آل راشد

آل راشد

ثقافى-اجتماعى

المواضيع الأخيرة

» إحــــــــر ا م الـــقـــــلـــب
الإثنين أغسطس 13, 2018 3:23 pm من طرف sadekalnour

» وقفات مع حجة النبي صلى الله عليه وسلم .. أو أشدَّ ذكراً .. الدعاء في الحج ..أدعية وأذكار ..الحج موسم للدعوة ..
الأحد أغسطس 12, 2018 4:29 pm من طرف sadekalnour

» آداب الحج .. أسرار ومقاصد الحج .. الصحبة في الحج .. لبيك لا شريك لك .. كيف يكون حجك مبروراً؟
الأحد أغسطس 12, 2018 4:14 pm من طرف sadekalnour

» كيف يحج هؤلاء .. حج المرأه .. حج المَدِين .. حج الصبي .. الحج عن الغير
الأحد أغسطس 12, 2018 3:39 pm من طرف sadekalnour

» اداب السنة فى البناء بالزوجة خطوة خطوة
الثلاثاء مايو 29, 2018 11:32 pm من طرف sadekalnour

» رمضان المناخ المناسب لتربية قلوب أبنائنا
الإثنين مايو 28, 2018 11:51 pm من طرف sadekalnour

» نفحات ربانية
الإثنين مايو 21, 2018 5:47 pm من طرف sadekalnour

» رمضان.. نفحاتٌ إلهية وأسرارٌ ربانية.
الإثنين مايو 21, 2018 5:32 pm من طرف sadekalnour

» خمس عشرة وصية لاستقبال شهر رمضان
الخميس مايو 17, 2018 11:44 pm من طرف sadekalnour

» لماذا كانوا يفرحون بقدوم رمضان؟
الخميس مايو 17, 2018 11:38 pm من طرف sadekalnour

اهلا بكم

الثلاثاء نوفمبر 08, 2011 2:32 am من طرف محمد ع موجود



المتواجدون الآن ؟

ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 34 بتاريخ السبت نوفمبر 05, 2011 12:10 pm

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 8400 مساهمة في هذا المنتدى في 2858 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 216 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو moha12 فمرحباً به.

دخول

لقد نسيت كلمة السر

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


    انتصارات رمضان

    شاطر
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود انتصارات رمضان

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت يوليو 21, 2012 12:24 am

    اعرف تاريخ اسلافك الذين أتخذوا من شهر رمضان شهراً للنصر والعمل وليس للنوم والكسل


    أنتصارات رمضان ..

    فتح الأندلس في رمضان

    لم يمض القرن الإسلامي الأول حتى كان فتح عظيم من فتوحات شهر رمضان الكريم، وهو فتح عظيم في التاريخ الإسلامي يكاد يلي في أهميته الفتح الإسلامي لمصر أرض الكنانة بلد الإسلام، إنه فتح الأندلس على يد المقاتل البارع والقائد الفذ طارق بن زياد.

    في عهد الدولة الأموية استطاع القائد المسلم موسى بن نصير فتح بلاد المغرب العربي، وبذلك دخل البربر في دين الله وعمل موسى بن نصير على تعليم الناس أمور دينهم وتفقيههم فيه، وعمل على تدعيم الوجود الإسلامي ببلاد المغرب العربي، فكان له ذلك بخبرته وحنكته والتزامه بشرع الله، فصار البربر من جند الله المجاهدين.

    لكن بقيت إحدى مدن المغرب عصية على الفتح الإسلامي وتسمى سبتة، وحاكمها يسمى يوليان وكان من حلفاء ملك الأندلس غيطشة، وكان يأتيه المدد عبر البحر من الأندلس، ثم مات غيطشة وخلفه في ملك الأندلس لذريق، وحدث أن اغتصب لذريق هذا ابنة يوليان حيث كان قد أرسلها إلى القصر لتتعلم وتتأدب بأدب الملوك، فأقسم يوليان على أن يزيل ملك لذريق، وحاول محاولات عدة لكنه لم يجد غير التحالف مع المسلمين سبيلاً، ورأى موسى بن نصير أن الفرصة سانحة لفتح الأندلس ونشر الإسلام فيها وهي في هذه الحالة من الضعف والفوضى.

    وبعث موسى بن نصير إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك يستأذنه في فتح هذه البلاد وواصفًا له مكانتها من المسلمين، مبينًا سهولة دخولها بناء على ما أوضحه له يوليان، فأمره الوليد بن عبد الملك بإرسال سرية صغيرة تختبر تلك البلاد؛ كي لا يقع المسلمون في مأزق في تلك البلاد، فأرسل موسى بن نصير أحد قادة جنده ويسمى طريف بن ملوك، فعبر إلى الأندلس في خمسمائة جندي وكان ذلك في رمضان سنة إحدى وتسعين للهجرة، ونزلوا في بلدة سميت باسم القائد طريف، وشن المسلمون غارات على الساحل غنموا فيها مغانم كثيرة، ثم رجعوا إلى موسى بن نصير بما حصلوا عليه في تلك المعارك.

    بعدما رأى موسى بن نصير نتيجة السرية التي قام بها طريف بن ملوك، أخذ يجهز جيشًا كبيرًا وندب على رأسه رجلاً بربريًّا شجاعًا يسمى طارق بن زياد، وأرسله إلى الأندلس على رأس سبعة آلاف مقاتل مسلم، جُلّهم من البربر الذين حسن إسلامهم والبربر كانوا يتصفون بالقوة والشجاعة والإقدام، وبدأ عبور المسلمين إلى الأندلس ولم يكن لديهم سوى أربع سفن، فتم العبور على دفعات واختبأ الذين عبروا أولاً حتى عبر الجيش كله، وتجمعوا عند جبل سمِّي بجبل طارق تيمنًا باسم القائد الفاتح طارق بن زياد، واستولى المسلمون على الجزيرة الخضراء قبالة جبل طارق، فصارت مواصلات الجيش مع إفريقيا حيث المسلمون كلها آمنة.

    لما علم ملك القوط لذريق بخبر المسلمين، أرسل فرقة من جيشه لتهاجم المسلمين لكنها هُزمت وقتل كل جنودها إلا رجل واحد عاد فأخبر لذريق بما رآه من المسلمين في قتالهم، فسار لذريق جنوبًا واستولى على قرطبة وعسكر في سهل البرباط، وكان تعداد جيشه مائة ألف مقاتل تقريبًا، وسار طارق بن زياد بجيشه متوجها إلى قرطبة وتوقف عند نهر البرباط، وتحسس أخبار لذريق فعرف مكانه وعدد جيشه، فأرسل إلى موسى بن نصير طالبًا المدد، فأرسل له موسى مددًا تعداده خمسة آلاف مقاتل جُلّهم من العرب، فسار تحت قيادة طارق بن زياد حوالي اثني عشر ألفًا من المسلمين.

    أما لذريق فلم يكن من بيت الملك في بلاد الأندلس، لكنه لما هلك غيطشة ملك الأندلس ترك أولادًا لم يرضهم أهل الأندلس واضطرب الأمر هناك، فتراضوا على لذريق هذا وكان من قوادهم وفرسانهم فولوه ملكهم، لكنه خالف تقاليد الملك وفعل أشياء شنيعة؛ لذا لما تلاقى الجيشان كان أبناء ملك الأندلس قد اتفقوا على أن ينهزموا بجنودهم، وقد ظنوا أن المسلمين إنما جاءوا طلبًا للغنائم فقط، ونشبت المعركة وأبلى المسلمون بلاء حسنًا، على الرغم من أن غالب المسلمين كانوا رجَّالة بلا خيول بينما جنود القوط من الفرسان، واستمرت المعركة ثمانية أيام، وانضم عدد من جيش لذريق إلى المسلمين بغضًا له وتشفيًا فيه، وحدث اضطراب في جيشه، ففرَّ لذريق وفرَّ بقية جيشه وسيوف المسلمين تحصدهم..

    ولم يعثر على أي أثر للذريق بعد هذه المعركة حيًّا أو ميتًا، وقد استشهد في هذه المعركة ثلاثة آلاف مسلم، وكانت هذه المعركة العظيمة التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا في شهر رمضان في العام الثاني والتسعين للهجرة النبوية المباركة.

    إن هذه معركة انتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا على الكفر وأهله، رغم فارق كبير جدًّا في العدد والعتاد، ولكن الإيمان الصادق والرجال المخلصين والقيادة الواعية المدركة بمآل الأمور والفهم الواضح لهذا الدين العظيم إذا اجتمعوا في جيش، فهذا الجيش لا بد منتصر، هذا رغم اختلاف الأعراق فكان الجيش مكونًا من العرب والبربر وكان لكل منهم لغة ولكل منهم عادات وتقاليد، لكن جمعهم الإيمان بالله والأخوة في الله والرغبة الصادقة في نشر الإسلام في كل بلاد الأرض؛ لكي لا يدَّعِي المدعون والذين ينادون بالقومية والوطنية أن الدين لا ينفع أن يكون جامعًا للناس تحت لوائه، بل يقصرون ذلك على اللغة والعرق فقط.

    بعد هذه المعركة توجه طارق بن زياد بجيشه إلى مدينة شذونة فحاصرها حتى فتحها (ويقال إن الذي فتح شذونة هو موسى بن نصير)، ثم توجه طارق إلى مدينة استجة وفيها فلول جيش لذريق فقاتلهم قتالاً شديدًا حتى فتح الله على المسلمين بالنصر وأسر طارق حاكمها وصالحهم على الجزية. بعد ذلك رأى طارق أن جيشه قد كثر عدده؛ بسبب عبور كثير من أهل المغرب وانضمامهم للجيش، فعمل على تقسيم الجيش إلى فرق عدة، وكلف كل فرقة بفتح مدينة من المدن الأندلسية، فبعث مغيثًا الرومي مولى الوليد بن عبد الملك إلى قرطبة في سبعمائة فارس ليس معهم راجلٌ واحد، حيث لم يبق من المسلمين راجلٌ إلا ركب من كثرة غنائم المسلمين، وبعث فرقًا أخرى إلى مدن رية ومالقة وغرناطة، أما هو فقد توجه بالجزء الأكبر من الجيش إلى مدينة طليطلة.

    أما مغيث فقد فتح الله عليه قرطبة وملكها وفر منها مقاتلو القوط، وكذلك الجيش الذي توجه إلى رية فتح الله عليه وانتصر على أهلها من القوط، ثم فتحت غرناطة وكذلك فتحوا أوريولة بصلح بين المسلمين وقائد القوط فيها وكان اسمه تدمير فسميت المدينة باسمه. وهكذا توالت الفتوحات في بلاد الأندلس، ثم عبر موسى بن نصير ففتح مدنًا كثيرة أيضًا، كان من أشهرها مدينة إشبيلية وهي آخر المدن الأندلسية التي خرج منها الإسلام.

    هكذا فتحت الأندلس في القرن الأول الميلادي، فتحت بدماء الشهداء الأبرار، ونقل المسلمون بلاد الأندلس من التخلف والجهل إلى نور العلم وحضارة الإسلام، فصارت الأندلس رمزًا لحضارة الإسلام وللمكانة التي وصل إليها المسلمون من العلم والتقدم، في ذات الوقت الذي كانت مدن أوربا في ظلام دامس من تخلف وجهل.

    ونحن إذ نتحدث عن الأندلس يجب أن نذكر أمتنا أن الإسلام بقي في الأندلس بضع قرون حتى وهن المسلمون وضعفوا وتشتتت مدنهم وصار لكل مدينة حاكما، فقام الفرنجة الصليبيون بقتالهم وتوالت هزائم المسلمين حتى كانت آخر المعارك هي معركة أشبيلية وهزم المسلمون فيها شر هزيمة، وهكذا خرج الإسلام من الأندلس، وصارت الأندلس اليوم حليفا مهما لأقوى البغي والطغيان الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وشاركت في تدمير بلاد إسلامية كثيرة أهمها العراق وأفغانستان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

    **********************************************************


    فتح سرقوسة

    وسرقوسة في الجغرافية العربية القديمة: "أكبر مدينة بجزيرة صقلية" على ما يقدره ياقوت الحموي في معجم البلدان (3/214)، وقد رصد لها الجغرافيون القدامى ما يعكس تقدمها وعمرانها.

    ومن المهم أن نذكر أن فتح سرقوسة كان مرحلة شبه مستقلة من حركة الحروب التي استهدفت فتح جزيرة صقلية كلها.

    وفي هذا السياق ينبغي أن نتأمل مجموعةً من العلامات الدالة على خط حركة الفتوحات الإسلامية وما قدمته للإنسانية في النقاط التالية:

    أولاً: برهن المسلمون عن وعيهم بعالمية رسالتهم في الأقطار كافة، وهو ما نلمحه من خلال معرفتنا بأن الذي تم له فتح سرقوسة كان هم الأغالبة، بمعنى أن حركة الفتوحات الإسلامية لم تكن حكرًا على مسمى المشرق الإسلامي في يومٍ من الأيام، كما يحلو لبعض الدارسين أن يتصوروا أن حركة الفتوحات كانت حركة عربية قومية، على ما يشيع في كثير من كتابات المؤرخين المعاصرين الذين تشكلت أفكارهم في أثناء المد القومي!

    ثانيًا: اعتراف مؤرخي الحضارات بالأثر الجبار الذي خلَّفه المسلمون في المدينة برمتها، وفي مدة وجيزة جدًّا على ما يقرره مثلاً كارل بروكلمان في "تاريخ الشعوب الإسلامية"؛ حيث يقرر ص249: "وفي الحق أن سنوات السلام التي قُدِّر العرب أن ينعموا بها في صقلية (سرقوسة) منذ ذلك الحين كانت كافيةً لنشر حضارتهم، والتمكين لها في ربوع الجزيرة إلى درجة بعيدة، حملت النورمانديين الذين (خلفوا العرب في حكم هذه البلاد) على أن يأخذوا عن العرب نظامهم الإداري ويقتبسوا العناصر الأساسية للثقافة الإسلامية في حياتهم الفكرية والعينية أيضًا". ففي هذه الشهادة التي يشهد بها واحد من أساطين الاستشراق الغربي كافية في هذا السياق لإعادة التمكين لجلال الفكرة الإسلامية التي حركت الفتوحات بدافع ديني وحضاري معًا يستهدف الخير للبشرية.

    وهذا الوجه المضيء هو الوجه الذي ينبغي أن نواجه به أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في مواجهاتها للعالم الإسلامي.

    ثالثًا: إن القدرة الحربية المبكرة التي مكنت دولة الأغالبة (من المغرب العربي) من فتح هذه الجزيرة بما فيها سرقوسة بحصونها الطبيعية والصناعية تعيد فتح ملف التقدم العلمي في أواخر القرن الثالث الهجري، أي بعد ما يقرب من مائتي سنة فقط من عمر الدين الجديد باسم المعرفة الحديثة التي حازتها من فتح بلدان في عمق بحار عريقة جدًّا.

    وهذه النقطة تعيينًا تفتح ملفًا مهمًّا ومهملاً معًا من جانب المعاصرين يتعلق بضرورة استثمار تخصص أصيل عُرِفَ في الأدبيات التاريخية والجغرافية باسم السفن الإسلامية، وهو تخصص له تاريخه ومصطلحاته للدرجة التي صنفت فيها كثير من المعاجم التي تعترف بما كان للعرب من تقدم هائل في مجال صناعة السفن والبحار.

    هذه ثلاث نقاط فقط تبعث على التأمل والعمل معًا من أجل إيجاد آلية لدعم ما يُسمَّى به سقور الوحدة الثقافية بين أبناء العالم الإسلامية على امتداد بقاعه الجغرافية، وهو الأمر الذي كان موجودًا في ظل غياب ما هو قائم الآن من ثورة في الاتصالات غير مسبوقة، وهذه الوحدة قد تجلت أبعادها في أن حركة الفتوحات الإسلامية صنعها المسلمون جميعًا، من المشرق العربي ومن المغرب العربي، من المسلمين ذوي الأصول العربية ومن المسلمين ذوي الأصول غير العربية معًا.

    باسم الإسلام وحضارته ووحدة شعوبه تقدم الفتح لينعم العالم تحت ظلاله، وفي أجواء رمضان الذي هو شهر الله تعالى تمت هذه الفصول البيضاء الرائعة.


    **********************************************************

    فتح القرم


    والقرم شبه جزيرة داخلة في نطاق جغرافية روسيا، وهو ما يلفت النظر إلى أن الإسلام امتدَّ سلطانه حتى يسيطر على عدد ضخم من مدن أوربا من جهة روسيا والمجر وبولندا، وهو ما ينبغي تفهمه في إطار صناعة العلاقات على الجمهوريات الروسية المختلفة، باعتبار أن الإسلام ظلَّ واحدًا من الروافد المهمة التي شكلت ثقافة هذه البلاد حتى مشارف العصر الحديث.

    وقد شكلت القرم التي فُتحت في (رمضان 889هـ/ 1474م) بما عاش فيها من شعوب أسلمت على أثر فتحها جزءًا من العالم الإسلامي، ما يتضح من كتاب بروكلمان "تاريخ الشعوب الإسلامية".

    ومن هذا الذي نذكره من فتح القرم وتحويل شعبها إلى الإسلام بأثر ما وجدوه من عظمة الدين نلاحظ ما يلي:

    أولاً: حاجة العقل المعاصر فتح الملف المتعلق بتاريخ الدولة العثمانية، وتصحيح الصور الشائهة التي روَّج لها الغرب بعد صراعه الطويل معها، وخسارة الرهيبة من ضرباتها وفتوحها، فما تزال أوربا المسلمة -إن صح هذا التعبير- في ألبانيا وكوسوفا وروسيا وبولندا والمجر وغيرها بعضًا من منح الدولة العثمانية، وهو بعض المفهوم من كتاب المنح الرحمانية في الدولة العثمانية وذيله لمحمد بن أبي السرور البكري الصديقي.

    ثانيًا: ضرورة إعادة النظر في المناهج الدعوية والتربوية المتعاطية مع أعلام الإسلام العظام لتغذية الوجدان الإسلامي المعاصر، بعد أن اتضح أن منجز محمد الفاتح ليس مقصورًا على فتح القسطنطينية على جلال قدرها هذا الفتح، وإنما ينبغي أن تجاوزه إلى قراءة المنجز الحضاري والحربي الذي حققه للإسلام لما فتحه من بلدان روسيا وأوربا معًا، فقد رصد الدكتور سالم الرشيد -في كتابه المهم عن المهم عن محمد الفاتح (طبعة الحلبي 1956م)- له الفتوحات التالية: صربيا، والبوسنة والهرسك، فتح أثينا، والمورة، وغيرها.

    ثالثًا: ضرورة تقديم نماذج بجوار النماذج الأولى محمد الفاتح وغيره من قيادات العالم الإسلامي المتأخرين لا يصح أن يغيبوا لمصلحة عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وغيرهم؛ لأن الإسلام صاحب حضارة ولود منتجة.

    رابعًا: تأمل تفاصيل فتح القرم والتعامل مع ثقافة التتار المسلمين، وطبيعة الجغرافية والأرض المجاورة للدولة العثمانية، قائد إلى أمور مهمة جدًّا تصب في ضرورة إعادة فتح ملف التعليم في العالم العربي والإسلامي؛ لأن واحدًا من الأسباب التي عزاها المؤرخون للمقدرة والعبقرية الحربية التي أظهرها محمد الفاتح راجع إلى الثقافة الممتازة التي حصلها محمد الفاتح في نطاق نسق تعليمي متقدم جدًّا، وهو ما يؤكده الدكتور سالم الرشيدي عندما يقرر أن عناية محمد الفاتح بالعلم والعلماء هو السبب الخطير في تقدمه الحربي والحضاري.

    خامسًا: برز الإسلام عاملاً مهمًّا في قيادة حركة الفتوحات التي قادها محمد الفاتح وهو الأمر الذي حاول ولم يزل بعض أنصار القومية التركية بعد مد أتاتورك العلماني أن يعزو التقدم العثماني بتفسير خصائص القومية التركية، وهو الأمر الذي يكذبه المؤرخون، يقول سالم الرشيدي ص280: "وإذا صح أن يقال: إن العرب إنما قامت دولتهم ومجدهم بفضل الإسلام، وأنهم ما كانوا ليكونوا شيئًا في التاريخ لولا هذا الدين، صح أن يقال: إن العثمانيين إنما قامت دولتهم ومجدهم بفضل الإسلام، وأنهم ما كانوا ليكونوا شيئًا في التاريخ لولا هذا الدين".

    هذا الصوت الأخير هو الأمر المستقر في أدبيات الذين عرفوا تاريخ الدولة العثمانية من قبل محمد عنان، ونادية مصطفى، والصلابي، وعبد الرزاق بركات، ومحمد حرب، وغيرهم.

    **************************************************************

    فتح شذونة


    لم تفرد الأدبيات التاريخية مساحة واسعة لفتح شذونة (رمضان 92هـ)، وهي من البلدان الحدودية المطلة على البحر المتوسط من جنوب الأندلس، كما حدث مع القادسية باب فارس في الجاهلية، وهو أول فارق في فلسفة الفتح يفاجئك في قراءة التعاطي مع بلدان الحدود في فتوحات جيل الدولة الراشدة وفتوحات جيل الدولة الأموية، وهو ما انعكس بدوره على تعامل الأدبيات التاريخية العربية مع كلا الفتحين.

    كانت آثار المعرفة الجغرافية والتاريخية ببلدان فارس وتقدير خطرها عاملاً حاسمًا في حماية مكاسب فتح فارس الذي تجلَّى في تمصير مدن عربية كاملة من العدم تكون عمقًا استراتيجيًّا يمنع من استرداد فارس لبلدان إمبراطوريتها الذاهبة.

    كان قرب جيوش الفتح من عصر النبوة بما استقر في نفوسهم من فعل الهجرة ذا أثر حاسم في الهجرة إلى بلدان جديدة سلكها العرب في البصرة والكوفة في الطريق إلى القادسية وفارس، لقد كان مسكن القبائل العربية في الطريق إلى الأمم المفتوحة عاملاً حاسمًا في تغيير الخريطة الديمغرافية السكانية التي حمت مكتسبات الفتح الراشد؛ لأنها ذوبت العناصر الثقافية عن طريق الاحتواء السكاني، وهو ما لم يحدث في فتوحات دولة بني أمية للأندلس.

    وربما كان البربر -وهم أغلبية في جيش فتح الأندلس- سببًا آخر في عدم استدامة الفتح وانهياره بعد ثمانية قرون!

    هل فَتُرَت ثقافة الهجرة فغاب الأندلس؟!.. ربما!

    أمر آخر نلمسه في قراءة أحداث فتح شذونة (أول ما يقابل من بلاد الأندلس من جهة البحر قادمًا من بلدان المغرب)؛ هو أن حركة الجيوش كان أبعد عمق لها هو القبائل المتأخرة لمضيق جيل طارق من بلاد المغرب، وهي مسافة بعيدة جدًّا عن مقر الحكم المركزي في الشام لدولة بني أمية؛ مما يوحي بغياب أو خفوت الصوت العربي من أبناء الصحابة والتابعين، وهو أمرٌ له أثار سلبية على توجيه حركة الإعمار الفكري في داخل الأندلس نفسها..

    وهو ما ظهر في بقاء عدد ضخم من النصارى يعملون بما يسمى استرداد الأندلس، ولو أن العنصر العربي الإسلامي الذي ظهر في فتوحات أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- كان بارزًا في حركة فتوحات الأندلس بما يميزه من تقديرٍ لقيمة المَعْلم، وبما يميزه من القدرة على التغير باسم المعايشة، لربما تغير أمر الأندلس، ولربما لم تنجح حركة ما يسمى باستيرادها.

    ثمة أمر آخر لا أحب أن أقف أمامه طويلاً، وهو: هل كان لحظ النفس أثر في البدايات انعكست على نهايات الوجود المسلم في الأندلس؟!

    تقول الأدبيات التاريخية: إن طارق بن زياد بدأ فتح الأندلس وبدأ فتح شذونة، ثم حسده سيده موسى بن نصير فأسرع ليتم الفتح معه، وهو ما ظهر في غير مصدر تاريخي قديم وحديث في تعبيره!! وأتم موسى بن نصير فتح شذونة.

    وأنا بطبيعة الحال أقلق من مثل هذه التفاسير مع إمكان وجودها، لكن المهم هو أن التعامل مع الأندلس في لحظة من اللحظات تمَّ على اعتبارها جزءًا معزولاً عن جسد الخلافة في المشرق، وربما دعم هذا قيام الدولة الأموية في الأندلس بعد سقوطها في المشرق، واستمرت إلى أوائل القرن الخامس الهجري (403هـ) على التعيين.

    فتح شذونة (رمضان 92هـ) وما أثير حوله من كتابات قليلة يفتح الباب إلى أن نتعلم من أخطاء ما كان ينبغي أن تقع.

    باسم الإسلام فُتحت الأندلس، وفُتحت أولى محطاتها في شذونة، وباسمه تم تعميرها زمانًا طويلاً، لكن الفتح لم يَدُمْ سوى ثمانية قرون، وهو أمر ندعو إلى قراءة أبعاده وتجلِّياته.

    **********************************************************

    معركة النوبة .. فتح من الفتوحات الرمضانية


    من ضمن المعارك والفتوحات العظيمة التي حفل بها شهر رمضان المبارك معركة فتح النوبة التي حدثت في العام الحادي والثلاثين من الهجرة النبوية المباركة، والتي كان من أهم آثارها معاهدة القبط التي كانت فاتحة خير على المسلمين في البلاد الإفريقية.

    لما قام عمرو بن العاص بفتح في مصر في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أرسل عمرو بن العاص حملة عسكرية بقيادة عقبة بن نافع لفتح بلاد النوبة التي تقع في جنوب مصر، لكن المسلمين فوجئوا في هذه المعركة بأن النوبيين يجيدون رمي السهام، فقد أصاب النوبيون من المسلمين عددًا كبيرًا بتلك السهام، وأصيب كثير من المسلمين في حدق عينهم من جرَّاء النبل، فسموا (رماة الحدق).

    وكان من نتيجة هذه الحملة أن تم التوافق على هدنة بين المسلمين والنوبيين، واستمر الصلح حتى كان عصر خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وكان قد عزل عمرو بن العاص عن مصر وولّى مكانه عبد الله بن أبي سرح، فنقض النوبيون الصلح وهاجموا صعيد مصر، فما كان من ابن أبي سرح إلا أن خرج في جيش تعداده عشرون ألف مقاتل، وسار إلى دنقلة عاصمة النوبيين وحاصرها وضربها بالمنجنيق حتى استسلموا وطلبوا الصلح.

    وتصالح المسلمون والنوبيون في شهر رمضان من العام الحادي والثلاثين بعد الهجرة على بنود من أهمها:

    1- حفظ من نزل بلادهم من مسلم أو معاهد حتى يخرج منها.

    2- رد من لجأ إليهم من مسلم محارب للمسلمين وإخراجه من ديارهم.

    3- حفظ المسجد الذي بناه المسلمون في فناء المدينة وألاّ يمنعوا منه مسلمًا.

    4- أن يدفعوا للمسلمين كل عام ثلاثمائة وستين رأسًا من أوسط رقيق بلادهم، وكان القوم مشهورين بكثرة الرقيق عندهم.

    5- في مقابل ذلك لهم عند المسلمين أمان فلا يحاربونهم ولا يغزونهم.

    وقد قيل إنه في مقابل الرقيق الذي يأخذه المسلمون منهم يعدونهم بدلاً منه قمحًا وعدسًا، هذا كان العهد الذي تم بين المسلمين وأهل النوبة، وقد رفع هذا الصلح إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فأقره.

    وإن هذا لعهد -إن أمعنَّا النظر فيه وتأملناه جيدًا- نرى في بنوده معالم للسياسة الشرعية في الإسلامية، ومعالم واضحة للعلاقات الخارجية للدولة الإسلامية.

    فنرى أن رد النوبيين المسلم المحارب للمسلمين وإخراجه من ديارهم يعد أمرًا مهمًّا جدًّا، فهو يمنع من تكتل وتجمع الخارجين عن النظام الشرعي للدولة الإسلامية وعلى ولاة الأمر الذين يحكمون بما أنزل الله، وبالتالي لا تكون هذه الجهة مركزًا للاعتداء على الدولة الإسلامية من بعض الأفراد الخارجين على ولاة الأمر، وبالتالي حماية الدولة الإسلامية والتأكيد على وحدتها.

    ونرى أن حفظهم للمسجد الذي بناه المسلمون في فناء المدينة هو الأثر الأهم والنتيجة العظمى لهذا الصلح الطيب؛ فوجود المسجد وعدم التعرض للمسلمين في المدينة يعني انتشار الإسلام بين الناس، ولأن المسجد في الإسلام مكانته عظيمة وهو منطلق الدعوة ومركزها، وكان أول شيء يقوم به المسلمون في أي مكان يدخلونه هو بناء المسجد؛ اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي بنى مسجدًا بالمدينة بمجرد وصوله إليها. ومع اشتراط حفظهم لمن يدخل بلادهم من المسلمين فهذا يعني انتشار الإسلام بسهولة ويسر؛ حيث إن تجار المسلمين والمسافرين الذي لا يتوقفون عن الحركة على مدار العام سيعملون على دعوة الناس إلى الإسلام، في حين أن هؤلاء الدعاة من التجار وغيرهم يكونون في مأمن، طالما كانوا في أرض النوبة فلا يتعرض لهم أحد.

    وهنا شبهة يرددها الصليبيون الحاقدون على الإسلام وأهله، يجب أن نفندها ونبيِّن كذبهم وافتراءهم فيها، فهم يدعون أن هذه الاتفاقية كانت تجبر أهل النوبة -وهم نصارى على حد زعمهم- على بيع أولادهم للمسلمين كي يتقوا شرهم، فيحاولون إيهام الناس أن ذلك العدد من الرقيق الذي يجب على النوبيين إرساله للمسلمين سنويًّا، كانوا أبناء النصارى، وهذا كذبٌ وافتراء؛ فالاتفاقية تنص على تسليم ثلاثمائة وستين رأسًا من أوسط رقيقهم، ولا تنص على ثلاثمائة وستين رأسًا من أوسط فتيانهم أو شبابهم. والمعنى واضح والفرق شاسع بين اللفظين، فشتان شتان بين الرقيق والفتى أو الشاب.

    لقد كان لهذا الصلح أثر عظيم في انتشار الإسلام في بلاد السودان وجنوبها، لقد استغل المسلمون الأوائل هذه المعاهدة في نشر الإسلام في تلك البلاد، وكان المسجد الذي بناه المسلمون في فناء دنقلة مركزًا لنشر الإسلام في بلاد النوبة وجنوبها، وإن هذا الصلح ليؤكد كذب الذين يدعون بأن انتشر بحد السيف! فليخبرونا إذن كيف أسلم أهل النوبة والسودان وتلك البلاد النائية في إفريقيا التي لم تصلها جيوش المسلمين في أي عصر من العصور؟!

    إن هذا الصلح ليؤكد براعة وذكاء وفهم المسلمين الأوائل للواقع الذي يعيشونه وكيفية التعامل مع هذا الواقع بشكلٍ يخدم مصالح الأمة الإسلامية ويعمل على نشر الدين الإسلامي ولا يتعارض مع أحكام شريعة رب السماء جل في علاه، ولا سُنَّة نبيه المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وإن هذه هي السياسة التي يجب أن نتعامل بها ويجب أن نتعلمها؛ فلن يعود للإسلام عزه ومجده ولن تعود للأمة كلها القيادة والريادة في هذا العالم إلا باتباع هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، والنظر في أفعال سلفنا الصالح الصحابة والتابعين.

    ************************************************************

    فتح السند والهند


    يقول ابن كثير -في البداية والنهاية (12/460) في أحداث سنة أربع وتسعين-: "وفيها فتح الله على الإسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه، حتى عاد الجهاد شبيهًا بأيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه".

    هذه شهادة واحد من كبار مؤرخي الإسلام، وليس فيها شبهة ممالاة؛ لأنه لم يكتب ما كتب إلا وبينه وبين دولة بني أمية ما يربو على ستمائة سنة!

    والنص السابق يهز وينال من الصورة التي طالما عرضت للنيل من أبناء هذه الدولة ورجالها، فلم يكن رجالها غارقين في النعيم كما تصورهم الأعمال الدرامية، بل كانوا يقودون حركة جهادية وصفها المؤرخ الكبير بأنها شبيهة بأيام عمر!

    وفي هذه السنة افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند، ومن الأمور التي يجب الوقوف أمامها في أحداث هذا الفتح ما يلي:

    أنه لما رأى أهل المدن الهندية تقدم محمد بن القاسم وقدرته على دحر مدن "راور"، "برهمناباذ"، وسقط من القتلى الآلاف، قابله أهل "ساوندري" طالبين الأمان فأعطاهم إياه، واشترط عليهم ضيافة المسلمين، ومثل ذلك حدث مع "بسمد" في صلحه معهم.

    وهذا الذي قاله البلاذري في فتوح البلدان يعكس مدى التزام المجاهد المسلم بأوامر الله سبحانه، فلم يكن المجاهدون المسلمون يُحركهم اشتهاء الدم، أو الظفر بالأرض، أو جمع الكنوز والغنائم، لقد خرج المجاهد المسلم يملؤه الشوق الجارف لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

    والعجيب أن يشترط محمد بن القاسم في مصالحته لأهالي هذه المدن أن يضيفوا المسلمين، الرجل يطلب ضيافة المسلمين مع أنه صاحب البلد الأعلى، ولو سلب أو نهب ما رده أحد، لكن الجيش المسلم يريد أن يمكث ضيفًا في إقامته، وضيفًا في مطعمه ومشربه، إنه لا يريد أن يُقيم إقامةً أبديةً مستبدًّا طاغيةً يسير فيهم بمنطق الغالب القاهر.

    شروط الصلح تُوحي بأن الفتح هو لتوصيل كلمة الله، والمجاهدون بعدما تمت عملية البلاغ لا مجالَ لمكثهم، هذا هو المفهوم من الضيافة؛ ولذلك تقول الأدبيات التي أرَّخت لهذا الفتح إن أهلها انقلبوا مسلمين.

    مسألة أخرى جديرةٌ بأن نقف أمامها وهي: أنه لما تقدَّم المسلمون إلى السند لإتمام فتحها وصلوا إلى مدينة الراور فحوصرت، ثم فتحها المسلمون صلحًا على شرطين: هما عدم قتلهم، وعدم خراب بدهم (والبد: بيوتهم التي يتعبدون فيها).

    هذا الشرطان يقدمان صورة بالغة النصاعة في تأمين معتقدات أصحاب البلاد المفتوحة، لقد كان شغل المسلم الشاغل هو بناء مسجد وتمكينه من إبلاغ دعوة الله، من غير قهرٍ للآخرين أو محو هوياتهم.

    إن ترك هذه المعابد التي يقول عنها البلاذري إنها كنائس النصارى واليهود وبيوت النار التي للمجوس، يدل على أن هذه الأمة تجاهد وهي تحترم معتقدات الآخرين، ولو كان معتقدهم التعبد للأصنام!

    أمر أخير هو أن جند المسلمين كانوا يتحركون بأخلاق الإسلام من الرحمة والعفة والبذل، ودليل ذلك أن محمد بن القاسم لما مات الوليد بن عبد الملك وتولى سليمان عزل محمد وتولى غيره، فحُمِل القائد الفاتح مقيدًا، فبكاه أهل الهند؛ يقول البلاذري: "فبكى أهل الهند على محمد".

    فأي شيء حرَّك عاطفة هؤلاء نحو قائدٍ بلَّغ كلمة الله؟! إننا لم نسمع ولن نسمع عن غازٍ قاهرٍ يُبكيه مَن غزاهم وقهرهم، إنَّ بكاء بلاد الهند والسند (التي فُتحت في رمضان 94هـ/ 713م) على محمد بن القاسم أكبر دليل على رحمة الفاتح المسلم وبذله وكريم خلقه، بل إنَّ أدبيات ذلك الفتح تقرر أنهم صوروه وصنعوا له ما يُشبه التمثال.

    هذه بعض عظمة الفتح الإسلامي وجدت طريقها إلى أنفس شعوب الأرض، فعانقت دين الله.

    ***********************************************************


    حرب العاشر من رمضان

    من أهم ما حدث في شهر رمضان المبارك، ما فاجأنا وفاجأ العالم كله من حدث، اهتزت له القلوب طربًا، وابتسمت له الثغور فرحًا، ولهجت به الألسنة ثناء، وسجدت الجباه من أجله لله شكرًا.

    إنه الحدث الذي عوضنا عما فُوجئنا به من قبل في الخامس من حزيران (يونيو) 1967م، والذي خسرت به الأمة ما خسرت، وكسبت إسرائيل ما كسبت، وضاعت به -إلى اليوم- القدس والضفة والقطاع والجولان، إضافةً إلى سيناء التي استردتها مصر فيما بعد.

    وهذا الحدث الذي أحيا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بل الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط، هو حرب العاشر من رمضان (10 رمضان 1393هـ/ 6 أكتوبر 1973م). وأنا أحب دائمًا أن أسميها معركة العاشر من رمضان، وليس السادس من أكتوبر؛ لأن (شهر رمضان) ونفحاته وبركاته وإمداداته التي هبت نسماتها على الجنود والصائمين والمصلين كان له أثره في تحقيق النصر، وإمداد المقاتلين بشحنة إيمانية دفعتهم إلى البذل والفداء، أما (أكتوبر) فليس له أي إيحاء، أو دخل في هذا النصر.

    ما زلت أذكر هذا اليوم المشرق، وقد خرجت من درس العصر في مسجد الشيخ خليفة، فإذا الأنباء المبشرة تستقبلني، وإذا الهواتف تدق ولا تتوقف، للاتصال بي من هنا وهناك، مهنئة بما وقع، شاكرة لله -تعالى- الذي صدق وعده، وأعز جنده، وهزم الظالمين وحده.

    في أول الأمر خفت أن نكون مخدوعين، كما خدع كثيرون أيام نكبة 5 يونيو 1967م، فقد كانت القاهرة تذيع الأكاذيب على الناس، وتخدرهم بأخبار لا أساس لها: طائرات إسرائيلية تسقط بالعشرات، والحقيقة أن طائراتنا هي التي ضُربت في مدرجاتها، ولم تطر حتى تسقط، ولكن كانت الشواهد كلها تؤكد أن هذه حقيقة وليس حلمًا، وأنه واقع وليس من نسج الخيال.

    ألا ما أحلى مذاق النصر، وخصوصًا بعد تجرع مرارة الهزيمة المذلة من قبل! وللأسف طالت هزائم الأمة في معارك شتى، وذرفت الدموع كثيرًا على هزائمها، حيث لم تغنِ الدموع، وآن لها أن تجد مناسبة تفرح بها بعد حزن، وأن تضحك بعد طول بكاء.

    لقد عبر الجيش المصري القناة، صنع قناطر أو جسورًا للعبور عليها، مكونة من أجزاء، تُركب في الحال، ويوصل بعضها ببعض، فتكون جسرًا فوق الماء تعبر فوقه المصفحات والمجنزرات والدبابات إلى البر الآخر، وقد بدأ بالعمل فيها منذ سنوات، ثم بدأت تجربتها، والتدريب عليها منذ شهور، في تكتم وسرية بالغة، وهذا عمل مصري خالص، لم يشترك فيه خبراء أجانب؛ ولهذا حُفظ السر، ولم يبح به أحد.

    بعد عبور القناة بسلام وأمان ونجاح، اقتحمت القوات المصرية ما عُرف باسم خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل؛ ليكون حاجزًا ترابيًّا بعد الحاجز المائي، وكانت العدة قد أعدت لتخطيه بإحكام ومهارة.

    وكان كل شيء مُعدًّا بجدارة وأناة وحكمة، ولم يكن هناك شيء مرتجل، وقام كلُّ سلاحٍ بدوره: سلاح المهندسين، وسلاح الفرسان والمدرعات، وسلاح الطيران، كلٌّ قام بما هيئ له، وما كلف به.

    وقد اختير التوقيت المناسب لبدء المعركة، وكان رمضان هو الوقت الملائم نفسيًّا وروحيًّا؛ لما يمد به الجنود من نفحات، وما يعطيهم من شحنة روحية، وكان أكتوبر مناسبًا، من حيث المناخ، وليس فيه حرارة الصيف، ولا برد الشتاء.

    وكان الوقت مناسبًا من ناحية أخرى أنه يوم الغفران، أو عيد الغفران عند اليهود، فلننتهز غفلتهم وانهماكهم في الاحتفال بالعيد؛ لنفاجئهم بضربتنا، كما فاجئونا بضربتهم في يونيو 67.

    ولا يقال: كيف نباغتهم ولا ننذرهم؟ فمثل هذه الحرب لا تحتاج إلى إنذار ولا إبلاغ؛ لأنها حرب دفاع للمحتل، وهي مستمرة معه لم تتوقف.

    وأهم من هذا كله: الروح المعنوية التي كان يحملها المقاتل المصري.. إنها روح الإيمان؛ الإيمان بالله تعالى، وأنه ينصر من نصره، والإيمان بأننا أصحاب الحق، والحق لا بد أن ينتصر، والباطل لا بد أن يزهق {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].

    فرق بين حربين

    وفرق كبير بين هذه الحرب وحرب يونيو 67، فقد كان العنصر الإيماني والروحي مغيبًا عنها تمامًا؛ لذلك لم يحالفها النصر.

    كانت كلمة السر في حرب 67: "بر بحر جو"، ولكن الواقع يقول: إنهم لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو، ولم يكن الذنب ذنب الجيش وجنوده، ولكن ذنب القادة الذين جروهم إلى حرب لم يخططوا لها، ولم يعدوا لها العُدَّة، ولم يأخذوا لها الحذر، كما أمر الله.

    لقد ترك الجنود أسلحتهم، وتركوا دباباتهم ومصفحاتهم، لم يحاولوا أن يشعلوا فيها النار بعد أن تركوها، حتى لا يغنمها العدو ويستفيد منها؛ لأن همَّ كل واحد منهم كان هو النجاة بنفسه، واللياذ بالفرار.

    لقد اعتمدوا على الآلات، فلم تغنِ عنهم الآلات، واتكلوا على السلاح فلم ينجدهم السلاح؛ لأن السلاح لا يقاتل بنفسه، إنما يقاتل بيد حامله، ويد حامله إنما يحرِّكها إيمان بهدف، وإيمان برسالة، وهذا لم يعبأ به الجنود.


    وما زلنا مع رمضان الكريم وأنتصاراتة
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود فتح مكة.. لحظة فارقة في التاريخ

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت يوليو 21, 2012 12:33 am

    فتح مكة.. لحظة فارقة في التاريخ



    يعد فتح مكة لحظة فارقة حقيقية في تاريخ المسلمين بل في تاريخ الأرض والعالم، حتى إنه إذا ذُكر الفتح معرفًا انصرف الذهن مباشرة إلى فتح مكة، مع أن كل انتصارات المسلمين كانت فتحًا، غير أن ما قبْل فتح مكة شيء وما بعده شيء آخر، حتى إن الرسول صلى الله علية وسلم كان يقول: "لا هجرة بعد الفتح".
    ويقول رب العالمين: {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].

    فتح مكة وسنن التغيير
    وهذا الفتح تميز بسنن التغيير والنصر والتمكين في الأرض، ونستخلصها في التالي:

    السنة الأولى: الله لا يعجل بعجلة عباده

    منذ واحد وعشرين عامًا من أصل ثلاثة وعشرين هي عمر البعثة النبوية واللات والعزى ومناة وهبل تُعبد من دون الله داخل مكة المكرمة!

    والبعض تمنى أن تفتح مكة مبكرًا، وأن يحكم الرسول صلى الله علية وسلم الدولة الإسلامية من مكة؛ وذلك ليرى حكمه وأثره في العالمين وهو ممكَّن في الأرض؛ لكن الحقيقة أنه لو حدث مثل هذا لوقعت مخالفة للسُّنَّة الإلهية، وهذا لا يكون أبدًا، {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].. والانتظار الطويل حتى يعلِّمنا جميعًا أنه I لا يعجل بعجلة عباده.

    السنة الثانية: التغيير والنصر والتمكين يأتي من حيث لا نحتسب

    أي أن المسلمين لو أرادوا أن يفتحوا مكة فلا شكَّ أنهم سيضعون أكثر من احتمال أو تصور لهذا الفتح، ولو أنهم وضعوا ألفًا من هذه الاحتمالات لجاء التغيير من طريق آخر.. وما حدث هو أن قبيلة مشركة أغارت على قبيلة أخرى مشركة، فتمَّ الفتح للمؤمنين.

    وقد يتساءل المرء: ما علاقة هذا بذاك؟ إلا أننا إذا راجعنا بنود صلح الحديبية خاصة البند الثالث، وجدنا أنه إذا أرادت قبيلة أن تنضم إلى حلف المسلمين فلها ذلك، وإذا أرادت قبيلة أن تنضمَّ إلى حلف قريش فلها ذلك، وعلى إثر هذا دخلت خزاعة في حلف الرسول صلى الله علية وسلم، ودخلت بنو بكر في حلف قريش، فكانت القصة بين المسلمين وقريش، ولم يكن لخزاعة ولا لبني بكر دخلٌ فيها، ومع ذلك فدخولهم في المعاهدة هو الذي أدى إلى الفتح كما سنرى.

    بنو بكر وقريش وخيانة العهد
    بتحليل منطقي فإنه إذا حدثت هذه المخالفة وأغارت بنو بكر على خزاعة قبل الحديبية، فما كان يحدث أيُّ نفع للمسلمين، إذ الحالة أن قبيلة مشركة اعتدت على قبيلة أخرى مشركة.

    وقد تكون هي نفس النتيجة أيضًا إذا حدث هذا الأمر بعد الحديبية مباشرة؛ فلعل المسلمين لم تكن لهم طاقة لغزو مكة أو لفتحها آنذاك.. وما حدث هو أن قريش أعانت بني بكر على حرب خزاعة في تهوُّر عجيب.. وهذا هو تدبير رب العالمين {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15، 16].

    هجمت بنو بكر على خزاعة تلك التي لم تكن مستعدة للقتال، خاصة أن هناك صلح الحديبية، وفيه هدنة عشر سنوات، وقتلتْ من خزاعة الكثير من الرجال.. لم تجد خزاعة إلا أن تفرَّ إلى أقرب مكان آمن وهو الحرم المكي ومساكنها قريبة جدًّا منه، فخرجت رجالاً ونساءً وصبيانًا إلى مكة المكرمة، ودخلت بالفعل داخل الحرم، ومن ورائها بنو بكر تطاردها بالسلاح.. ووقع القتال داخل الحرم، أو قُلْ إنه داخل قريش، التي كثيرًا ما كانت تتشدق بأنها حامية الحُجَّاج والمعتمرين وحامية المنطقة بكاملها، وأنها التي توفِّر الأمان فيها.

    وقامت قريش في تهور عجيب وأعانت بني بكر وأمدَّتهم بالسلاح لحرب خزاعة، وهذا غير مبرَّر بالمرة لقريش، وليس هناك أي علاقة للمسلمين بالقصة؛ فهو تصرف غير مفهوم لكنه يضع أعيننا على شيء في غاية الأهمية، وهو أن الخيانة أمر متوقع من المشركين، قال تعالى في كتابه الكريم: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100].

    والعجب أن هذه الخيانة وقعت منهم والرسول صلى الله علية وسلم ما زال على وفائه لهم بالعهد الذي بينه وبينهم، حتى إنه ردَّ من جاء من المدينة المنورة مؤمنًا من مكة إلى قريش وفاءً ببنود المعاهدة، كما أعاد أبا بصير إلى مكة رغم خطورة هذه الإعادة على إيمان أبي بصير، وهو الأمر الذي لم تفعله قريش.. والمشكلة الكبيرة الأخرى هي أن بني بكر كانت تلعب بالقوانين، وقريش تشاهد ذلك الأمر وتقبله، بل يقبله الجميع؛ فالقتال داخل مكة البلد الحرام، في داخل البيت الحرام، وهو أمر خطير؛ إذ الجميع كان يؤمِّن كل زائري هذه المنطقة.. ودخلت بنو بكر مكة المكرمة لتقتل خزاعة في داخل الحرم، الأمر الذي أدهش جيش بني بكر نفسه من استمرار القتل في داخل الحرم، حتى نادوا على زعيمهم نوفل بن معاوية الديلي من بني بكر، نادوا عليه وقالوا: يا نوفل، إلهك إلهك.. يعنون قوانين (اللات والعزى وهبل وغيرها) لم تشرع القتال داخل البيت الحرام.. هنا ردَّ عليهم قائدهم هذا بكلمة فاجرة، قال: لا إله اليوم، لا إله اليوم! ثم قال: يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟!

    فشجعهم على استمرار عملية القتل؛ لتحدث الجريمة الكبرى، وقريش لا تشاهد هذا الأمر فقط، بل تساعد عليه، فكان هذا خرقًا واضحًا للبند الثالث من بنود صلح الحديبية.

    خزاعة تستنجد بالرسول صلى الله علية وسلم
    أسرعت خزاعة إلى المدينة المنورة تستغيث بالرسول صلى الله علية وسلم، وكان عمرو بن سالم أول من جاء إليه من خزاعة، وكان رد فعل الرسول صلى الله علية وسلم عندما سمع منه ما حدث قوله: "نصرت يا عمرو بن سالم".

    ولم يحدد الطريقة التي سينصر بها عمرو بن سالم، لكنه أخذ على الفور قرار النصرة؛ وذلك لأنه كان بينه وبين قبيلة خزاعة اتفاقية وحلف، وهذا بغض النظر عن ملة قبيلة خزاعة مسلمة أو مشركة؛ فهناك حلف بينهم وبين المسلمين يقضي بأن يدافع كل طرف عن الطرف الآخر إذا ما تعرض ذلك الآخر إلى أي اعتداء.

    السنة الثالثة: النصر يأتي من حيث يكره المسلمون

    أمر غريب جدًّا لكنه متكرر إلى الدرجة التي تجعله سُنَّة: لا يأتي النصر فقط من حيث لا يتوقع المسلمون، إنما يأتي من حيث يكره المسلمون.. كره المسلمون لقاء المشركين في بدر فجعل الله I في باطنه النصر، يقول تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5]. وكره المسلمون صلح الحديبية وقالوا: لِمَ نعطي الدنية في ديننا؟! وكان في باطنه الخير كله الخير.

    تُرى لماذا هذه السنة؟ ولماذا يأتي النصر من حيث نكره؟ ولماذا لا يأتي النصر من حيث نحب؟ أو بالطريقة التي نريد؟ أو بالطريقة التي نخطِّط لها؟ هذا الكلام يتكرر كثيرًا في مراحل التاريخ؛ لأن الله يريد لنا ألا نُفتن بنصرنا، ونعتقد أن النصر جاء من حسن تدبيرنا، ودقة خطتنا، وبراعة أدائنا، ولذكاء عقولنا، ولسرعة تصرفنا.. يجب ألا ننسى أن الذي نصرنا هو الله القوي؛ لذلك يأتي النصر من حيث لا نحتسب، بل من حيث نكره؛ وليعترف الجميع أن الناصر هو الله، لذلك يقول الله سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1].. النصرُ نصر الله، والفتح فتح رب العالمين للمسلمين.

    كل الظروف مهيأة لفتح مكة
    عدة عوامل ساعدت المسلمين في القيام بهذا الفتح العظيم لمكة المكرمة؛ وهي:

    1- الوضع السياسي والعسكري للمسلمين قبل فتح مكة

    كان الوضع السياسي والعسكري للمسلمين قبل فتح مكة قويًّا فعلاً، فأعداد المسلمين تتزايد والجيش الإسلامي مدرب تدريبًا جيدًا، وليس تدريبًا في لقاءات وهمية، ولكن في لقاءات حقيقية مع اليهود والمشركين، بل مع الرومان في مؤتة، وكانت معنويات الجيش الإسلامي في السماء كما رأينا، فقد رُفعت معنويات الجيش الإسلامي، وارتفعت سمعة المسلمين على مستوى الجزيرة العربية، بل على مستوى العالم كله.

    2- الوضع العسكري والسياسي لقريش قبل فتح مكة

    على الجانب الآخر كان الوضع العسكري لقريش ضعيفًا، ويزداد ضعفًا مع مرور الوقت، والرسول كان يرى هذا من عامين وأكثر، ولا ننسى في صلح الحديبية أنه قال في المفاوضات: "إن قريشًا قد وهنتهم الحرب وأضرت بهم". وبعد رجوع الأحزاب إلى قبائلهم قال الرسول صلى الله علية وسلم : "الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم"؛ لأن الرسول يرى الدولة الإسلامية في علو واضح، وقريش في هبوط واضح..

    والوقت الذي مر بعد صلح الحديبية لم يكن في مصلحة قريش؛ إذ رأينا المسلمين يتزايدون، وكل رجل أو امرأة يتحول من الكفر إلى الإيمان هو إضافة إلى الدولة الإسلامية، وفي نفس الوقت نقص في الدولة الكافرة.. فهذا خالد بن الوليد الذي كان سببًا في انتصار غزوة أحد، انضمَّ إلى المعسكر الإسلامي، وكان مكسبًا كبيرًا جدًّا، وإضافة هائلة للدولة الإسلامية.. وعمرو بن العاص وهو من أعظم دهاة العرب، فقدت قريش قوته وأضيفت قوته للمسلمين، وكذلك عثمان بن طلحة ليس من الفرسان الأشداء فقط، ولكنه من بني عبد الدار، وحامل مفتاح الكعبة، وإضافته للدولة الإسلامية إضافة في غاية القوة.

    3- واجب المسلمين الأخلاقي والديني والسياسي في القيام فتح مكة

    كان هناك واجب أخلاقي وقانوني وسياسي على المسلمين في أن يقوموا بفتح مكة، هناك واجب أخلاقي برفع الظلم عن المظلومين؛ فخزاعة ظُلمت ولا يجب أن تترك هكذا، ثم إن هذا الواجب ليس أخلاقيًّا فقط، بل هو واجب شرعي وقانوني؛ أي فُرض على المسلمين أن يساعدوا خزاعة، لأنه التزام إسلامي مؤكد في صلح الحديبية.

    وعلى الفور اختارت قريش أبا سفيان ليذهب إلى المدينة المنورة ويطلب العفو من النبي ، وأبو سفيان هو سيد مكة وزعيمها، وهو ليس مجرد سفير ترسله مكة، ولكنه زعيم مكة، وزعيم بني أمية، وله تاريخ طويل وحروب متتالية مع المسلمين. وهنا يتنازل أبو سفيان عن كبريائه، وعن كرامته، ويذهب إلى المدينة المنورة، ويطلب من الرسول أن يطيل الهدنة مع قريش.

    خروج الجيش الإسلامي وظهور بشريات النصر
    ولكن مجيء أبي سفيان لم يغير من الأمر شيئًا.. خرج المسلمون بالفعل من المدينة المنورة، وكان هذا الخروج في العاشر من رمضان سنة 8هـ، واتجهوا مباشرة إلى مكة المكرمة، وفي الطريق بدأت بشريات النصر تهبُّ على المسلمين؛ إذ لقي المسلمون العباس بن عبد المطلب عم الرسول ومن أحب الناس إلى قلبه مهاجرًا قبل أن يصل الرسول صلى الله علية وسلم إلى مكة المكرمة؛ وذلك أسعد الرسول، وسُرَّ سرورًا عظيمًا برؤية العباس، وانضم العباس إلى قوة المسلمين، وسوف يكون له دور إيجابي في فتح مكة المكرمة.

    وأكمل الرسول صلى الله علية وسلم الطريق فوجد المسلمون أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية، أحدهما ابن عم رسول الله صلى الله علية وسلم والثاني ابن عمة الرسول صلى الله علية وسلم وكانا من أشد الناس على رسول الله صلى الله علية وسلم وجاءا من مكة المكرمة إلى المدينة ليعلنا إسلامهما بين يدي رسول الله .. ومن شدة إيذائهما للرسول صلى الله علية وسلم رفض في البداية أن يقابلهما، ولولا أن السيدة أم سلمة رضي الله عنها -وكانت مصاحبة لرسول الله صلى الله علية وسلم في الفتح- قد توسطت لهما، فقابلهما وأعلنا التوبة الكاملة بين يديه.. وهذه كانت بشريات لفتح مكة.

    وصل الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- إلى مر الظهران، ومر الظهران تبعد عن مكة المكرمة حوالي اثنين وعشرين كيلو مترًا، وهناك التقت القبائل المختلفة من قبائل فزارة، ومن قبائل بني سليم، ومن غطفان، ومن مزينة، ومن جهينة، ومن كل مكان عشرة آلاف جندي.. فالوضع عند مر الظهران هو نفس الوضع في غزوة الأحزاب، ولكن بصورة معكوسة، وتلك الأيام نداولها بين الناس؛ فمنذ ثلاث سنوات حوصرت المدينة بعشرة آلاف مشرك، والآن تحاصر مكة بعشرة آلاف مسلم، العدد هو نفس العدد، ولكن شتَّان بين الفريقين.

    دخول مكة وعفو الرسول صلى الله علية وسلم
    ثم دخلت الجيوش الإسلامية مكة من كل مكان، ولم تلق قتالاً يذكر إلا عند منطقة في جنوب شرق مكة اسمها منطقة الخندمة، وتزعم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية أوباش قريش، وقاتلوا في هذه المنطقة خالد بن الوليد بفرقة قوية من الفرسان، ومع كون خالد صديقًا قديمًا وحميمًا لعكرمة بن أبي جهل ولصفوان، إلا أنه كان متجردًا تمام التجرد، وقاتل قتالاً شديدًا رائعًا تطاير من حوله المشركون، وما هي إلا لحظات حتى سارت الفرقة المشركة ما بين قتيل وأسير وفارٍّ، وهرب صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل من مكة المكرمة، وخمدت المقاومة تمامًا، وفتحت مكة أبوابها لخير البشر -عليه الصلاة والسلام- يدخلها آمنًا مطمئنًا عزيزًا، ويضرب الرسول للعالم مثلاً إسلاميًّا في الصفح يبقى إلى يوم القيامة، قال : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".

    ومن عبقرية الرسول صلى الله علية وسلم إعلاء شأن أبي سفيان عند فتح مكة؛ إذ خص الرسول -عليه الصلاة والسلام- أبا سفيان بخصيصة تجعله متميزًا على أقرانه من أهل مكة، وأعطاه رسول الله صلى الله علية وسلم شيئًا بلا خسارة، ويكسب قلب أبي سفيان بإعطائه شيئًا يفخر به، وهو شيء ينفع ولا يضر.

    ولعل هذه هي لحظات السيرة النبوية التي مسحت آثار رحلة طويلة من المعاناة والألم، وهي اللحظة التي انتظرها المسلمون أكثر من عشرين سنة.. وسار الموكب المهيب الجليل حتى دخل صحن الكعبة؛ ليبدأ الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومن اللحظة الأولى في إعلان إسلامية الدولة، وربانية التشريع، وليرسِّخ القاعدة الأصيلة {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [الأنعام: 57].


    وما زلنا مع انتصارات رمضان
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود الجسر والبويب.. من الانكسار إلى الانتصار

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت يوليو 21, 2012 12:38 am

    الجسر والبويب.. من الانكسار إلى الانتصار


    ترتبط البدايات الأولى لتلك الفتوحات بعد انتهاء حروب الردة، فقد وجد المسلمون أن عليهم أن ينشروا الإسلام في تلك البلاد، وبدأ ذلك عندما طارد المثنى بن حارثة بعض المرتدين حتى دخل جنوب العراق، فاستأذن أبا بكر .

    كان مع الفرس عشرة أفيال منها الفيل الأبيض، وهو أشهر وأعظم أفيال فارس في الحرب، وتقدمت الجيوش الفارسية يتقدمها الفيلة إلى الجيش الإسلامي، وتراجعت القوات الإسلامية تدريجيًّا أمام الأفيال، ولكن خلفهم نهرين فاضطروا للوقوف انتظارًا لهجوم الأفيال وقتالها، وكانت شجاعة المسلمين وقوتهم فائقة ودخلوا في القتال، ولكن الخيول بمجرد أن رأت الأفيال فزعت وهربت، لكن أبا عبيد استقتل وقال: لأقاتلَنَّ حتى النهاية. وأمر أبو عبيد أن يتخلى المسلمون عن الخيول، ويحاربوا الفرس جميعًا وهم مشاة، وفقد المسلمون بذلك سلاح الخيول، وأصبحوا جميعًا مشاة أمام قوات فارسية مجهزة بالخيول والأفيال.

    ولم يتوانَ المسلمون عن القتال وتقدم أبو عبيد بن مسعود الثقفي وقال: دلوني على مقتل الفيل. كما قال من قبل المثنى بن حارثة ، فقيل له: يقتل من خرطومه. فتقدم ناحية الفيل الأبيض بمفرده، فقالوا له: يا أبا عبيد، إنما تلقي بنفسك إلى التهلكة وأنت الأمير. فقال والله لا أتركه، إما يقتلني وإما أقتله. وتوجه ناحية الفيل وقطع أحزمته التي يُحمل فوقها قائدُ الفيل، ووقع قائد الفيل وقتله أبو عبيد بن مسعود، ولكن الفيل لا يزال حيًّا وهو مُدرَّب تدريبًا جيدًا على القتال، وأخذ أبو عبيد يقاتل هذا الفيل العظيم، ويقف الفيل على قدميه الخلفيتين ويرفع قدميه الأماميتين في وجه أبي عبيد، ولكنَّ أبا عبيد لا يتوانى عن محاربته ومحاولة قتله، وعندما يشعر بصعوبة الأمر يوصي من حوله: إن أنا مِتُّ، فإمرة الجيش ثم لفلان ثم لفلان ثم لفلان؛ ويعدِّد أسماء من يخلفونه في قيادة الجيش.

    وهذا أيضًا من أخطاء أبي عبيد؛ لأن أمير الجيش يجب أن يحافظ على نفسه ليس حبًّا في الحياة ولكن حرصًا على جيشه وجنده في تلك الظروف، وليس الأمر شجاعة فحسب؛ ولأنه بمقتل الأمير تنهار معنويات الجيش وتختل الكثير من موازينه. ومن الأخطاء أيضًا أن أبا عبيد أوصى بإمارة الجيش بعده لسبع من ثقيف منهم ابنه وأخوه والثامن المثنى بن حارثة، وكان الأولى أن يكون الأمير بعده مباشرة المثنى أو سليط بن قيس، كما أوصاه عمر بن الخطاب .

    استشهاد أبي عبيد وتولي المثنى

    ويواصل أبو عبيد قتاله مع الفيل ويحاول قطع خرطومه لكن الفيل يعاجله بضربة فيقع على الأرض، ويهجم عليه الفيل ويدوسه بأقدامه الأماميتين فيمزِّقه أشلاء ، وتقبله في الشهداء.. ويتولى إمرة الجيش بعده مباشرة أول السبعة ويحمل على الفرس ويستقتل ويُقتل، وكذا الثاني والثالث وهكذا، وتأتي الإمرة للمثنى بن حارثة، والأمر كما نرى في غاية الصعوبة، والفرس في شدة هجومهم على المسلمين.. وبدأ المسلمون في الانسحاب.. ويخطئ أحد المسلمين خطأ جسيمًا آخر، فيذهب عبد الله بن مرثد الثقفي ويقطع الجسر بسيفه ويقول: والله لا يفر المسلمون من المعركة؛ فقاتلوا حتى تموتوا على ما مات عليه أميركم. ويستأنف الفرس القتال مع المسلمين، ويزداد الموقف صعوبة، ويُؤتى بالرجل الذي قطع الجسر إلى قائد الجيش المثنى بن حارثة، فيضربه المثنى ويقول له: ماذا فعلت بالمسلمين؟ فقال: إني أردت ألا يفرَّ أحد من المعركة. فقال: إن هذا ليس بفرار.

    انسحاب منظم

    بدأ المثنى وفي هدوء يُحسب له يقود حركة الجيش المسلم المتبقي بعد الهجمات الفارسية القاسية والشديدة، ويقول لجيشه محمِّسًا لهم: يا عباد الله، إما النصر وإما الجنة. ثم نادى على المسلمين في الناحية الأخرى أن يصلحوا الجسر ما استطاعوا، فبدءوا يصلحون الجسر من جديد، وبدأ المثنى يقود عملية الانسحاب من المكان الضيق أمام القوات الفارسية العنيفة، وأرسل إلى أشجع المسلمين واستنفرهم ولم يستكرههم، وقال: يقف أشجع المسلمين على الجسر لحمايته. فتقدَّم لحماية الجسر عاصم بن عمرو التميمي وزيد الخيل وقيس بن سليط صحابي رسول الله وسيدنا المثنى بن حارثة على رأسهم، ووقف كل هؤلاء ليقوموا بحماية الجيش أثناء العبور، ويحموا الجسر؛ لئلا يقطعه أحد من الفرس.

    ويقول المثنى بن حارثة للجيش في هدوء غريب: "اعبروا على هيِّنَتكم ولا تفزعوا؛ فإنا نقف من دونكم، والله لا نترك هذا المكان حتى يعبر آخركم". ويبدأ المسلمون في الانسحاب واحدًا تلوا الآخر، ويقاتلون حتى آخر لحظة.. ويكون آخر شهداء المسلمين على الجسر هو سويد بن قيس أحد صحابة النبي ، وآخر من عبر الجسر هو المثنى بن حارثة . وبمجرد عبوره الجسر قطعه على الفرس، ولم يستطع الفرس العبور إلى المسلمين، وعاد المسلمون ووصلوا إلى الشاطئ الغربي من نهر الفرات قبل غروب الشمس بقليل، وكما نعرف فالفرس لم يكونوا يقاتلون بالليل؛ لذا تركوا المسلمين، وكانت فرصة للجيش الإسلامي لكي ينجو منسحبًا إلى عمق الصحراء.

    كانت موقعة الجسر في 23 من شعبان 13هـ، وكان أبو عبيد قد وصل إلى العراق في 3 من شعبان، وكانت أولى حروبه النمارق في 8 من شعبان، ثم السقاطية في 12 من شعبان، ثم باقسياثا في 17 من شعبان، ثم هذه الموقعة في 23 من شعبان.. وخلال عشرين يومًا من وصول أبي عبيد بجيشه انتصر المسلمون في ثلاث معارك وهزموا في معركة واحدة قضت على نصف الجيش، ولم يبق مع المثنى غير ألفين من المقاتلين، وأرسل المثنى بالخبر مع عبد الله بن زيد لعمر بن الخطاب، ويبكي عمر على المنبر، ويُعلِم المسلمين حتى يستنفرهم للخروج مرة أخرى؛ لمساعدة الجيش الموجود في العراق.

    عودة الروح

    بعد أن انسحب المثنى بقواته من الجسر، فعل شيئًا غريبًا، فقد وصل إلى منطقة الحفير، وتابعتهم بعض قوات الفرس في اليوم الثاني للمعركة 24 من شعبان.. يأخذ المثنى مجموعة من الجيش ويقرر الهجوم على الجيش الفارسي لسحب فرحة النصر منهم، وتقدم صوب أُلَيِّس, ووجد حامية صغيرة من الفرس تسير على نهر الفرات، فيحاصرها ويقتل من فيها.. ورغم صغر حجم هذه الموقعة إلا أنها أحدثت هزّة عنيفة في الفرس, فلم يكن الفرس يتوقعون على الإطلاق أنه ما زالت لدى المسلمين قوة تمكنهم من الدخول في أي قتال أو معارك بعد الجسر، كما أحدثت هذه الموقعة الصغيرة رفعًا لمعنويات الجيش الإسلامي.

    معركة البويب رمضان 13هـ

    توجه الجيش الفارسي من المدائن في طريقه إلى الحيرة، وذلك لمقابلة المثنى بن حارثة الذي يعسكر بجوار الحيرة، وعلمت المخابرات الإسلامية بهذا الأمر واستفاد المثنى من الأخطاء السابقة ومن خبراته مع خالد بن الوليد ، فقرر أن يختار هو مكان المعركة، وتوجه بجيشه إلى منطقة تُسمَّى البُوَيْب، وأرسل رسائل إلى أمراء القوات الإسلامية القادمة من المدينة بأن يتوجهوا إلى هناك، وكان المكان الذي اختاره في غرب نهر الفرات.. فهذا النهر يفصل بين الجيش الإسلامي والجيش الفارسي القادم من المدائن، وجاء المدد الإسلامي وانضم إلى جيش المثنى ، وأصبح قوام الجيش ثمانية آلاف، والجيش الفارسي ما بين الستين والسبعين ألفًا على الضفة الأخرى لنهر الفرات.

    وأرسل الجيش الفارسي -كالعادة- رسالة إلى المثنى ، فيها: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فأجاب المثنى الفرس بأن يعبروا هم إلى المسلمين.. كان المثنى قد نظم جيشه جيدًا، فجعل على الميمنة بشير بن الخصاصية ، وعلى الميسرة بُسر بن أبي رُهم، وكان المثنى في مقدمة الجيش، وجعل فرقة في الجيش باسم فرقة الاحتياط كانت في المؤخرة لا تشترك في القتال، وعلى رأس هذه الفرقة مذعور بن عدي، وفرقة للخيول على رأسها أخوه مسعود بن حارثة، وعلى فرقة المشاه المُعَنَّى بن حارثة، وبدأ يحفِّز الجيش للقتال، ويمر على كل قبيلة بمفردها قائلاً لأهلها: والله لا نحب أن نُؤتى من قبلكم اليوم، ولا أكره شيئًا لي إلا أكرهه لكم. وأصبح الجيش المسلم مهيأ للقتال جيدًا، وبدأ الجيش الفارسي يعبر الجسر الضيق إلى أرض حاصرها المسلمون في كل مكان، ويتكرر المشهد.

    فعندما يعبر الفرس يكونون شرق نهر الفرات، وفي غربهم البحيرة، وفي شمالهم نهر البويب، والجيش الإسلامي يحاصر المنطقة بأكملها، وتدخل القوات الفارسية في المنطقة الضيقة ويفتقد جيش الفرس عنصر الكثرة؛ لأن المساحة التي تركها المسلمون للفرس ضيقة، ويقف جيشهم بكامله صفوفًا بعضهم خلف بعض، ويقابل صفهم الأول فقط صف المسلمين الأول، ولا يستطيع أحد الدخول في المعركة في الصف الأول من كلا الجيشين، فلا قيمة لعدد الجيش إذن، وإنما يُبنى النصر أو الهزيمة على مدى قوة الصف المحارب من كلا الفريقين، وإن كان على المسلمين أن يحاربوا وقتًا طويلاً؛ نظرًا لكثرة الجيش الفارسي -وكان هذا اختيارًا موفقًا من المثنى - وتعويضًا لما حدث في معركة الجسر من اختيار سيئ لأرض المعركة.

    كانت فرسان الجيش الإسلامي في المقدمة وفي مقدمة الفرس ثلاثة أفيال، وأوصى المثنى جنده بالصبر في القتال، وبالفعل صبروا كثيرًا؛ ونظرًا للتدافع الشديد من قبل الفرس بدأ الفرس يهجمون على ميمنة الجيش الإسلامي بقيادة بشير بن الخصاصية ، وكان المثنى وهو في المقدمة قد رأى اعوجاجًا في صف البشير، فأشار إلى أحد الرسل أن يذهب إليهم ويقول لهم: الأمير يُقرِئكم السلام ويقول لكم: لا تفضحوا المسلمين اليوم.

    وفكر المثنى بعد أن رأى صفوف الفرس الكثيرة متلاحمة تلاحمًا قويًّا ويصعب السيطرة عليها وهي بهذا الوضع، فقرر أن يفرِّقها لينتصر عليها، فنادى على جرير بن عبد الله وقبيلته بجيلة، وبدأ يضاعف الضربات على وسط الجيش الفارسي، واستطاع الجيش الإسلامي فصل الجيش الفارسي عن بعضه تمامًا، ووفَّق الله جرير بن عبد الله البجلي فقتل مهران بن باذان قائد الفرس، وبدأت قوى الجيش الفارسي تنهار أمام الضغط الإسلامي.

    وبدأ الفرس يفكرون في الهرب، وذهب المثنى بنفسه وقطع الجسر على الفرس الذين يريدون الهروب، وانحصر الفرس في هذا المكان وليس لهم إلا أن يقاتلوا، وبدأ المسلمون في معركة تصفية مع الجيش الفارسي.. انتصر المسلمون انتصارًا ساحقًا، وقُتل أكثر من خمسين ألفًا من أهل فارس.

    ومع أن قطع المثنى كان أحد أسباب النصر للمسلمين والهزيمة للفرس إلا أن المثنى حزن لهذا الأمر؛ لأنه أكرههم على القتال، وكان يجب ألا يُقطع خط الرجعة على الفرس، وندم المثنى وأوصى جيشه بعدم تكرار هذا الأمر في المعارك الأخرى. ولأنه ظن أنه أخطأ، جمع جيشه وعلّمه الصواب، معترفًا بخطئه غير متعالٍ على جنده.

    تتبع الفارين وفتح السواد

    بعد هذا الانتصار ارتفعت المعنويات الإسلامية إلى درجة عالية.. لذا لم يكتف المثنى بما تم، وأرسل قواته لتتبع الفارِّين، ولفتح الأراضي التي كانوا قد تركوها منذ فترة قصيرة، وأرسل مجموعة من القواد مع جيوشهم إلى منطقة السواد ما بين دجلة والفرات، وانتشرت القوات الإسلامية تفتح هذه الأراضي التي كانت قد عاهدت المسلمين من قبل ثم نقضت عهودها معهم، واستخلف المثنى بشير بن الخصاصية على الحيرة، وظل هو في البويب يدير الموقف.

    وقد تم للقوات الخمس التي أرسلها المثنى فتح الجزيرة، وكانت في منطقة ساباط قلعة يوجد بداخلها مجموعة من الفرس قد رفضوا الاستسلام، فأرسل عصمة وعاصم وجرير بن عبد الله إلى المثنى يطلبون رأيه في هذا الأمر، فأذن لهم بحصارها وقتالها، وحاصرت القوات الإسلامية الثلاث هذه المنطقة وتم فتح قلعة ساباط في هذه الموقعة (ساباط)، وبهذا سيطر المسلمون على هذه المنطقة كلها ما بين الأبلة وحتى المدائن.. كان هذا شيئًا عظيمًا للمسلمين بعد الهزيمة الكبيرة في معركة الجسر، وبعد أن ظن الفرس أنه لا قيام للجيش الإسلامي، لكن أراد الله أن يستكمل المسلمون النصر في هذه الموقعة.



    ***************************************************************

    عين جالوت .. والقضاء على القوى العظمى



    عندما نتحدث عن عين جالوت التي سقط فيها جيش التتار، فإننا نتحدث عن موقعة بالفعل غيرت خريطة العالم، ورفعت كابوسًا من أكبر الكوابيس التي مرت بها الأمة الإسلامية وغير الإسلامية.. العالم كله كان قد عانى معاناة شديدة من كارثة كادت تقضي على كل صور ومظاهر الحضارة في العالم، لولا موقعة عين جالوت التي ردت للناس الأمة والأمان في العالم كله.

    ظهور التتار.. وحال الأمة

    قبل أن نتحدث عن عين جالوت لا بد أولاً أن نعرف من هم التتار الذين سقطوا في الموقعة.. التتار دولة ظهرت على حدود الصين في منغوليا سنة 603هـ، وأنشأ هذه الدولة أحد أكبر سفاحي ومجرمي العالم جنكيز خان، كان شخصية دموية إلى أقصى درجات التخيل، وكان عنده قدرة كبيرة على القيادة والتجميع، فجمع أعدادًا هائلة من التتار، وفي غضون عشر سنوات تقريبًا استطاع أن يضم كل منغوليا التي ظهر فيها، وكل الصين وكوريا وتايلاند وكمبوديا، كل ذلك دولة واحدة أصبح رئيسها جنكيز خان، الذي بدأ بعد ذلك يتطلع إلى ما بعدها، وكانت المملكة الخوارزمية -وهي جزء من الممالك الإسلامية، وهي الآن كازاخستان وأوزبكستان وباكستان وأفغانستان- ملاصقة له، وبدأ يغزو تلك البلاد واستطاع بالفعل أن يجتاح العالم الإسلامي اجتياحًا غير متخيل، لدرجة أنه في سنة 617هـ استطاعت جيوشه أن تحتل العالم الإسلامي من غرب الصين إلى شرق العراق، وتلك مساحة لا تتخيل من الأرض والكثافة السكانية العالية.. وسبحان الله جيوشه كانت في منتهى القوة والعنف والإرهاب!!

    وهذا يظهر لنا الوضع الذي كان عليه المسلمون؛ ضعف شديد.. فرقة وبعد المسئولين عن الدين.. وتمسك المسلمين بالدنيا.. وانفصال الحكام عن المحكومين.. أمور وأمراض كثيرة أدت لهذا الهوان الذي وصلت إليه الأمة، وبالتالي اجتاحت جيوش التتار كل هذه المساحات. والتتار أدخلوا في حكمهم خلال هذه السنة 617هـ كازاخستان وباكستان وأوزبكستان وأفغانستان وتركمانستان وأجزاء ضخمة جدًّا من إيران شمال وشرق وغرب إيران وأذربيجان كلها، وأرمينيا ولم تكن مسلمة كانت نصرانية، والكورج دولة جورجيا الآن، والشيشان ودخيستان وجنوب روسيا، كل هذا في عام واحد.

    الاجتياح التتري البربري

    دموية التتار شديدة تجعل من السهل أن نذكر أن التتار ما دخلوا بلدًا إلا وقتلوا كل سكانها؛ رجالاً ونساء وأطفالاً، محاربين ومدنيين، كل شيء يقتل، يأخذ البلد بكل ثروتها، ويزيح السكان من طريقه..

    من أشهر الأمثلة غزو مدينة (مروى) الإسلامية التي كانت من حواضر العلم والثقافة والاقتصاد، وهي تقع بين التركمانستان وإيران، وهذه المدينة سكانها كانوا 900 ألف، 200 ألف خرجوا لمحاربة التتار وفنوا عن آخرهم، ودخل التتار وحاصروا المدينة وأعطوا الأمان لأهلها، وخرج أهل المدينة بعهد الأمان، لكن التتار كالعادة خانوا العهد وسفكوا دم 700 ألف، قتلوا المدينة كلها ولم يبق بها حي واحد. واختفت (مروى) ولم يعد لها وجود حتى على الخريطة، وهكذا أكثر من مدينة.

    والتتار لم يكتفوا بغزو العالم الإسلامي فقط، لكن جاوزوه بعد ذلك إلى أوربا؛ لهذا أقول: إن المعاناة التي عانى منها الناس ليست معاناة إسلامية فقط، لكنها معاناة إنسانية عالمية من جيوش التتار.

    ودخلوا على أوربا في الثلاثينيات من القرن السابع الهجري من 629 إلى 634هـ، اجتاحوا كل روسيا 17 مليون كيلو متر مربع، سقطت كلها ودمرت موسكو عن آخرها، وجاوز تركيا على أوكرانيا ودمروا كييف العاصمة، ثم اتجهوا إلى بولندا، وتعاون ملك بولندا وملك ألمانيا لحرب التتار، فسحق الجيش البولندي والألماني، وانتقلوا إلى المجر وكرواتيا، ووصلوا إلى ساحل البحر الأدرياتي، نصف أوربا الشرقية كله تحت حكم التتار، وأصبحت دولة التتار سنة 639هـ تصل من كوريا شرقًا إلى بولندا غربًا، كل آسيا ونصف أوربا.

    وبعد ذلك وفي سنة 656هـ استطاعوا إسقاط الخلافة العباسية وقتل الخليفة المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين، وبذلك سقط الكيان الذي جمع الأمة الإسلامية أكثر من 500 سنة وأكثر، وعندما دخلوا بغداد قتلوا مليون مسلم، وسكان بغداد في ذلك الوقت 3 ملايين، قتلوا ثلث السكان وكانت أكبر مدينة في العالم، وبعد موقعة التتار اختفى ذكرها من الكتب ولم يعد إلا في القرن العشرين؛ لأن بغداد أصبحت مدينة لا وزن لها، إذ إن معظم السكان ماتوا ومعظم عمالقة الشعب ماتوا، العلماء الفقهاء الحكام الأمراء الوزراء المفكرون، كل من له رأي أو قول في بغداد قُتل في البداية، إضافةً إلى تدمير الثروات والقصور والديار، وأشهر ما دمر في بغداد هي المكتبة عندما ألقوا بعصارة فكر الإنسانية كلها في نهر دجلة؛ ليختفي بذلك كم هائل من العلوم ليس في علوم الشريعة فقط، لكن في كل مجالات الحياة علوم فقه وتفسير وأخلاق وعقيدة، إضافة لعلوم الطب والفلك والهندسة وكيمياء وفيزياء وجغرافيا وكل علوم الحياة.

    قطز.. وبناء الأمة

    لم يتخيل أحد أن مصر ممكن أن تقف أمام هذا الكائن الضخم، لكن قطز -رحمه الله- بدأ بسياسة في منتهى الروعة في تأهيل الوزراء والأمراء والجيش والشعب لهذه الموقعة، وكل التأهيل والوقت كان عشرة أشهر فيها وجه الشعب إسلامي واضح.. جعل القضية قضية إسلامية في المقام الأول، يصرف فيها المسلم دمه وروحه وماله من أجل الله ، وكل القتال الذي سبق وسقوط المسلمين كان لأن المسلمين كانوا يدافعون عن دنياهم ولا يدافعون عن دينهم، حتى الشعوب نفسها لم تكن في ذهنها قضية الدين، وقطز -رحمه الله- بدأ يعيد الناس مرة أخرى إلى الله I، وكان كل هدفه قتال وهؤلاء الذين احتلوا نصف العالم تقريبًا في سنوات معدودات، ويستكملون النصف الآخر إذا ما سقطت مصر؛ لأن مصر بوابة إفريقيا.

    وقطز بدأ ينمي فيهم الروح والحمية وحرك في الناس روح الإيمان، وكان للعلماء دور مهم في مصر.. وأعطى للأزهر وعلمائه دورًا كبيرًا جدًّا، وكان على رأس العلماء العز بن عبد السلام سلطان العلماء الذي كان يحب قطز حبًّا شديدًا جدًّا، ويرى أنه أفضل المسلمين بعد عمر بن عبد العزيز.. وبدأ العلماء يقومون بدورهم نحو الشعب، وبدءوا يرفعون قيمة الجهاد في سبيل الله، الكل يسعى للجهاد والشهادة.

    وبعد هذا، قام قطز بشيء مهم جدًّا، ألا وهو القدوة، لم يجلس قطز في قصره الأمن يحرك الجيوش وهو بمعزل عن الخطر، لكنه فعل مثلما كان الرسول يفعل، كل شيء بيده قبل يد الصحابة.. هكذا فعل قطز أول ما صعد لكرسي الحكم قال: لم أصعد لهذا الكرسي إلا لقتال التتار. وقال كلمة جميلة: أنا ألقى التتار بنفسي. وكان قطز أول من يسمع لكلام العلماء؛ لذا وافق العز بن عبد السلام عندما رفض فرض الضرائب على الشعب لتجهيز وإعداد الجيش إلا بعد أن ينتهي المال من بيت المال ويرد الوزراء والأمراء الأموال التي أخذوها من بيت مال المسلمين، وعندما سمع قطز تلك الفتوى قال: أنا أول من يفعل ذلك. ولم يُبقِ في بيته شيئًا إلا الفرس والسلاح.

    لم يكن قطز لديه مطمع في حكم وسلطان.. شاب صغير لم يبلغ من العمر 35 عامًا على درجة عالية من الفقه والعلم والدراية، ولم يفكر في شيء من متاع الدنيا، ولم يطلب سوى الآخرة بوضوح.. بعد ذلك خطا قطز خطوة رائعة في تاريخ الإنسانية؛ لأنه بدأ يوحِّد الصف مع المسلمين الذين كانوا على خلاف شديد معه قبل ذلك.. نسي كل ذلك، ووضع يده في يد المماليك البحرية التي تتبع نجم الدين أيوب، والتي كان على رأسها الظاهر بيبرس، وكان هو على رأس المماليك المعزية التي تتبع عز الدين أيبك، وكان بينهم خلاف وصراع شديد.. نسي كل الخلافات، وأصدر عفوًّا حقيقيًّا عن المماليك البحرية، وطلب منهم تكوين جيش واحد لمحاربة التتار، ووضع على رأس الجيش المصري (فارس الدين أقطاي الصغير)، وهو غير أقطاي الذي قتله مجموعة من المماليك المعزية، وليس قطز كما يدَّعون. وللعلم والتاريخ فإن بيبرس أيضًا لم يقتل قطز، وغير ذلك تزوير في التاريخ، ومحاولات لتشويه الرموز الإسلامية الكبرى.

    المهم أن قطز بعد ذلك وحَّد مصر مع الشام، رغم أنهم كلهم كانوا خونة وعملاء؛ الناصر يوسف الأيوبي حاكم دمشق كان يوالي الصليبيين مرة والتتار مرة أخرى، ورغم هذا طلب منه وحدة الأمة تحت رئاسته، رغم أن قطز كان في موقف قوة، وأرسل له كلمات جميلة جدًّا "إن اخترتني خدمتك"، وهذا تجرد ورقي في الأخلاق.. وأرسل قطز للمغيث فتح الدين عمر أمير الكرك -في الأردن الآن- وللأشرف الأيوبي أمير حمص الموالي للتتار، ولأمير حماة، ولأمير بانياس.. أرسل لأكثر من منطقة من مناطق الشام لتوحيد الصف، منهم من رفض ومنهم من جاء.. المهم أنه في النهاية كوَّن جيشًا من المسلمين المصريين والشاميين، وأهل فلسطين بعد ذلك انضموا للجيش بعد خروج الجيش لحرب التتار، واختار مكان الموقعة في فلسطين، مع أن كل الأمراء رفضوا أن تكون الحرب في فلسطين، لكن قطز -رحمه الله- حوَّل الأمر إلى قضية إسلامية، إضافةً إلى البعد الأمني القومي لمصر من الناحية الشرقية.

    ولا يمكن لمصر أن تقبل بوجود عدو قوي يحتل فلسطين وتبقى هي في أمان، بالتأكيد أمانها يكون مهددًا، وهذا مثل الوضع الذي نعيشه الآن.. وقصة التتار شديدة التشابه مع واقعنا المعاصر؛ لذا دراستها بنوع من التركيز أمر في غاية الأهمية.. المهم وحد قطز الجيوش وخرج بها، واختار مكان الموقعة في عين جالوت، ورتب جيوشه ترتيبًا محكمًا، وأعد العُدَّة بشكل في منتهى الروعة عسكريًّا وتنسيقًا للجيش ومن ناحية الخطة، وسبق لمكان المعركة قبل جيش التتار، وبالفعل التقى مع جيش التتار يوم 25 رمضان سنة 658هـ في موقعة من أشرس المواقع في تاريخ البشرية.

    خداع وثبات وانتصار

    قطز -رحمه الله- رتب الجيش في سهل عين جالوت الذي يشبه حدوة الحصان، مفتوح من الشمال والشرق والغرب والجنوب كله تلال، واستغل هذا الوضع الجغرافي المميز للمكان، وأخفى جيوشه كلها خلف التلال، ووضع المقدمة عند الشمال حتى تغري التتار بالدخول معها في موقعة، وعليها أن تثبت أمام التتار فترة طويلة من الزمن، ثم تسحب جيش التتار إلى داخل سهل عين جالوت، ثم تنزل الجيوش الإسلامية ككمين وخدعة.. تلك المقدمة كانت بقيادة ركن الدين بيبرس، وتمثل أقوى قطاع في الجيش الإسلامي، معظم المقاتلين فيها من أمهر عساكر وجنود المسلمين.

    وفعلاً بعد شروق شمس يوم الجمعة 25 رمضان دخل جيش التتار من بعيد.. شاهد الجيش الإسلامي مقدمات الجيش بسيطة جدًّا، بدأ يقترب، وهنا بدأ قطز يعطي أوامر بنزول المقدمة كلها، ونزلت المقدمة بشكل عجيب جدًّا، يرويها أحد الرواد اسمه (صارم الدين أيبك)، وهو مسلم في جيش التتار يحب المسلمين ويظهر للمسلمين التعاون مع التتار ويرسل رسائل للمسلمين تدل على أخبار التتار.. وصارم هذا أسره التتار، وأظهر لهم التعاون معهم والتتار صدقوه، وقبل المعركة بليلة أرسل رسالة تدل المسلمين على مواضع القوة والضعف في جيش التتار دون سابق معرفة للمسلمين به.. وقطز -رحمه الله- كان ينزل الجيش عن طريق الموسيقى، وكان عنده فرقة عسكرية مملوكية على أعلى مستوى، وكل تحرك للجيش له ضربات موسيقية محددة، هناك ضربات للميمنة والميسرة وللتقدم والانسحاب، كان يدير الجيش من الخلف عن طريق الموسيقى.. وبدأ يضرب الضربات لنزول المقدمة لإغراء كتبغ قائد جيش التتار للهجوم والحرب..

    ونزول المقدمة كان له شكل مميز، صوَّره لنا صارم الدين أيبك المسلم في جيش التتار الذي يقف إلى جوار (كتبغ نوين) زعيم التتار، أول ما ضربت الموسيقى نزلت أول فرقة في المقدمة ترتدي لباسًا أحمر في أبيض، وكما يقول صارم أيبك في غاية الأناقة ويرتدون العُدد المليحة، ومعهم أحصنة في منتهى القوة، وكأنهم في عرض عسكري.. وأول ما نزلوا بهذا الشكل كما يقول صارم أيبك بهت كتبغ، وبهت من معه من التتار، ثم قال: يا صارم، رمق من هذا؟ قال له: هذا رمق سنقر الحلبي، هذه فرقة شامية بداخل الجيش المملوكي. بعدها نزلت فرقة ترتدي أصفر في أصفر، وسأل كتبغ رمق من هذا؟ قال له صارم: رمق جلبان الرشيدي أحد أمراء المماليك. وتتابعت الفرقة كل فرقة بلون شكل، ويسأل كتبغ وما رمق هذا ويقول صارم: فصرت أقول له أي اسم يأتي على ذهني؛ لكي يرعبه.

    وفي النهاية كلها مجموعة قليلة، لكن ألقى الله I الرعب في قلب كتبغ من هذه المجموعة القليلة، وعندما اكتمل نزول المقدمة وقفت في السهل تنتظر القتال، فوجدهم كتبغ مجموعة قليلة وجيشه وراءه ضخم هائل، فأسرع لقتال المسلمين وثبت المسلمون لا يتحركون، وتردد التتار في الهجوم، وهنا أمر قطز المقدمة بالهجوم على جيش التتار، ودارت الموقعة من شروق الشمس إلى الظهيرة بالمقدمة فقط، والغرض إرهاق التتار لأكبر درجة ممكنة والثبات في مقدمة سهل عين جالوت عند الفتحة الشمالية.

    بعد منتصف النهار، بدأ جيش التتار يتعب وجيش المسلمين يتعب، وهنا قطز يراقب الموقف عن بُعد، وأمر الموسيقى تدق دقات لبداية الجزء الثاني من الخطة الإسلامية، وهي عبارة عن سحب جيش التتار داخل سهل عين جالوت، وهذا يحتاج من بيبرس وجيش المقدمة إلى تقاتل قتال المنهزم، ولكن بشكل متوازن حتى لا يشعر كتبغ بدخوله لسهل عين جالوت.. وبدأ بيبرس في تنفيذ الخطة وبدأ ينسحب، وانخدع جيش التتار وسار خلفه.. ثم ارتكب كتبغ نوين خطأ فادحًا أشبه ما يكون بخطأ أبي جهل عندما دفع الكفار لحرب المسلمين، وهو أنه دفع بجيشه كله داخل السهل دون أن يترك أي حماية خارجه؛ طمعًا في إنهاء الموقعة في أسرع وقت.

    وفعلاً سحب بيبرس جيش التتار كله داخل السهل، وهنا أعطى قطز الأوامر بالجزء الثالث من الخطة، وهي إغلاق فتحة السهل الشمالي لقطع خط الرجعة على التتار، ونزول باقي الجيش لأرض المعركة، وتحيط بالتتار من كل جانب.. وجيش التتار أكبر من جيش المسلمين، وكادت الميسرة تسقط ولم يجد قطز إلا حلاًّ واحدًا، وهو أن ينزل بنفسه إلى ميسرة المسلمين لمواجهة ميمنة التتار القوية، وصاح صيحته المشهورة "واإسلاماه.. واإسلاماه" ثم نزل في وسط الجيوش، فوجئ الجيش بأن القائد الأعلى للجيش ولمصر كلها وسط المعركة بسيفه ودرعه، وأعطى حماسة شديدة للجنود، وبعد لحظات من نزول قطز للمعركة أصيب فرسه بسهم وقاتل ماشيًا، وجاءه أحد القواد بفرسه فقال له: "ما كنت أحرم المسلمين نفعك"! وقاتل ماشيًا إلى أن أحضروا له فرسًا من الاحتياطي، ولامه أحد الأمراء الآخرين على هذا، وقال له: لماذا لم تأخذ الفرس؟ لو قُتلت لهلك الإسلام بسببك. فقال له قطز: أما أنا لو قتلت لكنت أذهب إلى الجنة، وأما الإسلام فيقيم الله له من يحفظه إلى يوم الدين.

    وأثناء المعركة استطاع جمال الدين أعكوش الشمسي أحد أمراء الشام الذين انضموا إلى المسلمين، الوصول إلى كتبغ نوين وقتله، وبسقوط رأس كتبغ نوين انهارت معنويات التتار تمامًا، وبدءوا يفرون من أرض المعركة، واستطاعوا بالفعل فتح جزء من الفتحة الشمالية وهرب منها التتار في اتجاه بيسان على بعد 20 كيلو مترًا شمال شرق عين جالوت، ولم يتركهم المسلمون. وفي بيسان تمت موقعة أخرى في نفس اليوم، وكان القتال هناك أعنف وأشد من عين جالوت في الصباح، وأقصى طاقات التتار خرجت في هذه الموقعة، وكادت الغلبة تكون للتتار، وصاح قطز من جديد الصيحة الخالدة: (واإسلاماه) ثلاث مرات، ثم رفع يده للسماء وقال: يا الله! انصر عبدك قطز على التتار. وهو يقول: لست أنا الملك المظفر، لست حاكم مصر، ولا أنا السلطان، إنما أنا العبد، انصر عبدك قطز على التتار.

    كان هذا الخشوع منه في الدعاء من قلبه بمنزلة الجبل الذي سقط على جيش التتار فأهلكه تمامًا، خارت قوى التتار بعد هذه الكلمات، واستطاع المسلمون أن يحيطوهم من كل جانب، وأهلكوهم تمامًا.

    وبعد هذه الموقعة يكفي أن نذكر أن جيش التتار قُتل وفني كله، ولم يبق منه جندي واحد.. وانتهت أسطورة التتار في موقعة عين جالوت موقعة اليوم الواحد.. كل تلك القصة حدثت وقطز صعد إلى العرش في 24 ذي القعدة سنة 657هـ، والموقعة حدثت في 25 من رمضان سنة 658هـ، يعني كل القصة عشرة أشهر منذ صعوده إلى العرش إلى أن حقق النصر في عين جالوت.. شيء إعجاز بكل المقاييس، ولا نستطيع أن نقول إلا قوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126]. وهذا النصر تحقق بالنيات الصالحة والصدق والعودة إلى الله ، فأيدهم بنصره، وهرب التتار، وأمنت هذه المنطقة، وبعد بيسان دخل دمشق فلم يجد فيها تتاريًّا واحدًا؛ فأهل دمشق عندما وصلتهم أنباء النصر قتلوا الحامية التتارية هناك، وكذلك أهل حلب، وبدأت الصحوة في كل مكان.

    وبعد عين جالوت اختفى ذكر التتار من التاريخ في هذه المنطقة، وولدت دولة المماليك التي حملت راية الإسلام قرابة ثلاثة قرون متصلة، وهي التي خلصت المسلمين -بعد التتار- من الصليبيين الذين كانوا موجودين في الشام وفلسطين.


    ***************************************************
    وما زلنا مع أنتصارات رمضان
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود فتح جزيرة رودس .. قاعدة مهمة للبحرية الإسلامية

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت يوليو 21, 2012 12:49 am

    فتح جزيرة رودس .. قاعدة مهمة للبحرية الإسلامية



    لم يكن للمسلمين عهد بركوب البحر أو الحرب في أساطيله، لكنهم وجدوا خلال فتوح الشام أن الأسطول البيزنطي مصدر تهديد خطير ومباشر لأمنهم، وأمن المناطق المفتوحة واستقرار الإسلام فيها، فأدركوا أن بناء أسطول إسلامي ضرورة استراتيجية حيوية.. ولما وَلِيَ معاوية بن أبي سفيان الشام، ألح على عمر الفاروق في غزو البحر؛ وذلك لقرب الروم من السواحل العربية، وحَارَ عمر، وشغل قلبه، أيسمح للناس بركوب البحر وما ركبوه من قبلُ مجاهدين فيه؟!

    أمام هذه الحيرة، كتب عمر إلى عمرو بن العاص واليه على مصر قائلاً: "صف لي البحر وراكبه؛ فإن نفسي تنازعني عليه". فكتب عمرو إلى عمر مجيبًا على رسالته: "إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلق صغير، ليس إلى السماء والماء، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين بالنجاة قلةً، والشك كثرةً، هم فيه كَدُود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق".

    قرأ عمر الفاروق كتاب عمرو بن العاص، وأرسل قراره الذي اتخذه إلى واليه على الشام معاوية قائلاً: "والذي بعث محمدًا بالحق، لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا، وبالله لمسلم واحد أحب إليَّ مما حوت الروم".. ووقف عمر موقفه هذا لأسباب؛ منها خوفه على أرواح المسلمين، حيث إنهم ما عهدوا ركوب البحر مقاتلين فيه، ودولة الروم دولة عريقة في علوم البحار وفنونه، فهو منعهم من الغزو في البحر شفقةً عليهم.. عمر لم يعارض في بناء أسطول حربي؛ لأنه يعلم أن أسطولاً يُبنى في سواحل بلاد الشام في عكا وآخر يُبنى في مصر، وليس المهم عنده أن يغزو، إنما المهم كسب وتأمين أسباب النصر، وسيَحِين موعد انطلاق البحر.

    وعندما ولي عثمان الخلافة كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر، وبعد أن استكمل معاوية الاستعدادات، وافق عثمان على طلبه ولكنه اشترط عليه شروطًا، فكتب إليه: "لا تنتخب الناس ولا تُقرع بينهم، خيِّرهم، فمن اختار الغزو طائعًا، فاحمله وأعنه".

    الأسطول في عهد معاوية بن أبي سفيان

    عندما تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة اهتم بالأسطول الإسلامي، واختار أمهر الصناع لصناعة السفن في مصر والشام، وأدى التعاون بين مصر والشام في صناعة السفن إلى نتائج ممتازة، في الشام كانت تتوافر أخشاب الصنوبر القوي والبلوط والعرعر التي تصلح لبناء السفن، وفي مصر كانت توجد الأخشاب التي تصلح لعمل الصواري وضلوع جوانب السفن والمجاديف؛ مما أدى لازدهار البحرية الإسلامية.

    وعمل معاوية بن أبي سفيان على تقوية الثغور البحرية في مصر والشام، وقام بتحصين المدن الساحلية وتزويدها بالقوات المجاهدة، ووضع نظام الرباط وهو الأماكن التي تجمع بها الجند والركبان؛ استعدادًا للقيام بحملة على أرض العدو.

    فتح جزيرة رودس

    رودس هي جزيرة تقع في اليونان، تعرف الجزيرة تاريخيًّا بكونها موقع وجود أبولو رودس سابقًا، وهو إحدى عجائب الدنيا السبع. تقع بالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا، في منتصف المسافة بين جزر اليونان الرئيسية وقبرص. تُعَدُّ رودس أبعد الجزر الشرقية بالنسبة لليونان وبحر إيجة، وتبعد عن غرب تركيا بحوالي 18 كلم. في عام 2001م بلغ عدد سكانها 117792 نسمة، منهم 55 إلى 60 ألفًا يعيشون في مدينة رودس. وتعتبر رودس من أكبر جزر الدوديكانيز في بحر إيجة، وهي أرض جبلية أعلى جبالها جبل طوروس، الذي يبلغ ارتفاعه 1240 مترًا.

    ويقول ابن كثير عن فتح رودس: "ثم دخلت سنة ثلاث وفيها افتتح المسلمون -وعليهم جنادة بن أبي أمية- جزيرة رودس، فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم عنده فيه حوائجهم ودوابهم وحواصلهم، ولهم نواطير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمرة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فحوَّلهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزراعات غزيرة". يقول البلاذري عن جنادة بن أبي أمية: "وجنادة أحد من روى عنه الحديث، ولقي أبا بكر وعمر ومعاذ بن جبل، ومات في سنة ثمانين".

    دوافع فتح رودس

    بشيء من التفصيل نقول: إن معاوية بن أبي سفيان اتجه إلى إسقاط العاصمة البيزنطية القسطنطينية، فأعد لذلك عدة هائلة لتحقيق هذا الأمل الخطير، وكانت هذه العدة تشمل ثلاثمائة مركب ثقيلة عليها أسلحة، وكل مركب تحمل ألف رجل، وتشمل خمسمائة مركب خفيفة تحمل كل منها مائة جندي.. وحرص معاوية على أن يسيطر على جزر البحر المتوسط لتأمين أسطوله الزاحف للقسطنطينية، ولم يكن المسلمون قد احتلوا حتى عهد معاوية غير جزيرة قبرص، فاتجه معاوية لاحتلال جزر أخرى حتى يضمن الأمان لأسطوله، وتكون هذه الجزر محطات تموين للأسطول. وكانت رودس جزيرة شديدة الأهمية للمسلمين؛ إذ تقع قرب ساحل آسيا الصغرى، وكان الروم يغيرون منها على مراكب المسلمين ومدنهم الساحلية؛ ولهذا بدأ بها المسلمون وفتحا الله عليهم في رمضان عام 53هـ.. وأسرع معاوية فأنزل بها أسرًا إسلامية، ورتب لهم العطاء، وأصبحت جزيرة رودس قاعدة مهمة للبحرية، فكانت مركز اطمئنان لقوات المسلمين، ومركز ذعر لقوات الأعداء، وقد ساعدت كثيرًا على فتح جزر أخرى بالبحر المتوسط، وبالتالي على حصار القسطنطينية.

    هكذا كان فتح رودس والاستيلاء عليها خطوة مهمة لدعم القوات الإسلامية والنكاية بالقوات البيزنطية، التي كانت تعد البحر المتوسط بحيرة تابعة لها، وقد انتهى هذا الادعاء بالزحف الإسلامي في البر والبحر الذي شهد رمضان المعظم بعض مآثره.. بعد استيلاء المسلمين على رودس أمر ببناء حصن بها، وجعلها رباطًا يدافعون منه عن الشام، وأراد معاوية بن أبي سفيان أن يعلي راية الإسلام بين أهاليها، فأرسل إليها فقيهًا يُدعى مجاهد بن جبر.

    رودس بعد معاوية

    أقام المسلمون برودس سبع سنين في حصنٍ اتخذ لهم، فلما مات معاوية كتب ابنه يزيد إلى جنادة يأمره بهدم الحصن والرجوع. ولما كان مسلمة بن عبد الملك في طريقه إلى القسطنطينية فتح ردوس مرة ثانية في عهد سليمان بن عبد الملك، وبعد فشل حصار القسطنطينية أفلتت الجزيرة من يد المسلمين، ثم حاول الخليفة هارون الرشيد فتح رودس، ولكنها بقيت تابعة لبيزنطة حتى استولى عليها فرسان الصليبيين.. وظلت رودس خاضعة للصليبيين حتى انتزعها العثمانيون.

    دورهم في الحروب الصليبية

    من المعروف أن فرسان رودس أو فرسان الإستبارية كان لهم دور مهم في الحروب الصليبية، وقامت هذه الطائفة في القرن الحادي عشر الميلادي، بالاعتناء بالمرضى من الحجاج النصارى في مستشفى بمدينة بيت المقدس، وبعد أن نجح الصليبيون في ضم بيت المقدس عام 492هـ/ 1099م قام أحد الرهبان -ويُعرف باسم جيرارد- بتكثيف نشاطه في بيت المقدس، وأقام فنادق ومستشفيات مشابهة لما في المدن الإيطالية وعلى الطرق المؤدية إلى الأراضي المقدسة في فلسطين، وبمرور الوقت أصبحت هذه المؤسسات على درجة كبيرة من الغنى والقوة، وازداد نشاطها ليشمل العناية بالمرضى والفقراء وإعلان الحروب على المسلمين.

    الفرسان وجزيرة رودس

    استطاع الفرسان الصليبيون الاستيلاء على جزيرة رودس عام 708هـ/ 1309م، وأخذ هؤلاء الفرسان منذ ذلك الحين يُعرفون باسم فرسان رودس، وازداد نشاطهم في العقدين الثالث والرابع من القرن الرابع عشر الميلادي، وقاموا بشن حملات قرصنة ناجحة ضد بعض الإمارات التركية الموجودة في غرب الأناضول.

    العلاقة بين رودس والعثمانيين

    بدأ النزاع بينهم عندما اعتدت سفن الفرسان على بعض السفن العثمانية عام 747هـ/ 1346م، وحطمتها وأسرت بعض بحارتها العثمانيين، ثم أخذ القتال يتجدد من وقت لآخر، كما شاركت رودس في كل الحملات الصليبية التي نظمتها أوربا ضد الدولة العثمانية، وعلى سبيل المثال فقد أسهمت رودس في تقديم سفنها للعمل جنبًا إلى جنب مع القوات الأوربية التي جُهزت لمحاربة العثمانيين في الحملة الصليبية التي دارت أحداثها في موقعة نيكوبولس عام 799هـ/ 1396م، والتي انتهت بنصر كبير للقوات العثمانية على الحملة الصليبية.

    وفي عهد السلطان محمد الثاني طلب السلطان محمد إلى قائد الفرسان دفع جزية له، إلا أن طلبه رُفض، فقام السلطان بمهاجمة جزيرة كوس التابعة للفرسان في عام 859هـ/ 1455م، ولم يتمكن من الاستيلاء عليها، ومع ذلك فإن قائد الفرسان وافق على دفع الجزية للعثمانيين عام 877هـ/ 1462م.

    ساءت العلاقة بين الدولتين في عام 874هـ/ 1470م عندما أرسل زعيم الفرسان سفينتين للدفاع عن أحد موانيه التي تتعرض للهجوم من قبل السلطان محمد، كما قامت البحرية العثمانية بمهاجمة العديد من الجزر والقلاع التابعة للفرسان في العقد الثامن من القرن الرابع عشر الميلادي، وكان السلطان يكثف حملاته على الجزيرة؛ لأنه يعلم خطورة موقعها لقربها من الأراضي العثمانية.

    فتح رودس على يد السلطان العثماني سليمان القانوني

    تم إعادة فتح جزيرة رودس مرة أخرى في عهد السلطان سليمان القانوني في 7 صفر 929هـ، وكان السبب في فتحها أن لصوصها البحريين كانوا يتعرضون للسفن التجارية العثمانية، وكثيرًا ما يعتدون على الحجاج ويوقعون بهم. وحدث في عهد السلطان سيلمان أنهم اغتصبوا بعض السفن العثمانية ونهبوا ما بها، وقتلوا الكثير من ركابها، فعزم السلطان على فتح تلك الجزيرة؛ ليأمن شر أهلها، فأمر بإعادة جيش وأسطول لفتحها.

    وعندما سمع أميرها (دوفيلييه دوليل اَدم) أن السلطان قادم على فتح الجزيرة أرسل سفراءه إلى السلطان ليرضيه بدفع الجزية للدولة العثمانية، وكان قصده من ذلك كسب الوقت حتى تفرغ الدول الأوربية لمساعدته؛ لأن الحرب كانت قائمة بين فرنسا وألمانيا، والعالم المسيحي في اضطراب لظهور المذهب البروتستانتي. فلم يقبل السلطان اقتراحات دوفيلييه دوليل اَدم، واستمر في تجهيزاته الحربية وخرج بقوة عسكرية مكونة من 300 سفينة حربية و400 سفينة نقالة تحت قيادة بيلان مصطفى باشا، تحمل عشرة آلاف جندي تحت قيادة الوزير الثاني داماد مصطفى باشا، ثم خرج السلطان نفسه بجيش عظيم من البر قاصدًا مرمريس الواقعة على ساحل الأناضول تجاه جزيرة رودس؛ للإمداد والوقوف على حركة جيش العدو.

    وصلت تلك الجيوش إلى جزيرة رودس في شعبان سنة 928هـ، فأخذت السفن تذهب وتجيء أمام حصون مدينة رودس عاصمة الجزيرة، أما السلطان فقد ركب البحر على رأس جيش وصل إلى ميدان القتال وأخذ يدير أمر الحصار بنفسه، ثم أمر جيوشه بالحملة على الحصون ودوام مناوأة العدو، وحاول أهل الجزيرة الدفاع عنها بشجاعة، لكن القوات العثمانية استمرت في الضغط حتى اضطرهم لقبول التسليم بعد حصار دام سبعة أشهر.

    وبعد الاتفاق معهم على شروط التسليم، وصلت إلى الجزيرة سفن أوربية لمساعدتهم، فعاد أمراء الجزيرة إلى نقض ما أبرموه طمعًا في احتمال التغلب على الأتراك بمساعدة السفن الأوربية، وعادت الحرب مرة أخرى، وكبرت الخسارة من الجانبين، وانتهى الأمر بتسليم أمير الجزيرة بمطالب الأتراك، فحضر إلى خيمة السلطان بنفسه وأمضى شروط التسليم، الذي كان بمقتضاه أن يخرج أمراء الجزيرة وأتباعهم بأسلحتهم الخاصة وأمتعتهم، فخرجوا وتسلم السلطان الجزيرة واحتل قلاعها، وكان ذلك في يوم 7 صفر سنة 929هـ، وصارت جزيرة رودس من ذلك اليوم عثمانية.


    *******************************************************
    فتح عمورية .. معركة رد الكرامة



    وقع في عهد الخليفة المأمون فتنةٌ عظيمةٌ كادت أنْ تودي بالخلافة الإسلامية العباسية، وقادها بابك الخُرَّمي، وكان زعيمَ فرقةٍ ضالةٍ، تُؤمن بالحلول وتناسخ الأرواح، وتدعو إلى الإباحية الجنسية.

    وبدأت تلك الفتنة تُطِلُّ برأسها في أذربيجان، ثمَّ اتسع نطاقها لتشمل همدان وأصبهان، وبلاد الأكراد وجرحان، وحاول المأمون أنْ يقضي عليها؛ فأرسل الحملات تَتْرى؛ لقمع تلك الفتنة، لكنه تُوفي دون أن يُحقق نجاحًا، وانتقلت مهمة القضاء على هذه الفتنة إلى الخليفة المعتصم بالله الذي أعانة الله فأخمدها، وأسر قائدها وقتله.

    الروم في بلاد الإسلام

    وكان من نتائج هذه الفتنة أنِ اتَّصل قادتها -وعلى رأسهم بابك- بإمبراطور الروم يستحثُّونه، ويطلبون منه مهاجمة الخلافة الإسلامية العباسية التي انشغلت بقتالهم، وكان مما قالوه له: إنَّ المعتصم لم يُبْقِ على بابه أحدٌ، فإنْ أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحدٌ يمنعك.

    واستجاب ملك الروم "توفيل ميخائيل" لاستغاثة بابك، وجهَّز جيشًا يزيد قُوامه على مائة ألف جندي، وسار به إلى بلاد الإسلام، فهاجم المدن والقرى يقتل ويأسر ويمثِّل، وكانت مدينة ملطيَّة من المدن التي خرَّبها الملك توفيل، حيث قتل الكثير من أهلها، وأسر نساءها المسلمات، حتى إنَّ عددهن بلغ ألف امرأة، وكان يمثِّل بالمسلمين فيقطع آذانهم وأُنوفهم، ويَسْمِلُ أعينهم.

    وكان من بين الأسيرات امرأة هاشمية تُدعى "شراة العلوية"، استغاثت بالخليفة المعتصم في أسرها، ونقل ذلك إليه؛ فلبى استغاثتها.

    كما أنَّ المسلمين جميعًا في سائر الأمصار ضجُّوا واستغاثوا في المساجد والديار، ودخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم، فانشده -قائمًا- قصيدةً طويلة يذكر فيها ما نزل بالمسلمين، ويحضُّه على الانتصار، ويحثُّه على الجهاد، ومنها:

    يا غارة الله قد عاينت فانتهكـي *** هتك النساء وما فيهن يرتكـب

    هبَّ الرجال على أجرامها قُتلت *** ما بال أطفالها بالذبـح تنتهـب

    فخرج المعتصم من فوره نافرًا، عليه درَّاعةٌ من صوفٍ بيضاء، وقد تعمَّم بعمامة الغزاة، وعسكر غربي دجلة، وأرسل طائفة من الأمراء ومعهم جيش كبير إعانة عاجلة للمسلمين، وساروا إلى تلك الديار؛ فوجدوا الروم قد انسحبوا، حينئذ عادوا للمعتصم رحمه الله.

    المعتصم يقصد عمورية

    ولم يكن خليفة المسلمين ليسكت على ما حلَّ بالمسلمين، وكيف يسكت وأصوات الاستغاثات ما زالت تتردَّد أصداؤها في أذنيه، وأسرى المسلمين مع الروم؛ ولذا جمع الأمراء وسألهم: أيُّ بلاد الروم أمنع وأحصن؟ قالوا: عمُّوريَّة، لم يعرض لها أحدٌ من المسلمين منذ كان الإسلام، وهي عندهم أشرف من عاصمتهم القسطنطينية (بيزنطة). فقال: هي هدفنا.

    وبدأ الخليفة يستعدُّ، فاستدعى الجيوش وتجهَّز جهازًا قيل: إنَّه لم يتجهَّز قبله بمثله، ولا غرو في ذلك؛ فالهدف عظيم، وقد أراد الله أن يجعلها حاسمة لا تقوم للروم بعدها قائمة، بل إنَّ أهدافه تعدَّت مجرَّد الأخذ بالثأر وتأديب الروم إلى فتح بلادهم كلها وضمِّها للمسلمين.

    خرج المعتصم إلى عمُّوريَّة في (جمادى الأولى 223هـ/ إبريل 838م)، ولم تكن من عادة الحملات الكبرى الخروج في ذلك الوقت، غير أنَّ الخليفة كان متلهِّفًا للقاء، ورفض قبول توقيت المنجِّمين الذين تنبَّئوا بفشل الحملة إذا خرجت في هذا التوقيت.

    وسار المعتصم في جحافل أمثال الجبال، وبعث الأمراء إلى مناطق الثغور، ووصل إلى قُرب طرطوس، وعند (سروج) قَسَّمَ المعتصم جيشه الجرَّار إلى فرقتين؛ الأولى بقيادة الأفشين، ووجهتها أنقرة، وسار هو بالفرقة الثانية، وبعث "أشناس" بقسم منها إلى أنقرة، ولكن من طريقٍ آخر، وسار هو في إثره، على أن يلتقي الجميع عند أنقرة.

    معركة دزمون

    علم المعتصم من عيونه المنتشرين في المنطقة أنَّ إمبراطور الروم قد كمن شهرًا لملاقاة الجيش الإسلامي على غرَّة، وأنَّه ذهب لمفاجأة الأفشين، وحاول الخليفة أنْ يُحَذِّرَ قائده، لكنه لم يستطع، واصطدم الأفشين بقوات الإمبراطور عند "دزمون"، وألحق الأفشين بإمبراطور الروم هزيمة مدوِّية في (25 من شعبان 223هـ/ 838م)، ولم يَحُلْ دون النصر الضباب الكثيف الذي أحاط بأرض المعركة أو المطر الغزير الذي انهمر دون انقطاع، وهرب الإمبراطور إلى القسطنطينية، وبقي قسم من جيشه في عمُّوريَّة بقيادة خاله "مناطس" حاكم "أناتوليا".

    دخلت جيوش المعتصم أنقرة التي كانت قد أُخليت بعد هزيمة الإمبراطور، وتوجَّهت إلى عمورية فوافتها بعد عشرة أيام، وضربت عليها حصارًا شديدًا.

    حصار عمورية

    بدأ الحصار في (6 رمضان 223هـ/ 1 أغسطس 838م)، وكانت عمورية مدينة عظيمة جدًّا، ذات سور منيع وأبراج عالية كبار كثيرة، وقد تحصَّن أهلها تحصُّنًا شديدًا، وملئوا أبراجها بالرجال والسلاح، ولكنَّ ذلك لم يَفُتَّ في عضد المسلمين.

    في الوقت نفسه بعث إمبراطور الروم برسوله يطلب الصلح، ويعتذر عمَّا فعله جيشه بمدينة ملطية، وتعهَّد بأن يبنيها ويردَّ ما أخذه منها، ويُفرج عن أسرى المسلمين الذين عنده، لكنَّ الخليفة رفض الصلح، ولم يأذن للرسول بالعودة حتى أنجز فتح عمورية.

    ابتدأت المناوشات بتبادل قذف الحجارة ورمي السهام، فقُتل كثيرون، وكان يمكن أنْ يستمرَّ هذا الحصار مدة طويلة، لولا أنَّ أسيرًا عربيًّا قد أسره الروم دلَّ الخليفة المعتصم على جانبٍ ضعيفٍ في السور، فأمر المعتصم بتكثيف الهجوم عليه حتى انهار، وانهارت معه قوى المدافعين عنه بعد أن يئسوا من المقاومة.

    دخول عمورية

    ودخل المعتصم وجنده مدينة عمورية في (17 رمضان 223هـ/ 12 أغسطس 838م)، وتكاثر المسلمون في المدينة وهم يكبرون ويهلِّلون، وتفرَّقت الروم عن أماكنها، فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان، ولم يبقَ في المدينة موضعٌ محصَّنٌ سوى المكان الذي يجلس فيه نائبها مناطس، وهو حصن منيع، فركب المعتصم فرسه، وجاء حتى وقف بحذاء الحصن، فناداه المنادي: ويحك يا مناطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك. فقالوا: ليس بمناطس ههنا مرتين. فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن، وطلعت الرسل إليه، وقالوا له: ويحك! انزل على حكم أمير المسلمين. فتمنَّع، ثم نزل متقلدًا سيفه، فوضع السيف في عنقه، ثمَّ جيء به حتى أُوقف بين يدي المعتصم، فضربه بالسوط على رأسه، ثمَّ أمر به يمشي إلى مضرب الخليفة مهانًا.

    وهكذا فتح المسلمون مدينة عمورية، وأخذوا منها أموالاً كثيرة، وأسروا أعددًا من الروم افتُدِيَ بها أسرى المسلمين.

    وكان من أهداف المعتصم أنْ يستمرَّ في الجهاد حتى يفتح عاصمة الروم القسطنطينية، لكن هذا المشروع لم يُقيَّضْ له أن يُنفَّذْ، بعد أن اكتشف المعتصم مؤامرةً للتخلُّص منه دَبَّرها بعض أقربائه، كما أنَّ فتح القسطنطينية يحتاج إلى قوى بحرية كبيرة لم يكن يملكها ساعتها؛ فتوقَّف المشروع إلى حين.

    وخلَّد المؤرخون اسم هذا الخليفة المسلم؛ لِما قام به من نجدة المسلمين والدفاع عنهم، كما خلَّده الشعراء، وعلى رأسهم أبو تمام حبيب بن أوس.


    ***************************************************

    معركة شقحب



    كان الرعب الذي يرافق تحركات المغول شديدًا يملأ صدور الناس ويوهن من قواهم، فكلما سمع الناس قصدهم إلى بلدٍ فرُّوا من مواجهتهم، وقد سهَّل هذا الرعبُ لهؤلاء الغزاة المعتدين سبيل النصر والغلبة.

    وكان الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر مقيمين في مصر كما هو معلوم، ويبدو أنّ أخبار عزم التتار على تجديد حملاتهم لدخول بلاد الشام وإزالة دولة المماليك بلغ المسئولين في مصر، فعمل العلماء وأولو الفكر والرأي على إشراك الخليفة والسلطان في مواجهة هؤلاء الغزاة.

    ففي شهر رجب من سنة 702هـ قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك، واشتدَّ خوفهم جدًّا كما يقول الحافظ ابن كثير، وقنت الخطيب في الصلوات، وقُرِئ صحيح البخاري، وهذه عادة كانوا يستعملونها في مواجهة الأعداء، فيعمدون إلى قراءته في المسجد الجامع.

    وشرع الناس في الهرب إلى الديار المصرية والكرك والحصون المنيعة، وتأخّر مجيء العساكر المصرية عن إبانها، فاشتدَّ لذلك الخوف.

    قال ابن كثير: "وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة -أي قلعة دمشق- وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان من مصر لمناجزة التتار المخذولين.. وفي ثامن عشر من شعبان قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين، فيهم كبار الأمراء من أمثال ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وحسام الدين لاجين، وسيف الدين كراي".

    ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير السلاح وأيبك الخزندار. فقويت القلوب في دمشق، واطمأن كثير من الخلق، ولكنَّ الناس في الشمال سيطر عليهم الذعر، واستبدَّ بهم الفزع، فنزح عدد عظيم منهم من بلاد حلب وحماة وحمص، ثم خافوا أن يدهمهم التتار فنزلوا إلى المرج.

    ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك البلاد فسادًا، وقلق الناس قلقًا عظيمًا لتأخُّر قدوم السلطان ببقية الجيش، وخافوا خوفًا شديدًا، وبدأت الأراجيف تنتشر، وشرع المثبِّطون يوهنون عزائم المقاتلين ويقولون: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لقلة المسلمين وكثرة التتار. وزَيَّنوا للناس التراجعَ والتأخُّرَ عنهم مرحلة مرحلة. ولكن تأثير العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية كان يتصدّى لهؤلاء المرجفين المثبّطين، حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتَّصدِّي للتتار، مهما كان الحال.

    واجتمع الأمراء وتعاهدوا وتحالفوا على لقاء العدوِّ وشجَّعوا رعاياهم، ونوديَ بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد، فسكن الناس وهدأت نفوسهم وجلس القضاة بالجامع يحلِّفون جماعة من الفقهاء والعامّة على القتال، وتوقّدت الحماسة الشعبية، وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند. وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية أعظم التأثير في ذلك الموقف؛ فقد عمل على تهدئة النفوس، حتَّى كان الاستقرار الداخلي عند الناس والشعور بالأمن ورباطة الجأش. ثم عمل على إلهاب عواطف الأمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخلاص.. ثمّ توجَّه ابن تيمية بعد ذلك إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيفة، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم.

    وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرّة منصورون. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأوَّل في ذلك أشياء من كتاب الله، منها قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60].

    وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفُتُّ في عضد المحاربين للتتار، من نحوِ قولهم: كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بُغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه؟

    فردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشُّبهة قائلاً: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما، ورأوا أنهم أحقُّ بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحقّ بإقامة الحق من المسلمين، وهم متلبِّسون بالمعاصي والظُّلْم. فانجلى الموقف وزالت الشبهة وتفطّن العلماء والناس لذلك، ومضى يؤكّد لهم هذا الموقف قائلاً: "إذا رأيتموني في ذلك الجانب (يريد جانب العدو)، وعلى رأسي مصحف فاقتلوني"، فتشجّع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم.

    وامتلأت قلعة دمشق والبلد بالناس الوافدين، وازدحمت المنازل والطرق. وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بمشقّة كبيرة، وصَحِبَتْهُ جماعة كبيرة يشهد القتال بنفسه وبمن معه. فظنَّ بعض الرعاع أنه خارج للفرار فقالوا: أنت منعتنا من الجفل[1] وها أنت ذا هارب من البلد.. فلم يردّ عليهم إعراضًا عنهم وتواضعًا لله، ومضى في طريقه إلى ميدان المعركة.

    وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسْوة. ووصل التتار إلى قارَة. وقيل: إنهم وصلوا إلى القطيفة فانزعج الناس لذلك، وخافوا أن تكون العساكر قد هربوا، وانقطعت الآمال، وألحّ الناس في الدعاء والابتهال في الصلوات وفي كلِّ حال، وذلك في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان.. فلمَّا كان آخر هذا اليوم وصل أحد أمراء دمشق، فبشَّرَ الناس بأنَّ السلطان قد وصل وقتَ اجتماع العساكر المصرية والشامية.

    وتابع التتار طريقهم من الشمال إلى الجنوب ولم يدخلوا دمشق، بل عرجوا إلى ناحية تجمُّع العساكر، ولم يشغلوا أنفسهم باحتلال دمشق وقالوا: إن غلبنا فإنَّ البلد لنا، وإن غُلِبنا فلا حاجة لنا به.

    ووقفت العساكر قريبًا من قرية الكسوة، فجاء العسكر الشامي، وطلبوا من شيخ الإسلام أن يسير إلى السلطان يستحثُّه على السير إلى دمشق، فسارَ إليه، فحثّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر. فجاء هو وإيَّاه جميعًا، فسأله السلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ ابن تيمية: السُّنَّةُ أن يقف الرجُلُ تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلاَّ معهم.

    وحرّض السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو: إنَّكم منصورون عليهم في هذه المرَّة. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا.

    وأفتى الناسَ بالفطر مدّة قتالهم، وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده؛ ليعلِمهم أنَّ إفطارهم ليتقوَّوْا به على القتال أفضل من صيامهم.

    ولقد نظَّم المسلمون جيشهم في يوم السبت 2 رمضان أحسن تنظيم، في سهل شَقْحَب الذي يشرف على جبل غباغِب. وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه الخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء. وقبل بدء القتال اتُّخِذَت الاحتياطات اللازمة، فمرّ السلطان ومعه الخليفة والقرَّاء بين صفوف جيشه، يقصد تشجيعهم على القتال وبثِّ روح الحماسة فيهم. وكانوا يقرءون آيات القرآن التي تحضُّ على الجهاد والاستشهاد، وكان الخليفة يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم.

    ووضِعت الأحمال وراء الصفوف، وأُمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة. ولمَّا اصطفَّت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده فقُيِّد حتى لا يهرب، وبايع اللهَ تعالى في ذلك الموقف يريد إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، وصدق الله فصدقه الله. وجرت خطوب عظيمة، وقُتِل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي، وثمانية من الأمراء المقدَّمين معه.

    واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحرّ القتل، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة ضخمة فقُتِل من قتِل من الأمراء، ولكن الحال لم يلبث أن تحوّل بفضل الله ، وثبت المسلمون أمام المغول، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغيَّر وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتى أقبل الليل فتوقّف القتال إلا قليلاً، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغِب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمرّوا منها، وقد تتّبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، كما أنهم مرّوا بأرض موحِلة، وهلك كثيرون منهم فيها، وقُبض على بعضهم.

    قال ابن كثير: "فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلاَّ الله ، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتُضرب أعناقهم".

    ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى القريتين، يقتلون منهم ويأسرون.

    ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور، والذي عبر فيه هلك. فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات، وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة.

    وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشَّروا الناس بالنصر، وفيه دخل شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له وهنَّئوه بما يسَّر الله على يديه من الخير.

    وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق وبين يديه الخليفة، وزُيِّنَتِ البلد، وبقِيا في دمشق إلى ثالث شوال إذ عادا إلى الديار المصرية.

    وكان فرح السلطان الناصر محمد بن قلاوون والمسلمين بمعركة شقحب أو (مَرْج الصُّفَّر)[2] فرحًا كبيرًا، ودخل مصر دخول الظافر المنتصر، يتقدم موكبَه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم رءوس زملائهم القتلى، واستُقبل استقبال الفاتحين.

    ********************************************************************

    فتح البوسنة والهرسك


    سيكون الحديث عن منطقة من مناطق العالم الإسلامي تواجه أعظم هجمة صليبية في العصر الحديث، حيث يُقضى على المسلمين بالقتل والأسر والتهجير، وحيث يموت الآلاف بأيدي الصليبيين، أو نتيجة الجوع والعطش والمرض، حيث هم محاصرون منذ سنوات.

    إنها منطقة البوسنة والهرسك، نعود إليها عبر سنين مضت لنعرف كيف وصلها الإسلام وانتشر فيها، وكيف انتصر المسلمون على النصارى الصرب في ذلك الوقت، وضموها إلى بلادهم.

    في ذلك التاريخ كانت الدولة العثمانية في أوج قوتها وازدهارها حينما اكتسحت أوربا الشرقية، فتهاوت مدنها ودولها تحت ضربات الجيش العثماني المسلم، ووصلت طلائع هذا الجيش إلى مدينة فيينا لتحاصرها فترة من الزمن، ويتسابق ملوك أوربا بإعلان الولاء والانقياد للسلاطين العثمانيين، في ذلك التاريخ كان همُّ هؤلاء السلاطين الجهاد في سبيل الله، ونشر كلمة التوحيد في كل مكان.

    لنتوقف قليلاً في عهد السلطان مراد الأول بن السلطان أورخان الغازي، فقد كان من السلاطين العظام الذين جاهدوا في سبيل الله، ففتحوا المناطق الواسعة من أوربا.

    ولد هذا السلطان سنة ست وعشرين وسبعمائة للهجرة (726هـ)، ونشأ على كريم الأخلاق، ولما شبَّ اشترك مع والده في جهاد اليونان، فأظهر بسالة لا توصف، وإقدامًا لفت الأنظار، وبعد وفاة والده تولى الحكم سنة إحدى وستين وسبعمائة هجرية (761هـ)، فقضى كل سِنِي حكمه في جهاد مستمر.

    كانت أول أعماله الجهادية فتح مدينة (أدرنة) فجعلها عاصمة لدولته، وظلت كذلك حتى فتحت القسطنطينية، ثم ساق جيشه نحو البلقان فتبوءوا مدنها وافتتحوا حصونها، وأبرم معاهدة مع ملك اليونان، بيد أن هذه المعاهدة لم تستمر طويلاً، حيث نقضها اليونان، وهكذا استطاع السلطان مراد الأول أن يستولي على جزء كبير من أوربا الشرقية، وأن يحيط بالقسطنطينية من جميع الجهات.

    وهنا اضطرب ملوك أوربا النصارى وارتعدت فرائصهم، وأدركوا عظيم الخطر الذي تشكله هذه الدولة المسلمة الفتية، فطلبوا من البابا (أوربانوس) الخامس أن يأمر جميع الدول النصرانية أن تتحد للوقوف في وجه المسلمين، وإخراجهم من أوربا قبل أن يجتازوا حدود البلقان، وحينئذٍ لا يستطيع أحد الوقوف في وجههم، فيكتسحوا أوربا كلَّها.

    ولبَّى البابا استغاثتهم وكتب لجميع ملوك أوربا النصارى يأمرهم بالتأهُّب لمحاربة المسلمين، وأن يشنوا حربًا دينية للحفاظ على النصرانية في وجه الإسلام، ولم ينتظر الملك أوروك الخامس ملك الصرب وصول الإمدادات من أوربا، بل استعان بالدول القريبة منه وكوَّن جيشًا جرارًا من اليونان والصرب والمجر والرومان، وسار بهم إلى عاصمة العثمانيين أدرنة فحاصرها، وكان السلطان مراد خارجها فعاد مسرعًا بجيشه، وهاجم النصارى بغتة، حيث فوجئوا بالتهليل والتكبير وسيوف المسلمين تعلوهم، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى ولوا الأدبار تاركين الثرى مخصبًا بدمائهم، وهكذا فشلت محاولة الصرب هذه ضد المسلمين.

    وكان من نتيجة هذه المعركة أن تسابق حكام البلقان لإعلان الولاء للمسلمين، ودفع الجزية لهم.

    وفي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة (781هـ) تحالف ملك الصرب الجديد (لازارجر بلينانوفتش) مع ملك البلغار على مهاجمة المسلمين، لكنهما بعد عدة مناوشات تحققا من عجزهما عن هزيمة العساكر الإسلامية، فأبرما صلحًا مع السلطان مراد، على أن يدفعا له خراجًا سنويًّا.

    ولم يستمر هذا الصلح طويلاً فقد نقضه النصارى، وبدءوا يُعِدُّون العُدَّة لمحاربة المسلمين، إلا أن العثمانيين لم يمهلوهم، فاجتاحت جيوشهم بلاد البلغار، وهزمت ملكها واحتل مدنها، وانتهى الأمر بأسر ملك البلغار.

    ولما علم ملك الصرب لازار بذلك، بدأ يستعد لمواجهة المسلمين فألَّف جيشًا من الصرب والبوسنة والهرسك والألبان والأفلاق والبُغدان، وتعاهد الجميع على محاربة المسلمين والاستيلاء على الدولة العثمانية، وبلغ الخبر مسامع السلطان مراد، فألف مجلسًا للشورى والنظر في الأمر، لكن ولده بايزيد هتف قائلاً في المجلس: "الحرب الحرب، والقتال القتال"، فأبطل كل مشورة.

    ودقت طبول الحرب وسار الجيش الإسلامي إلى الأعداء، فالتقاهم في سهل (قوص أوه) سنة إحدى وتسعين وسبعمائة (791هـ)، ونشب القتال بين الجانبين، ووثب المسلمون على النصارى والتحموا معهم في القتال التحامًا لم يعد يُرى معه إلا جماجم طائرة وفرسان غائرة، ودويّ سلاح يدك الجبال الشامخة، وبقيت الحرب بينهما سجالاً مدة من الزمن، دافع الصليبيون الصرب خلالها دفاعًا مستميتًا، وتناثرت الرءوس، وأزهقت النفوس، وفي أثناء المعركة انحاز صهر ملك الصرب بفرقته إلى المسلمين، ودارت الدائرة على الصربيين، وجرح ملكهم لازار، ثم وقع أسيرًا في يد المسلمين، وانتصر المسلمون على الصربيين، وكانت من المعارك الحاسمة في تاريخ أوربا الشرقية، وظلَّ ذكرها شهيرًا في أوربا بأسرها، وزال استقلال الصرب وخضعت كل بلادها للمسلمين، كما فقدت البلغار استقلالها من قبل.

    وبعد المعركة أخذ السلطان مراد يتمشى بين الجثث وينظر إليها بعين الاندهاش، إذ قام من بينها جندي صربي اسمه (ميلوك كوبلوفتش)، فطعن السلطان بخنجر طعنة قاضية، وسقط -رحمه الله- ليسلم الروح بعد قليل.

    وهكذا شهد سهل كوسوفو بولجي معركة (قوص أوه) الحاسمة بين المسلمين والصرب، وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا، وأخذ الإسلام ينتشر في تلك البقاع حتى تحولت مناطق كاملة إلى الإسلام، كما هو الحال في البوسنة والهرسك وكوسوفو وغيرها.

    وكما يشهد هذا السهل انتصار المسلمين، فقد شهد أيضًا غدر الصرب الذي ذهب ضحيته سلطان المسلمين مراد، فمات -رحمه الله- أوائل شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة من الهجرة (791هـ)، وسجل التاريخ منذ ذلك الوقت -وإلى يومنا هذا- أن الصرب لا يلتزمون بعهد ولا ميثاق، ولا يعرفون في تعاملهم مع المسلمين إلا لغة القوة والبطش وسفك الدماء.

    واليوم وكما غدر الصرب وأعوانهم بقائد المسلمين في تلك المعركة، يغدرون بالمسلمين جميعًا في البوسنة والهرسك، فيقتلون ويأسرون ويغتصبون، لا يردعهم خلق ولا دين، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، والعجب كل العجب أن يقف المسلمون جميعًا موقف المتفرج على هذا كله.


    ***********************************************************

    فتح أرمينيا الصغرى


    موعدنا مع نصر عظيم حققه المسلمون على النصارى الأرمن في شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعين وستمائة هجرية (673هـ).

    وأما مكان هذا النصر فهو الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى بين جبال طوروس والبحر المتوسط.

    والحقيقة أن هذه المنطقة التي أطلق عليها المسلمون اسم الدرب تمثل الحدود المتاخمة لبلاد الروم؛ ولذا اهتم بها المسلمون منذ وقت مبكر نظرًا لموقعها الاستراتيجي على أبواب دولة الروم، وأصبحت مدنها ومراكزها ثغورًا من أهم الثغور الإسلامية وأكثرها خطرًا؛ فشحنها الخلفاء المسلمون بالرجال والسلاح، وجعلوا منها مراكز حصينة للدفاع عن أراضي المسلمين، وأصبحت تُعرف بثغور الشام. واشتهر من هذه الثغور مدن طرسوس، وأذنة، والمصيصة، والخلفاء مهتمون بأمرها ولا يولُّونها إلا شجعان القواد والراغبين منهم في الجهاد.

    وبعد قرون من القوة والمنعة، أصاب هذه الثغور الضعف نتيجة عدم الاهتمام بها، واستغل الروم ذلك فهاجموها واستولوا عليها، ومنذ ذلك الوقت خرجت تلك الثغور من يد المسلمين وعادت للروم، ثم بدأت أعداد من النصارى الأرمن يستقرون فيها، واستطاعوا تشكيل كيان ثابت لهم في تلك البقاع، سرعان ما تحول إلى دويلة صليبية في شمال العالم الإسلامي.

    وحينما جاءت الحملات الصليبية إلى العالم الإسلامي فرح بها هؤلاء الأرمن، وقدَّموا لرجالها كل المساعدة، وأعانوهم على المسلمين، ودلوهم على عوراتهم، بل إن الأرمن اشتركوا بصورة مباشرة في الحرب ضد المسلمين، وكانوا عليهم أشدَّ من نصارى أوربا وأعنف، ولا عجب فملة الكفر واحدة.

    ولم يكتف الأرمن بذلك بل كان لهم أثر كبير في تشجيع المغول الوثنيين ودعوتهم لمهاجمة المسلمين، وعقد ملوك أرمينيا الصغرى تحالفًا معهم ضد المسلمين. ولما جاءت الجيوش المغولية، واكتسحت العالم الإسلامي انضمت جموع النصارى من الأرمن وغيرهم معهم، وكانوا لا يقلون عنفًا وقسوة في تعاملهم مع المسلمين. وهذا هو الذي جعل المسلمين يعدّون الأرمن "أخبث عدو للمسلمين"، كما يقول أحد المؤرخين.

    ولكن الأمة الإسلامية كانت لا تستكين للهزيمة، ولا تستسلم للذل، وهذا هو ما يريده الله I لها، أمة مستعلية بدينها، منتصرة بعقيدتها، مستمدة أسباب ذلك منه .

    وبعد أن أفاقت الأمة الإسلامية من هول الاكتساح المغولي، بدأ حكامها في العمل على تقويتها، وأدركوا مدى الخطر العظيم الذي يمثله نصارى الأرمن على حدود الدولة الشمالية، فخططوا لإخضاعهم وكسر شوكتهم، وكان ذلك في عهد السلطان المملوكي (الظاهر بيبرس).

    وهذا الحاكم المسلم واحد من أعظم قادة الأمة الإسلامية في التاريخ، حقق الله على يديه لأمة الإسلام انتصارات عظيمة على المغول والصليبيين، ووضع -رحمه الله- مملكة أرمينيا الصغرى نصب عينيه، وانتهز فرصة هدوء الأوضاع على جبهات القتال مع المغول والصليبيين، فكوَّن جيشًا عظيمًا هدفُه استعادة أملاك المسلمين التي استولى عليها نصارى الأرمن، ولكنه أسرَّ ذلك ولم يُطلِع عليه أحدًا من قادته، وسار الجيش الإسلامي من مصر قاصدًا الشام، ثم اتجه شمالاً إلى بلاد الثغور، وكان بيبرس على رأس الجيش ووصلوا إلى تلك المناطق، ولنترك وصف مسير هذا الجيش لمؤرخ معاصر لهذه الحملة هو ابن عبد الظاهر حيث يقول: "ووصل الجيش النهرَ الأسودَ، وقطعته العساكر بمشقة، ووقف السلطان حتى عدَّى بأكثر الناس، وفرق الأمراء بجيوشهم كلُّ واحد منهم إلى جهة، فطلعوا الجبال وما سأل أحد عن طريق، ولا بالى بمضيق، ومروا وعليهم جبال من الحديد لامعة، وسنابك الخيل تتلوى على الجبال، والأرض ترج رجًّا، والجبال تبسُّ بسًّا، وتغدو هباء منبثًّا".

    وتساقطت مدن الثغور الواحدة تلو الأخرى في يد المسلمين، وكان ذلك في شهر رمضان. وعيّد السلطان بيبرس -رحمه الله- في مدينة (سيس) وهي كرسيُّ المملكة الأرمينية، واستولى على قصر الملك، واتجهت فرقة من الجيش المملوكي إلى مدينة (إياس) وهي ميناء أرمينية على البحر الأبيض فاستولت عليها، وفرت مجموعة من الأرمن والفرنج عبر البحر فغرقوا فيه.

    وهكذا لم يكمُل شهر رمضان إلا والجيوش الإسلامية قد أتمت استعادة بلاد الثغر، واستحق السلطان بيبرس أن يوصف بقاهر الصليبيين والمغول. ولا غزو في ذلك، فهو تلميذ صلاح الدين -رحمه الله- سار على منهجه، واتبع خُطاه في الجهاد، فحقق الله على يديه النصر العظيم، وكان ذلك بعد عمل دءوب وكفاح مستمر وتحقيق لعوامل النصر كما أوضحها القرآن الكريم؛ فالنصر دائمًا مع المسلمين إن هم صدقوا الله وطبقوا شرعه وعملوا بمقتضاه.

    وتغنى الشعراء بهذا النصر العظيم وخلدوه في شعرهم، يقول أحدهم:

    أي يوم بنصره قـد حُبينـا *** وبـه اللهُ قد أقرَّ العيـونا

    يوم جزنا بلاد سيس وقلنـا *** أيَّ نصرٍ من ربنا قد جُزينا

    إذ تبدى السلطـان بين نجوم *** من بني الترك يعشقون المنونا

    إلى أن يقول:

    وترامت كـل البـلاد وقالت *** ليتنا مثل سيس قد غُـزينا

    ليت جيش السلطان وافى إلينا *** ليت أنَّا بخيـله قد وُطـينا

    وصدق الشاعر، فكم من البلاد تتمنى حكم المسلمين! وتحنُّ إلى عدلهم ورحمتهم.


    *******************************

    اللهم ذكر المسلمين بأنتصارات اجدادهم حتى تكون حافزاً لهم على نصر اخوانهم
    avatar
    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات : 4159
    تاريخ التسجيل : 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: انتصارات رمضان

    مُساهمة من طرف sadekalnour في الأحد يوليو 06, 2014 1:41 pm

    اللهم ذكر المسلمين بأنتصارات اجدادهم حتى تكون حافزاً لهم على نصر اخوانهم

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 17, 2018 11:55 am