتيم ؟

    جاء في لسان العرب لابن منظور :

    أن اليتيم في الناس من فقد أباه وأن اليتيم في الحيوانات ، والطيور من فقد أمه .

    وهذه لطيفه لغوية دقيقة لها مغزى قَلَّ من ينتبه إليها .

    وأصل اليُتم في اللغة هو الغفلة وبه سمي اليتيم يتيماً لأنه يُتغَافل عن بره بعد موت أبيه .

    وأصله أيضاً الانفراد فكل شيء مفرد بغير نظيره فهو يتيم كما يقال درة يتيمة
    أي منفردة.

    ثانيا : مكانة اليتيم في القرآن والسنة وفضل كافله .

    لقد أولى القرآن الكريم عناية كبيرة باليتيم من الناحية النفسية والتربوية ، ومن الناحية المادية على السواء .

    مراعاة لظروفه النفسية بعد فقده لأبيه إذ قد يصيبه شيء من الذل والانكسار والوحشة لا سيما إن كان أبوه ممن امتثل قول الله عز وجل وعلا :

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم:6]

    ولقد ظهرت هذه العناية الكريمة باليتيم منذ الفترة الأولى لتنزل الوحي على قلب حبيبه الذي ولد يتيما فكان يُتْمُهُ تشريفاً لكل يتيم !!

    فهو اليتيم الذي أعاد البسمة والسعادة لليتامى على ظهر الأرض وها هو ربنا جل وعلا يمتنُّ على حبيبه المصطفى بهذه النعمة والمنة فيقول :

    { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى{6} وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى{7} وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى } [الضحى : 6-8]

    أي ولدت يتيما فآواك الله .

    وأحاطك بعنايته وحفظه وفضله .

    وكنت فقيرا فأغنى الله نفسك بالقناعة والرضي ، ثم أفاض عليك الرزق الطيب الحلال ، وكنت تائها تبحث عن الطريق في بيئة جاحدة ونفوس شاردة ، وهاجرة محرقة فهداك الله وطمأن قلبك وشرح صدرك ، ورفع ذكرك ، ووضع وزرك .

    ومن ثم بعد كل هذه النعم والمنن ، وبعد كل هذا الفضل والفيض يأتيه التوجيه الرباني الكريم :

    {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ{9} وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ{10} وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
    [الضحى : 9-11]

    ومن هذا المنطلق الكريم بالاهتمام بأمر اليتيم .

    يأمر الله جل وعلا بالمحافظة على أموال اليتامى ، وعدم تبديدها ، أو تبديلها بالخبيث أو المتاجرة بها فيما حرم الله عز وجل ، فإن هذه الأموال أمانة عند ولي اليتامى سيسأل عنها بين يدي الله جل وعلا . فيقول سبحانه :

    {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [النساء:2]

    ويقول سبحانه : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [الأنعام:152]ٍ

    وأوجب الله على ولي اليتامى أيضا : ألا يُسْرِف في الإنفاق منها وحذره من المبادرة والإسراع إلى أكلها قبل أن يكبر أصحابها من اليتامى ليأخذوها فإن هذا من أعظم الذنوب والآثام .

    وأوجب الله تعالى على ولي اليتامى إن كان غنيا أن يستعفف عن الأكل من أموال اليتامى وإن كان فقيرا فله أن يأكل بالمعروف من غير إسراف ، ولا تبذير وفي أضيق الحدود .

    وأوجب الله على ولي اليتامى أيضا أن يرد أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا النكاح ، أو مرحلة الرشد والنضج ، وأصبحوا قادرين على تصريف أمورهم وتدبير شئونهم والمحافظة على أموالهم .

    وأمره أن يُشْهِدَ عند دفع هذا المال إبراء للذمة ودرأ للشبهة .

    ورأى الشافعية والمالكية أن الأمر هنا للوجوب ورأى الحنفية أن الإشهاد مندوب وليس بواجب .

    فقال سبحانه : {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً } [النساء:6]

    ومن الآيات القرآنية التي تؤكد وتُرَسَّخ هذه المعاني قول الله عز وجل : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } [الإسراء:34]

    ويقول عز وجل : {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [النساء:2]

    ويقول عز وجل : {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً } [النساء:6]

    ويا لها من خاتمة جليلة { وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً } .

    فالله هو الرقيب عليكم الشهيد على أعمالكم ، وأقوالكم وأحوالكم يحاسبكم على ما أظهرتم وما أسررتم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون .

    وصدق الله إذ يقول :

    {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [الأنبياء:47]

    ومن بين هذه الآيات القرآنية الكريمة هذه الآية التي تكرم اليتامى أعظم تكريم حيث يربط الله جل وعلا أمر الإحسان إليهم بعد الأمر بتوحيده وعبادته عز وجل . فيقول سبحانه :

    {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } [النساء:36]

    ومع أن كل هذه الآيات السابقة تشتمل على اليتيم واليتيمة إلا أن الله جل وعلا قد خص اليتيمة أيضا بهاتين الآيتين زيادة في تأكيد حقها وتوضيحه فيقول سبحانه :

    {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} النساء3

    يقول سبحانه :

    {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}النساء127

    وفي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما أن عروة بن الزبير رضي الله عنه سأل عائشة رضي الله عنها عن الآية الأولى { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }النساء3

    فقالت عائشة رضي الله عنها : يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد ولُّيها أن يتزوجها بغير أن يُقسطَ في صَداقِها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره .

    فنُهوا أن ينكوحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سُنَّتهنَّ في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن .

    قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية ، فأنزل الله : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } [النساء:127]

    وفي صحيح البخاري ، ومسلم وغيرهما أن عروة بن الزبير سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى ..... الآية} [النساء:3]

    فقالت يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن .

    قاتلت عائشة فاستفتى الناس رسول الله بعد ذلك فأنزل الله تعالى : {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء ... الآية}

    فبين الله لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال ورغبوا في نكاحها ، ولم يُلحقوها بسُنَّها في إكمال الصداق .

    وإذا كانت مرغوبا عنها لقلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء .

    وقالت عائشة فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق ، ثم تأتي السنة ليقوم صاحبها صلى الله عليه وسلم الذي كان يتيماً تشريفاً لكل يتيم ، تأتي هي الأخرى لتكرم اليتيم تكريماً هو من الذروة بمكان .

    فوالله لو لم يرد في السنة إلا هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ، وأشار بالسبابة والوسطى ))

    لو لم يكن فيها إلا هذا الحديث لكفى .

    وفي لفظ مسلم : ((كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة ، وأشار بالسبابة والوسطى)) ، أي حتى وإن كان اليتيم أجنبياً عنه ولقد نقل الحافظ ابن حجر قول ابن بطال :

    حق على كل من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك.

    وفي الحديث الذي رواه أبو يعلي وغيره وقال عنه الحافظ ابن حجر في الفتح : إسناده لا بأس به ، من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أني أرى امرأة تبادرني [ أي تسرع لتدخل معي الجنة] فأقول لها مالك ، ومن أنت ؟! : فتقول : أنا امرأة قعدت على أيتام لي )).

    وفي الحديث الذي رواه النسائي بسند جيد من حديث شريح خويلد بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( اللهم إني أخرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة ))

    ومعنى أحرج أي ألحق الحرج والإثم الشديد على من ضيع حقهما ، وأكل مالهما فإني أحذر من ذلك تحذيرا بليغا ، وأزجر عنه زجرا كبيرا .

    وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال : (( رأى سعد أن له فضلا علي من دونه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( هل تنصرون وبرزقون إلا بضعفائكم ))

    رواه البخاري مرسلا ووصله الحافظ أبو بكر البرقاني في صحيحه وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    ((الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله ، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل )) .

    الله أكبر .... والأرملة هي المرأة التي مات زوجها .

    أي فضل هذا وأي أجر ؟!

    والله إنها التجارة الرابحة في الدنيا والآخرة .

    فهذه هي مكانة اليتيم في القرآن والسنة .

    ثالثا : عاقبة من يأكل مال اليتيم

    ومن ثم يأتي التحذير الرهيب والإنذار الرعيب الذي يفزع القلوب الحية ليبين عاقبة آكل مال اليتيم فيقول جل وعلا :

    {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء:10]

    الله أكبر ... إنها صورة مفزعة ... صورة النار في البطون ..... وصورة السعير في نهاية المطاف .

    وقد هزت هذه الآية قلوب الصحابة هزا عنيفا وملأتها بالخوف والرهبة ووقعوا في حرج شديد .

    كما قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية ، انطلق كل من كان عنده يتيم فعزل طعامه عن طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء أي يتبقى من أكل اليتيم فيحبس له ، ولا يأكله أحد حتى يأكله اليتيم ، أو يفسد .

    فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [البقرة:220]

    فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم .

    وهكذا رفع المنهج القرآني هذه الضمائر إلى الأفق الوضيء ، وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب .

    رابعا : يُتْمَّ رغم وجود الوالدين

    نعم فقد يكون الوالدين موجودين على قيد الحياة ، ومع ذلك فإنك ترى أطفالهم كأنهم في عداد الأيتام لانشغال الوالدين بالعمل أو بغيره إذ الوالد منهمك في عمله وتجارته لا يدري عن حال أولاده شيئا والمرأة منشغلة كذلك بالعمل ، أو بالأسواق ، أو بأحدث الموضات وتخلت عن تربيته للخادمات أو الحاضنات ، فينشأ الطفل كما لو كان يتيما !!!

    ورحم الله من قال :

    ليس اليتيم من انتهى أبواه.......من الحياة وخلفاه ذليلا
    إن اليتيم هو الذي تلقى له.......أُمَّا تخلت أو أَباً مشغولا


    نعم فاليُتم في أصل اللغة كما قال ابن منظور في لسان العرب :

    هو أيضا الانفراد فإذا أمسى الطفل بانفراده ووحدته رغم والديه فهو يَحُسُ باليتم .

    فالصبي أمانة عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة خالية من كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل ما نقش عليها .

    فإن عود الخير وربي على الإسلام ، سلم في الدنيا والآخرة ، وإن عود على الشر ، وربي على موائد اللئام شقى وخسر ، وكان الوزر على رأس والديه :

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم:6]

    وأخيراً : كيف تؤمن مستقبل ولدك بعد موتك ؟

    والجواب من الله تعالى {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } [النساء:9]

    فها هو عمر بن عبد العزيز يدخل عليه ابن عمه سلمة بن عبد الملك وهو على فراش الموت فقال : يا أمير المؤمنين إنك قد أقفرت أفواه ولدك من هذا المال !! فو أوصيت بهم إليَّ وإلى نظرائي من قومك فكفوك مئونتهم .

    فلما سمع مقالته قال : أجلسوني فأجلسوه .

    فقال : قد سمعت مقالتك يا مسلمة

    أما قولك : إني أقفرت أفواه ولدي من هذا المال فوالله ما ظلمتهم حقا هو لهم ، ولم أكن لأعطيهم شيئا لغيرهم .

    وأما ما قلت في الوصية : فإن من وصيي فيهم : {اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [الأعراف:196]

    وإنما ولد عمر بين أحد رجلين : إما رجل صالح فسيعينه الله ، وإما غير ذلك فلن أكون أول من أعانه بالمال آدع لي بَنيَّ فأتوه .

    فلما رآهم ترقرقت عيناه وقال : نفسي فتية تركتهم عالة لا شيء لهم وبكى ، يا بني إني قد ترك لكم خيراً كثيرا تمرون بأحد المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقا .

    يا بني إني قد مليت بين أمرين : إما أن تستغنوا وأدخل النار أو تفتقروا وأدخل الجنة فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إليّ .. قوموا عصمكم الله .. قوموا رزقكم الله ، وهذا لا يعارض أبدا الدخول في الأسباب ، فلا مانع على الإطلاق أن تسعى ، وأن تكدح شريطة ألا تضيع حق الله تعالى ثم حقوق أولادك من أجل أن توفر لهم السعادة في حياتك ، وبعد مماتك ، والأصل في ذلك

    ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : (( جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله ، إني قد بلغ بي الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا ، قلت : فالشَّطر يا رسول الله : قال : لا ، قلت : فالثلث ؟ قال : فالثلث والثلث كثير ثم قال : إنك إن تّذَر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس )


    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



    (5) أكل الربا

    أحبتي في الله ......

    هذا هو لقاءنا الخامس مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    (( اجتنبوا السبع الموبقات )) . قالوا : يا رسول الله وما هُنَّ ؟

    قال (( الشرك بالله ، والسحرُ وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكلُ مال اليتيم ، وأكلُ الربا ، والتولي يوم الزحف وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات )) .

    ونحن اليوم على موعد مع الكبيرة الرابعة ألا وهي أكل الربا وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم عن هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية :

    أولاً : حملة مرعبة على الربا في القرآن والسنة .

    ثانياً : فما هو الربا ؟

    ثالثا : الربا في الجاهلية .

    رابعاً : ربا البنوك أخبث من ربا الجاهلية .

    خامساً : بيوع ربوية محرمة .

    سادساً : فهل من توبة ، وما هو الحل ؟

    فأعيروني القلوب والأسماع فإن الموضوع جد خطير .

    أولاً : حملة مرعبة على الربا في القرآن والسنة .

    يقول الله عز وجل في سورة البقرة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :

    {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:275]

    أحبتي في الله :

    لقد أعلن القرآن حملة مفزعة وتهديدا مرعبا على النظام الربوي المقيت لأنه نظام يسحق البشرية – سحقا ، ويشقيها في حياتها أفرادا وجماعات ، ودولا وشعوبا ، لمصلحة حفنة من المرابين الكبار .

    وينتهي إلى تركيز السلطة الحقيقية والنفوذ العملي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق الله وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلاً ولا ذمة .

    وهؤلاء المرابين هم الذين يداينون الناس أفرادا كما يداينون الحكومات ، والشعوب في داخل بلادهم ، وفي خارجها .

    ومن ثم فهم لا يملكون المال وحده إنما يملكون من خلاله النفوذ والتحكم .

    والكارثة الخطيرة التي تمت في العصر الحديث هي أن هؤلاء المرابين قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة داخل أجهزة الحكم العالمية ، وبما يملكون من وسائل التوجيه والأعلام في الأرض كلها .

    استطاعوا أن يحفروا في عقول الكثيرين من البشر أن هذا النظام الربوي الخبيث هو النظام الذي لا يمكن أن تقوم قائمة للإقتصاد العالمي والداخلي إلا عليه .

    وأنه هو الأساس الصحيح للنمو الاقتصادي .

    وأن الذين يريدون إبطال هذا النظام جماعة من الخياليين .

    وأنهم يتحدثون عن نظريات أخلاقية مجردة وعن مثل خيالية لا رصيد لها من الواقع ليستروا عورات هذا النظام الكالح الطالح الذي يمحق سعادة البشرية محقا والذي حرمه الله ورسوله .

    وكيف يحرم الله ورسوله أمرا لا تقوم الحياة البشرية إلا به ؟!

    {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك:14]

    ومن ثم فالنظام الإسلامي ، والنظام الربوي لا يلتقيان في تصور ، ولا يلتقيان في أساس ، ولا يتوافقان في نتيجة ومن هنا كانت هذه الحملة المرعبة المفزعة على الربا في القرآن والسنة .ففي الحديث الذي رواه مسلم ، وأبو داود ، وابن ماجة ، والترمذي وغيرهم من حديث ابن مسعود ، وجاء عن عمر وعلي وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( لعن رسول الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ، وقال هم سواء ))

    وفي الحديث الذي رواه والبيهقي ، وابن ماجة ، والحاكم ، وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ومن حديث عبد الله بن مسعود أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ))

    وفي الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير ، وأحمد في مسنده ورجاله رجال الصحيح وصححه الألباني في صحيح الجامع

    عن عبد الله ابن حنظلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية ))

    وفي حديث سمرة بن جندب الطويل الذي رواه البخاري ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

    (( أنه آتاني الليلة آتيان ، وأنهما قالا لي انطلق فانطلقنا فأتينا على نهر من دم ، وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل وبين يديه حجارة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيغفر له فاه فيلقمة حجراً فينطلق يسبح ثم يرجع إليه ، كلما جاء ليخرج ، رماه الرجل على الشاطيء بحجر في فيه فيرجع كما كان ))

    هذا هو شر الربا .

    وهنا نخلص إلى العنصر الثالث لنتعرف على ربا الجاهلية .

    أولاً : ربا النسيئة (أي التأجيل)

    وهو أن يعطي الرجل ديناً لرجل آخر إلى أجل معلوم ، فإذا حل الأجل المحدد بينهما ولم يستطع المدين السداد أعطاه الدائن مهلة في مقابل الزيادة الربوية .

    يقول مجاهد : كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل دين فيقول : لك كذا ، وكذا (أي من الزيادة) وتؤخر عني فيؤخر عنه .

    يقول الإمام أبو بكر الجصاص في كفاية أحكام القرآن :

    إن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلا بزيادة مشروطة ، فكانت الزيادة بدلا من الأجل فأبطله الله تعالى .

    والربا في هذا النوع واضح بّيَّنْ تتوفر فيه كل العناصر الأساسية لكل عملية ربوية وهذه العناصر هي :

    أولا : الزيادة على أصل المال .

    ثانياً : الأجل والزمن الذي يحدد نسبة الزيادة على أصل المال ، أو الذي من أجله تعطى هذه الزيادة على قدر مكث هذا المال لدى الآخر .

    ثالثاً : الفائدة المشروطة المضمونة .

    وعليه فإن كلَّ من تعامل يشتمل على هذه العناصر الثلاثة فهو تعامل ربوي ، وإن تغير مسماه للتحايل على شرع الله ، وهذا النوع أبطله الإسلام وحرمه القرآن .

    ثانياً : ربا الفضل

    وهو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه مع الزيادة .

    وفي الصحيحين عن أبي سعيد ، وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاء بتمر جَنِيبٍ ( أي طيب) فقال رسول الله : (( أكُلَّ تمر خيبر هكذا ؟ فقال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعل بع الجمع (أي الرديء ، أو المجموع من أنواع مختلفة ) بالدراهم ثم اْبتَعْ بالدراهم جنيبا))

    وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد قال : (( جاء صاحب نخلة بصاع من تمر طيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنىَّ لك هذا ؟ قال انطلقت بصاعين فاشتريت به هذا الصاع ، فإن سعر هذا في السوق كذا ، وسعر هذا كذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك : أرْبّيْت إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة ، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت )) .

    وزاد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة توضيحا جليا فقال كما في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت : (( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح مثلا يدا بيد سواء بسواء ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي سواء )) .

    وفي رواية لمسلم : (( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد )) .

    وفي لفظ للبخاري (( لا تبيعوا بالذهب إلا سواء بسواء ، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة ، والفضة بالذهب كيف شئتم )) فالتبادل بين الذهب والفضة مثلا تبادل حر يمكن فيه التفاضل بشرط التناقد أي التقايض في المجلس الواحد ، وهكذا فعبارة مثلا بمثل يفهم منها أن تشترط الاتفاق في النوعية وعبارة يدا بيد تشترط التقايض في المجلس .

    وعبارة سواء بسواء تشترط التساوي في المقدار ، وعدم جواز الفضل .

    رابعاً : ربا البنوك

    لا شك أن وجود البنوك في العصر الحديث ضرورة تستوجبها الظروف الاجتماعية والاقتصادية ، والتجارة الخارجية .

    ولكن ليس بالضرورة أن يقوم هذا النظام البنكي على الربا بل يمكن الاستفادة منه في تيسير المنافع ، والخدمات التي يحتاج إليها الناس ضمن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة وفقا للتصور الإسلامي الموجود بالفعل ، للتخلص من هذا النظام الربوي ، والذي يمسك به دهاقنة اليهود في العالم الذين استطاعوا بالفعل أن يؤثروا على كثير من المسلمين، ومن العلماء للتفرقة بين الربا المحرم ، وبين ربا البنوك وبالفعل سميت المعاملات الربوية البنكية بأسماء بعيدة لإزاحة الشبهات المتعلقة بالربا كلفظ الفائدة ، أو العمولة ، أو العائد، أو السحب على المكشوف ، أو الحساب الجاري المدين ، أو سندات الخزينة التي تسمى بشهادات الاستثمار .... الخ .

    وظهرت الفتاوى بأنه يجب النظر إلى هذه البنوك على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان لا يتم معاشهم إلا بها فهي جائزة دفعا للحرج الواجب دفعه عملاً بنص القرآن :

    {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
    [ الحج : 78]

    فمصلحة الناس في الأصل أن لا تصادم هذه المصلحة نصا شرعيا وأن المرجع الأول في التشريع النقل ، وليس العقل .

    ومن المعروف لكل أحد أن النظام البنكي يقوم على فلسفة الفائدة وبالتالي فإن طبيعة الأعمال البنكية في الغالب ، وبصفة عامة لا تخرج عن دور الوساطة بين المودعين والمقترضين بفائدة مشروطة على الجميع ولكنها تزيد كثيرا في حالة الإقراض عنها في حالة الإيداع ، وهذا هو الربا بعينه .

    فلقد توفر فيه جميع العناصر الربوية التي ذكرناها آنفا .

    ولقد أصدرت المجامع الفقهية التي يجب أن يعتمد عليها لا على فتاوى الأفراد فالفرد يخطيء ويصيب .

    أصدرت هذه المجامع الفتاوى بحرمة فوائد البنوك ، وأنها بعينها هي الربا المحرم .

    كفتوى المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي لعام 1976م الذي حضره الكثرة من علماء الاقتصاد وقتها ، والشريعة على مستوى العالم وأجمع الجميع على اعتبار فوائد البنوك من الربا المحرم .

    وكفتوى مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة في أكتوبر لعام 1986

    وكفتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي لعام 1986م ، والتي قالت : بأنه يحرم على كل مسلم أن يتعامل مع البنوك الربوية من الداخل والخارج .

    وكفتوى دار الإفتاء المصرية بتاريخ 12 يناير لعام 1980 ، بأن إيداع الأموال في البنوك بفائدة محددة مقدما من الربا المحرم شرعا .

    وغيرها الكثير والكثير ، وإلى جوارها العديد من الفتاوى .

    وكفتوى إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة التي نصت على تحريم الفوائد الربوية ، والتعامل مطلقا مع أي بنك ربوي والفتوى برقم 2828

    وأما ما يعرف بالقرض الإنتاجي الإستهلاكي فقد أفتى مؤتمر علماء المسلمين المنعقد بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بأن الفائدة على أنواع القروض ربا حرام لا فرق بين ما يسمى بالقرض الإستهلاكي أو الإنتاجي .

    أما ما يسمى بسندات الخزينة أو شهادات الاستثمار فهي بدعة جديدة لتضليل الناس . وما هي في الحقيقة إلا قرض بزيادة مشروطة محددة في نظير الزمن ولا يمكن على الإطلاق أن يغير المسمى حقيقة الربا .

    فالعبرة في المعاملات بحقيقتها ، وليست بألفاظها وأسمائها ، فهذه الشهادات ذات القيمة المتزايدة وذات العائد الجاري ، أو الدولارية ، أو غيرها تجمع بين الربا والقمار المحرم ، بل وتجمع بين ربا النسيئة وربا الفضل . وجميع الشبه التي يحتجون بها على الجواز إنما هي شبه عرجاء ، وكل امريء بما كسب رهين .

    من البيوع المحرمة التي ابتلي بها كثير من الناس وأريد أن أنبه إليها ما يسمى (( بيع العينة )) .

    وهي قرض ربوي مستتر بمعنى أن يشتري الرجل السلعة سيارة مثلا بمائة ألف ثم يبيعها مرة أخرى إليه أي إلى البائع بخمسة وتسعين ألفا مثلا ولذا يسمى بيع العينة لأن عين السلعة تعود إلى البائع مرة أخرى ولا يتسع الوقت لذكر أنواع أخرى من البيوع ، ولكني أكتفي بهذا لكثرة ابتلاء الناس به والعياذ بالله .

    وأخيراً : فهل من توبة وما الحل ؟

    قال تعالى :

    {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [البقرة279]

    والحل هو الاستثمار والتجارة الحلال ، فإذا كنت لا تملك أن تستثمر مالك أو أن تتاجر فيه لا سيما إذا كنت مرتبط بعملك كطبيب ، أو مهندس ، أو مدرس ، أو غير ذلك .

    ونحن نعيش زمانا ضعف فيه الإيمان ، وخربت فيه الذمم ، وحُورب كثير من المشاركات الاقتصادية الإسلامية الخيرة فأمامك هذه الأفرع الإسلامية التي انتشرت الآن في بلاد المسلمين .

    فالحمد لله أن وجد بعض البنوك الإسلامية التي يشرف عليها مجموعة من العلماء أو ما يسمى بهيئة الرقابة الشرعية .

    ولا تكلف نفسك من الأمر ما لا تطيق بالسماع لكل من يشكك في كل ما هو إسلامي .

    فذاك مقصود لذاته ، ولا يمكن أبدا أن تقوم تجربة إسلامية في ظل هذه الظروف الربوية الرهيبة لتولد بنسبة مائة في المائة ، ولكن هذا من باب {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [التغابن:16]

    وبذلك تكون قد أعذرت إلى الله عز وجل وعلا ، ونسأل الله أن يطهر أموالنا .........



    (6) التولى يوم الزحف

    أحبتي في الله ......

    هذا هو لقاءنا السادس مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    (( اجتنبوا السبع الموبقات )) . قالوا : يا رسول الله وما هُنَّ ؟

    قال (( الشرك بالله ، والسحرُ وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكلُ مال اليتيم ، وأكلُ الربا ، والتولي يوم الزحف وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات )) .

    ونحن اليوم على موعد مع الكبيرة السادسة ألا وهي التولي يوم الزحف والتولي كما قال ابن منظور في لسان العرب في مادة ولى . وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في العناصر التالية :

    أولاً : المعنى اللغوي .

    ثانياً : تشريع الجهاد في الإسلام والهدف منه .

    ثالثاً : فضل الجهاد .

    رابعاً : وجوب الثبات أثناء الزحف .

    خامساً : التولي يوم الزحف كبيرة من الكبائر .

    وأخيراً : لا عزاء إلا بالجهاد .

    فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان .

    أولاً : المعنى اللغوي لقوله صلى الله عليه وسلم والتولي يوم الزحف .

    قال ابن منظور في لسان العرب في مادة ولى

    ولى الشيء ، وتولى أي أدبر ، ودنى عنه أي أعرض عنه ، وقد تكون التولية إقبالا كما في قوله تعالى :

    {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144]

    أي أقبل بوجهك نحوه .

    وقد تكون التولية إعراضا وانصرافا ، وإدبارا كما في قوله تعالى :

    {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } [التوبة:25]

    فالتولي يوم الزحف هو الإعراض والإدبار والفرار أمام العدو في ساحة الجهاد .

    جاء في لسان العرب لابن منظور في مادة ولى وزحف .

    إن التولي : هو الإدبار والإعراض والانصراف .

    والزحف هو الشيء رويدا أي ببطء فالجيش الزاحف هو الذي يرى كثرته كأنه يزحف ويمشي ببطء لأنه يتحرك ككتلة واحدة وكجسم واحد .

    وعليه فالتولي يوم الزحف : هو الإعراض والانصراف والإدبار والفرار أمام العدو من أرض المعركة .

    ثانياً : تشريع الجهاد في الإسلام والهدف منه .

    لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ، وأمره أن يدعو الناس جميعا لهذا الدين وخاطبه بقوله جل وعلا :{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:1-4]

    فقام النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الله أتم قيام وشمر عن ساعده ودعا إلى الله ليلا ونهارا وسراً وجهراً إلى أن نزل عليه قول الله عز وجل :

    {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } [الحجر:94]

    فصدع بأمر الله فدعا إلى الله الصغير والكبير ، والحر والعبد والذكر والأنثى والأحمر والأسود .

    فأبرقت قريش وأرعدت وأرغت وأزيدت ودقت طبول الحرب وأوعدت .

    فلما اشتد الإيذاء والبلاء أمر النبي أصحابه أن يهاجروا إلى أرض الحبشة مرتين .

    وتضاعف الإيذاء والابتلاء ومع هذا لم يأذن الله لرسوله بأن يقابل السيئة بالسيئة ، أو أن يواجه الأذى بالأذى ، أو أن يحارب هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله ، ويفتنوا المؤمنين والمؤمنات بل أمره بالعفو والصفح كما قال تعالى : {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [الطور:48]

    {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [الزخرف:89]

    {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } [الحجر:85]

    {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الجاثية:14]

    {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } [المؤمنون:96]

    وتتابع الأذى والاضطهاد حتى بلغ ذروته بتدبير مؤامرة حقيرة لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ، وأمر أصحابه بالهجرة إليها بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة المباركة .

    فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده بنصره بعبادة المؤمنين من الأنصار الأبرار والمهاجرين الأطهار ، وأَلََّفَ الله بين القلوب ، وبذلوا نفوسهم دونه ، وقدموا محبته على محبة الآباء ، والأبناء ، والأزواج والأموال .

    وهنا رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة ، والمحاربة ، وأحاطوا بهم من كل ناحية .

    وهنا أذن الله لمؤمنين في القتال ، ولم يفرضه عليهم دفاعا عن النفس ، وتأمينا للدعوة فقال تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ{39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ{40} الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [الحج :39-41]

    وفي السنة الثانية من الهجرة فرض الله القتال بقوله تعالى :

    {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [البقرة:216]

    وقال تعالى :

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ{10} تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{11} يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{12} وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ{13} } [الصف :10-13]

    والله إنها لتجارة رابحة ، ولم لا ؟! وقد علق الله عليها مغفرة الذنوب ، والنصر في الدنيا والنجاة من النار والفوز بالجنة في الآخرة .

    وبعد هذه التجارة الرابحة يأتي هذا العقد الجليل والوعد الكريم الذي أودعه الله جل وعلا أفضل كتبه المنزلة وهي التوراة والإنجيل ، والقرآن ويا له والله من عقد ما أعظم خطره ، وأجل قدره فالله جل وعلا هو المشتري والثمن جنات النعيم .

    أما السلعة فهي الجهاد في سبيل الله ، بالأنفس والأموال .

    فلما رأى التجار عظمة المشتري ، وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد
    التبايع على يديه ، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن للسلعة قدرا
    وشأنا ، ليس لغيرها من السلع فرأوا أن من الخسران الكبير أن يبيعوها بثمن بخس
    دراهم معدودة .

    فعقدوا مع المشتري بيعة الرضا والرضوان .

    فقال سبحانه : {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة:111]

    فلما تم العقد وسلم الفائزون المفلحون السلعة الغالية أي أنفسهم وأموالهم قيل لهم : قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا ، والآن قد رددناها عليكم أوفر وأكرم وأعظم ما كانت فقال سبحانه :

    {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }[آل عمران:169]

    ثم بين إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين شرف الجهاد وفضله فقال كما في الحديث الذي رواه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة )) .

    وفي حديث أبي سعيد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد : (( من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولاً وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها علي يا رسول الله ففعل ، ثم قال رسول الله : وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، قال : وما هي يا رسول الله ، قال : الجهاد في سبيل الله ))

    وفي الحديث الذي رواه البخاري وأحمد من حديث أبي عبس عبد الرحمن بن صير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من أغَبَّرتْ قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار ))

    وعن محمد بن المنكدر قال : مر سلمان الفارسي على شرحبيل بن السمط وهو في مرابط له ، وقد شق المقام عليه ، وعلى أكثر الصحابة فقال لهم سلمان : ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

    قالوا : بلى .

    قال سمعته يقول : (( رباط يوم وليلة في سبيل الله أفضل – أو قال : خير – من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عَمَلُهُ الذي كان يعملُهُ ، وأُجرِيَ عليه رزقُهُو وأَمِنَ الفتَّانَ ))

    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ أحد في سبيل الله – والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله – إلا جاء يوم القيامة اللَوْنُ لَوْنُ الدم والرَّيحُ ريح المسْك))

    وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن أرواح الشهداء في جوف طير خُضر ، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى ملك القناديل ، فاطَّلعَ إليهم ربُّهُمُ اطَّلاعةً فقال : هل تشتهون شيئاً ؟ فقالوا : أي شيء نشتهي ؟ ونحن نَسْرَحُ من الجنة حيث شئنا . ففعل ذلك ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يُتْرَكُوا من أن يُسأَلوُا قالوا : يارب ! أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا ))

    ولذلك قال النبي لجابر بن عبد الله : (( ألا أخبرك ما قاله الله لأبيك )) قال بلى ، قال : (( ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب ، وكلم أباك كفاحا )) فقال : يا عبدي تمن علي أعطك ، قال يارب تحييني فأقتل فيك ثانية ، فقال : إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ، قال : يارب فأبغ من ورائي ، فأنزل الله تعالى : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران:169]

    ومن أجل هذا كله ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق ))

    وأكتفي بهذا القدر من الأحاديث وإلا فهي كثيرة .

    وأختم بهذه الأبيات المعبرة التي تبين شرف الجهاد وفضله .

    والتي أرسل بها الإمام المجاهد العلم عبد الله بن المبارك لأخيه القانت الزاهد الورع عابد الحرمين الفضيل بن عياض يذكره فيها بشرف الجهاد في سبيل الله فيقول :

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنا.......لعلمت أنك في العبادة تلعب
    من كان يخضبُ خده بدموعه.......فنحورنا بدمائنا تتخضب
    أو كان يتعب خيله في باطل.......فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
    ريح العبير لكم ونحن عبيرنا.......وهج السنابك والغبار الأطيب
    ولقد أتانا من مقال نبينا.......قول صحيح صادق لا يكذب
    لا يستوي غبار خيل الله في.......أنف امريء ودخان نار تلهب
    هذا كتاب الله ينطق بيننا.......ليس الشهيد بميت لا يكذب


    رابعاً : وجوب الثبات في الجهاد

    ولما كان هذا هو شرف الجهاد وفضله أمر الله جل وعلا بالثبات أثناء الزحف للقاء الكفار والمشركين .

    لأن قلب المؤمن ينبغي أن يكون راسخاً ثابتاً لا تهزمه في الأرض قوة ما دام موصولا بالله القوي العزيز : {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }[يوسف:21]

    ويجب أن يكون هذا القلبُ كذلك على يقين أن الآجال بيد الله وأن واهب الحياة هو الله ، وأنه إلى الله إن عاش حياً إلى الله إن كتبت له الشهادة ، ومن ثم جاء هذا الأمر الرباني الكريم بالثبات والصبر والذكر ، والذل لله والطاعة وعدم الكبر ، وعدم التنازع فقال سبحانه :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ{45} وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{46} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال :45-47]

    فهذه هي العوامل الحقيقية للنصر :

    · الثبات عند لقاء العدو .

    · كثرة الذكر لله عز وجل .

    · الطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم

    · البعد عن النزاع والخلاف .

    · الصبر على تكاليف المعركة .

    · الحذر من البطر والرئاء والبغي .

    واستحباب الصحبُ الكرام الذين رباهم سيد الأنام عليه الصلاة والسلام لهذا الأمر الرباني الكريم وضربوا أروع الأمثلة في الثبات في ساحة الوغي وميدان ا

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4108
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود ما قبلة

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأربعاء سبتمبر 12, 2012 9:58 pm

    ما قبلة ..

    واستحباب الصحبُ الكرام الذين رباهم سيد الأنام عليه الصلاة والسلام لهذا الأمر الرباني الكريم وضربوا أروع الأمثلة في الثبات في ساحة الوغي وميدان البطولة والشرف حينما تصمت الألسنة الطويلة ، وتخطب السيوف والرماح على منابر الرقاب ، وأكتفي بهذا المشهد الكريم لأنس بن النضر الذي صرخ في الناس يوم أحد لما أشيع الخبر بأن رسول الله قد مات ، وبدأ الجيش ينسحب راجعا إلى المدينة معتقدا أن أمر هذا الدين قد انتهى .

    قام أنس ليقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين .

    ثن تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال : أين يا أبا عمرو فقال أنس : واهاً لريح الجنة يا سعد ، إني أجده دون أحد ، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورميته بسهم !! والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أنس

    خامساً : التولي يوم الزحف كبيرة من الكبائر

    وبعد هذا الأمر بالثبات يأتي الأمر بعدم الفرار إلا في حالتين اثنتين وإلا فإن الفرار من أرض المعركة كبيرة من كبائر الذنوب تستحق غضب الله ونار جهنم والعياذ بالله .

    فقال سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ{15} وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال : 16،15]

    والتحرف : هو ترك الموقف أو المكان إلى موقف أو مكان أصلح أو أفضل للانطلاق منه على العدو مرة أخرى وهذا من خُدع الحرب ومكائدها .

    والتحيز : هو الانضمام إلى فئة أخري لمعاونتهم أو لطلب العون منهم .

    وهكذا دلت الآية على أن من فر من موقع إلى موقع آخر لمعاودة القتال أو مريداً إلى فئة أخرى من المسلمين فإنه لا يكون داخلا في هذا الوعيد الشديد اللاحق بالفارين من الزحف .

    وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الفرار من الزحف ليس كبيرة من الكبائر .

    واحتجوا لذلك بأن الآية نزلت في أهل بدر خاصة .

    وزعم بعضهم أن الآية منسوخة بقوله تعالى :

    {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال :66]

    فأجاز هؤلاء الفرار إذا زاد عدد الأعداء عن الضعف .

    ولكن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى أن محكمة عامة كما يقول الإمام ابن جرير الطبري رحمة الله تعالى :

    وأولى التأولين عندي قول من قال : حكم الآية محكم ، وأنها نزلت في أهل بدر وحكمها ثابت في جميع المؤمنين .

    وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الأدبار منهزمين إلا لتحرف لقتال ، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام .

    وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف للقتال منهزما بغير نية إحدى هاتين الخصلتين اللتين أباح الله التولية بهما ، فقد استوجب من الله وعيده إلا أن يتفضل عليه بعفوه .

    وذكر الحافظ ابن كثير بأن الآية نزلت في أهل بدر ، ولكن هذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراماً على غير أهل بدر ، وإن كان سبب نزولها فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير .

    وأخيراً : لا عزاء إلا بالجهاد .

    والله ما ضعفت الأمة وذلت وهانت إلا يوم أن ضيعت الجهاد الذي أمرها به لتعيش حميدة أو لتلقى الله شهيدة سعيدة .

    والله ما ضاعت الأمة إلا يوم أن ضيعت الجهاد الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم ذروة سنام هذا الدين.

    وقد حرص أعداؤنا على أن يحولوا بين الأمة وبين الجهاد !!

    وحاولوا بشتى الطرق على ألا نربي الأجيال المسلمة على روح الجهاد ، ولا على سير الأبطال المجاهدين لتظل الأمة ذليلة كسيرة مبعثرة كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة .

    وبالفعل لقد تضاءل كثيراً مفهوم الجهاد في حس المسلمين يوما بعد يوم حتى صارت الدعوة إلى الجهاد تقابل بشيء من الفتور البارد الشديد .

    بل لا أكون مغاليا إن قلت حتى صارت الدعوة إلى الجهاد تقابل بشيء من الإنكار الشديد .

    والحمد لله فقد أثبتت الأيام عمليا أن مجلس الأمن وهيئة الأمم وجميع المحافل لن تعيد للأمة المكلومة حقوقها ، ولن تعيد لمن يذبحون تذبيح الخراف دماءهم ، ولن ترد لهذه الأمة هويتها وكرامتها وسيادتها .

    بل لا سبيل لذلك على الإطلاق إلا باحياء روح الجهاد في الأمة بتخليص النفوس ابتداء من الركون إلى هذا الوحل ، والخلود إلى هذا التراب والطين .

    وقد شخص النبي صلى الله عليه وسلم الداء تشخيصا دقيقا وحدد الدواء كذلك تحديدا دقيقا ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره من حديث ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها )) فقال قائل : من قلة نحن يومئذ ؟ قال : (( بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن )) قيل : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : (( حب الدنيا وكراهية الموت ))

    وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ، وأبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : (( إذا تبايعتم بالعينة ، ورضيتم بالزرع وتبعتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد في سبيل الله سَّلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ))

    أسأل الله العظيم أن يرفع علم الجهاد ، ويقمع أهل الزيغ والفساد وإنه ولي ذلك والقادر عليه




    (7) قذف المحصنات الغافلات المؤمنات

    أحبتي في الله ......

    هذا هو لقاءنا الأخير مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اجتنبوا السبع الموبقات )) . قالوا : يا رسول الله وما هُنَّ ؟

    قال ((الشرك بالله، والسحرُ وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ مال اليتيم، وأكلُ الربا، والتولي يوم الزحف وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات)).

    ونحن اليوم على موعد مع الكبيرة الأخيرة ألا وهي

    قذف المحصنات الغافلات المؤمنات

    وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في العناصر التالية.

    أولاً : المعنى اللغوي.

    ثانياً : شروط القذف وبما يثبت؟

    ثالثاً : حكم القذف وعقوبته في الدنيا والآخرة.

    رابعاً : نموذج من القذف البشع.

    وأخيراً : صور مشرقة.

    فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان .

    أولاً : المعنى اللغوي.

    جاء في لسان العرب لابن منظور :

    القذف هو : الرمي والسَّب

    ومعناه هنا : رمي المرأة بالزنا أو ما كان في معناه .

    والمحصنات : جمع محصنة وهي المرأة المتزوجة .

    والُمحْنَةُ ، والُحْصِنةُ كذلك : هي المرأة العفيفة البعيدة عن الريبة والشك .

    والغافلات : من الغفلة ، وهي الترك والسهو .

    والغافلات: هن البريئات الطوايا المطمئنات النفس لأنهن لم يفعلن شيئا يحذرونه، ويخفن منه.

    ثانياً : شروط القذف وبما يثبت .

    إن القذف لا يصبح جريمة تستحق الجلد إلا بشروط منها ما يجب توفره في القاذف ومنها ما يجب توفره في المقذوف ، ومنها ما يجب توفره في الشيء المقذوف به.



    الشروط التي يجب توفرها في القاذف وهي :

    *: العقل والبلوغ والاختيار .

    وهذه الشروط هي أصل التكليف فإذا كان القاذف مجنوناً أو صغيراً أو مُكْرها فلا حد عليه . لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والحاكم وغيرهم من حديث عليّ وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( رُفِعَ القلمُ عن ثلاث ، عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ))

    وفي لفظ ((عن المعتوه حتى يعقل)) ([1])

    ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الطبري عن ثوبان وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((رُفِعَ)) ، وفي لفظ ((وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه .))

    الشروط التي يجب توفرها في المقذوف وهي :

    · العقل

    · البلوغ (أيضاً) فلا يحد من قذف الصغير أو الصغيرة ، ولكن الإمام مالك رحمه الله يقول : إذا قذف بنتا قبل البلوغ ولكنها من الممكن أن يزنى بها والعياذ بها ، فإنه يستحق الحد لأنه قد يفسد عليها مستقبلها ويؤذي أهلها .

    ولكن جمهور العلماء قالوا يَزر ، ولا حد عليه

    · الإسلام : أي أن يكون المقذوف مسلماً

    · العفة : أي يكون المقذوف عفيفاً بريئاً من فعل الفاحشة التي رمي بها .

    · الحرية : أي أن يكون المقذوف حراً وإن كان قذف الحر للعبد محرماً .

    لما رواه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنه صلى الله عليه وسلم قال :

    ((من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قاتل ))

    ولما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ، وهذا لفظ البخاري في كتاب الحدود أنه صلى الله عليه وسلم قال :

    (( من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جُلِدَ يوم القيامة إلا أن يكون كما قال ))

    الشروط التي يجب توفرها في المقذوف به وهي :

    التصريح بالزنا أو التعريض الظاهر الذي يفهم منه القذف ويستوي في ذلك القول والكتابة.

    ويثبت حد القذف بأحد أمرين

    * إما بإقرار القاذف نفسه .

    * أو بشهادة الشهود عليه .

    ثالثاً : حكم القذف وعقوبته في الدنيا والآخرة .

    أحبتي في الله :

    إن الإسلام منهج حياة متكامل لا يقوم أساسا على العقوبة ، إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة ، وتحقيق الضمانات والوقاية .

    ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة والضمانات الأمنية ليتمرغ في أحوال المعصية طائعاً مختاراً أو غير مضطر

    ومن ثم يشدد الإسلام في عقوبة القذف جزافا هذا التشديد ويتوعد عليها بأشد الوعيد ، لأن ترك الألسنة تلقي التهم جزافا بدون بينة أو دليل بترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقذف بتلك التهمة النكراء ، ثم يمضي آمنا مطمئنا فتصبح الجماعة وتمسي ، وإذا أعراضها مجرحة وسمعتها ملوثة

    وإذا كل فرد فيها متهم ومهدد بالاتهام !!

    وإذا كل زوج فيها يشك في زوجه !!

    وكل رجل فيها يشك في أصله !!

    وكل بيت فيها مهدد بالانهيار !!

    وهي حالة من الشك ، والقلق والريبة لا تطاق !!

    ومن هنا ..... صيانة للأعراض وحماية للمجتمع ، شدد الإسلام في عقوبة القذف .

    وأوجب عل القاذف إذا لم يقم البنية ثلاثة أحكام وهي :

    الأول : أن يجلد ثمانين جلدة .

    الثاني : أن ترد شهادته أبدا .

    الثالث : أن يصبح فاسقاً ليس بعدل لا عند الله ولا عن الناس وهذا كلام متفق عليه بين العلماء ، ما لم يتب القاذف إلى الله جل وعلا .

    وهذه الأحكام الثلاثة نصت عليها آية محكمة واحدة من سورة النور قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{4} إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور 5،4] .

    أخرج أحمد وعبد الرزاق وأبو داود ، وابن جرير ، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

    لما نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة سيد الأنصار رضي الله عنه أهكذا أنزلت
    يا رسول الله ؟!

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    ((يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقوله سيدكم ؟))

    فقالوا : يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور ، والله ما تزوج امرأة قط إلا لكرا ، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منَّا على أن يتزوجها من شدة غيرته .

    فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني لأعلم أنها الحق، وأنها من الله ، ولكني تعجبت أني لو وجدت (لُكاعّا) – أي امرأة – قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى يأتي بأربعة شهداء فوالله لا آتي بهم إلا وقد قضى حاجته ))

    وفي رواية البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال :

    (( لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ، فبلغ ذلك رسول الله فقال: أتعجبون من غيرة سعد ؟ والله لأنا أغير منه والله أغير مني ، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ))

    وبالفعل لم يلبثوا إلا يسيرا ، وقد وقع ما ذكره سعد بن عبادة رضي الله عنه .

    ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ، وأحمد من غيرهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال :

    فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشاءً فوجد عند امرأته رجلا يزني بها يقال له شريك بن سحماء فرأى هلال بن أمية بعينيه ، وسمع بإذنيه فلم يهيجه، حتى أصبح فغدا على رسول الله فقال : يا رسول الله ، إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني !!

    فكره رسول الله ما جاء واشتد عليه واجتمعت عليه الأنصار ، وقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة .

    وهكذا أيها الأحبة قذف هلال بن أمية زوجته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سمحاء .

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( البينة أو حد ظهرك )).

    فقال هلال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة ؟

    فجعل النبي يقول : (( البينة ، أو حد ظهرك ))

    فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبريء ظهري من الحدِّ! يقول ابن عباس : فوالله إن رسول الله يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسوله الوحي، وكان إذا نزل الوحي عرفوا ذلك فأمسكوا حتى فرغ من الوحي .

    فنزل قول الله تعالى :{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ{6} وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ{7} عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ{8} وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ{9} وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } [النور: 6-10].

    فَسُرِّيَ عن رسول الله وقال :

    ((أبشر يا هلال فلقد جعل الله لك فرجا ومخرجا)) فقال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل فقال رسول الله : ((أرسلوا إليها )) فجاءت .

    فتلا النبي صلى الله عليه وسلم عليهما الآيات فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا .

    فقال هلال : والله يا رسول الله لقد صدقت .

    فقالت زوجته : كذب

    فقال رسول الله : (( لاعنوا بينهما ))

    فقيل لهلال : اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين .

    فلما كانت الخامسة : قيل يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة عليك العذاب .

    فقال هلال : والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها .

    فشهد في الخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين .

    ثم قيل للمرأة إشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين .

    وقيل لها عند الخامسة : اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة عليك العذابك .

    فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف .

    ثم قالت : والله لا أفضح قومي .

    فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين !! .

    فَفَرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى بأن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها .

    ثم قال رسول الله: ((إن جاءت به (أي ولدها) أكحلُ العينين سابغ الألْيَتَيْن خَدَلَّج الساقين فهو لشريك بن سحماء))

    فجاءت به كذلك .

    فقال رسول الله : (( لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ))

    وثبت أيضاً في الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي أن آيات اللعان نزلت في عُويمر العجلاني .

    ويتبين لنا أيها الأحبة أن اللعان بمنزلة البينة للرجل الذي رأى مع امرأته رجلاً ولا يمكنه أن يأتي بالبينة .

    ويترتب على اللعان الأحكام التالية :

    أولاً : الفرقة بين الرجل وزوجته .

    ثانياً : تحرم عليه تحريماً أبدياً .

    ثالثاً : ينتفي عنه النسب فلا ينسب الولد إليه .

    رابعاً : يسقط عنه حد القذف .

    خامساً : وجب على المرأة الرجم .

    فإذا لا عنت الزوجة أيضاً وشهدت أربع شهادات بالله أن زوجها لمن الكاذبين ثم قالت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان زوجها من الصادقين فيما رماها به .

    فإنه لا يتعلق بلعانها إلا حكم واحد وهو سقوط الحد عنها .

    هذا هو حكم القذف . وهذه هي عقوبة القاذف في الدنيا .

    أما عقوبته في الآخرة فإنها والله لقاسية يقول الله عز وجل :

    {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{23} يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{24} يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور : 23-25]

    رابعاً : نموذج من القذف البشع

    من هذه النماذج البشعة ما حدث للطاهرة العفيفة .. الحصان الرزان الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها !!

    وتعالوا بنا أيها الأحباب نستمع إلى القصة كما ترويها أمنا أم المؤمنين عائشة تقول رضي الله عنها وأرضاها :

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه .قالت : فأقرع بيننا في غزاة غزاها ، فخرج سهمي فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه .

    فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار وفي رواية : جزع أظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه .

    وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوا على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلن ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا .

    فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت. وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني .

    وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهه بجلبابي والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه .

    وهوى حتى أناخ راحلته فوطيء عليها يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش قالت : فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول.

    والحديث بطوله رواه البخاري ومسلم وغيرهما .

    وفي بعض الروايات أن عبد الله بن أبي سلول لما رأى صفوان بن المعطل رضي الله عنه جاء مقبلاً يجر الراحلة بهودج أم المؤمنين رضي الله عنها .

    قال رأس النفاق : من هذا ؟

    قالوا : أم المؤمنين عائشة ،

    فقال رأس النفاق : والله ما نجت منه ولا نجا منها !!

    ثم قال – وبئس ما قال – امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها .

    يا لها من قولة خبيثة .. يا لها من قولة شديدة آثمة وطير المنافق هذه القولة وتناولتها عصابات النفاق .. وسقط في الهاوية بعض المسلمين ولاكت ألسنتهم هذه الفرية المرعبة!!

    وماجت المدينة المطهرة بهذا الخبر الأليم شهراً كاملا!!

    الله أكبر ... رسول الله يرمى في طهارة فراشه وهو الطاهر الذي فاضت طهارته على العالمين !!

    رسول الله يرمى في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة الحرمات في أمته!!

    ها هو رسول الله يرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة !!

    يرمى في فراشه !! يرمى في شرفه !! يرمى في قلبه !! يرمى في رسالته !!

    ولحكمة يعلمها اللطيف الخبير العليم يدع الله هذا الأمر شهراً كاملاً لا تنزل فيه آية على رسول الله صلى الله عليه وسلم !!

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتألم آلاماً تنوء الجبال الراسيات بحملها .

    وها هي عائشة الصديقة ترمى في أعز ما تعتز به أي امرأة !!

    ترمى في شرفها وهي التي ترتبت في العش الطاهر الرفيع !!

    ترمى في إيمانها وهي الزهرة التي تفتحت في حقل الإسلام وبستان الوحي !! وعلى
    يد مَنْ؟!

    على يد سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم .

    وها هو أبو بكر الصديق يحطمه الألم وهو يرمى في عرضه !!

    وفي من ؟! في ابنته زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه وحبيبه ونبيه ورسوله الذي آمن به وصدقه.

    ولكنه الصابر المحتسب القوي على آلامه وجراحه .

    فيقول بمرارة مريرة :

    والله ما رمينا بهذا في الجاهلية أفنرمى به في الإسلام !!

    وها هو الصحابي الجليل الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله صفوان بن المعطل يرمى بخيانة نبيه في زوجه !!

    فيرمى بذلك في إسلامه وفي أمانته وفي شرفه !!

    الله أكبر ... إنها خطورة الكلمة !!

    ونعود إلى أمنا أم المؤمنين الصديقة الطاهرة الشريفة العفيفة عائشة رضي الله عنها عندما علمت أن الناس تلكموا غيها وفي عرضها

    تقول : فقلت : سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا ؟! أي بالإفك .

    قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي

    فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استبلث الوحي يشيرهما في فراق أهله .

    قالت : فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم

    فقال أسامة : هم أهلك يا رسول الله ولا نعلمن والله إلا خيراً .

    وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير

    قالت : وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أظن أن البكاء فالق كبدي .

    قالت فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي .

    فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس .

    قالت : ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل ؟

    وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء .

    قالت فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال :

    ((أما بعد يا عائشة إنه قد بلغني عنك كذا كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله – عز وجل – وإن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إن أذنب واعترف بذنبه وتاب إلى الله ، تاب الله عليه ))

    فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس عنه قطرة فقلت لأبي أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال !!

    قال : والله يا ابنتي ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

    فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله فيما قال .

    قالت : والله يا ابنتي ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

    قالت : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن

    فقلت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما تحدث الناس به حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به لئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم إني بريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترف لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني فوالله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال :

    {وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } [يوسف/18] .

    ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببرائتي .

    ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحياً يتلى ، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم الله بالقرآن في أمري .

    ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله
    ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه .

    قالت فَسُرِّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك وكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : يا عائشة احمدي الله .

    ومن الرواة من قال : أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك

    فقالت لي أمي : قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    فقلت : لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي فأنزل الله عز وجل.{إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ{11} لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ{12} لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ{13} وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ{14} إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ{15} وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ{16} يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{17} وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{18} إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }[ النور / 11- 19] .

    في مقابل هذه الصورة القاتمة البشعة (صورة الإفك) نرى هذه الصورة المشرقة الوضيئة.

    إنه الفتى الذي لم يجاوز العاشرة من عمره إلا قليلاً .

    إنه عمير بن سعد الذي مات أبوه وتزوجت أمه برجل ثري يقال له : الجلاس بن سويد الذي أحب عميراً حباً شديداً .

    وفي السنة التاسعة للهجرة أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يستعدوا ويتجهزوا لغزوة تبوك وتسابق المؤمنون الصادقون وتكاسل المنافقون وذهب الفتى المؤمن عمير بن سعد ليقص على الجلاس ما رأى وما سمع من المؤمنين الصادقين الذين راحوا يبذلون كل ما يملكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وإذ بالجلاس ينطق بعبارة تخرجه من الإسلام دفعة واحدة وتدخله في الكفر من أوسع أبوابه فلقد قال الجلاس لعمير : إن كان محمد صادقاً فيما يدعيه فنحن شر من الحمير !!!

    فالتفت الفتى المؤمن عمير بن سعد إلى الجلاس وقال :

    والله ما كان على ظهر الأرض أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ منك فأنت آثر الناس عندي وأجلهم على ولقد قلت مقالة إن ذكرتها فضحتك وإن أخفيتها خُنْتُ أمانتي وأهلكت نفسي وديني وقد عزمت على أن أمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قلت فكن على بينة من أمرك . ومشى عمير بن سعد وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سمع من الجلاس بن سويد . فاستبقاه الرسول صلى الله عليه وسلم عنده وأرسل أحد أصحابه ليدعو له الجلاس فجاء الجلاس وحيا النبي صلى الله عليه وسلم وجلس بين يديه .

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما مقالة سمعها منك عمير بن سعد ؟!

    وذكر له النبي ما قال . فقال الجلاس : كذب على يا رسول الله وافترى !! فما تفوهت بشيء من ذلك وإني أحلف بالله أني ما قلت شيئا مما نقله لك عمير !! والتفت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عمير فرأى وجهه وقد احتقن بالدم والدموع تنحدر مدراراً من عينيه فتتساقط على خديه وصدره ، وهو يقول : اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به واستجاب الله دعوة هذا الفتى المؤمن فغشيت رسول الله السكينة فعرفوا أنه الوحي فلزموا أماكنهم وسكنت جوارحهم ولاذوا بالصمت ، وتعلقت أبصارهم بالنبي صلى الله عليه وسلم يتلو قول الله عز وجل :

    {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}[التوبة:74]

    فارتعد الجلاس من هول ما سمع ، وظل يصرخ : بل أتوب يا رسول الله !! بل أتوب يا رسول الله !! صدق عمير يا رسول الله وكنت من الكاذبين !!

    وهنا توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الفتى البار .... إلى الفتى الصادق عمير بن سعد ودموع الفرح تبلل وجهه المشرق بنور الإيمان ، فمد الرسول الكريم يده الشريفة إلى أذن عمير وأمسكها برفق وقال : وفت أذنك ما سمعت وصدقك ربك يا عمير

    أسأل الله جل وعلا أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.




    شرح الحديث منقول

    أسألكم الدعاء

    صلاح منصور

    عدد المساهمات : 11
    تاريخ التسجيل : 01/03/2010

    محمد عبد الموجود رد: شرح حديث (اجتنبوا السبع الموبقات)

    مُساهمة من طرف صلاح منصور في السبت سبتمبر 15, 2012 10:42 pm

    بارك الله فيك على هذا النقل الممتع افدتنا كثيراً افادك الله

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يناير 24, 2017 2:06 pm