آل راشد

آل راشد

ثقافى-اجتماعى

أسرة منتدى آل راشد تتقدم بخالص التعازى للأستاذ / محمد عبد الموجود فى وفاة السيد والدة .. تغمدة الله برحمة منة ومغفرة وأسكنة الفردوس ألأعلى وسقاة من الكوثر بيد الحبيب صل الله علية وسلم ...

المواضيع الأخيرة

» رمضان مهلاً قد قاربت على الرحيل !!!
السبت يوليو 19, 2014 2:58 pm من طرف sadekalnour

» رمـضــان ومرارة الرحيل !!!!!!!!!!!!!
الجمعة يوليو 18, 2014 5:03 pm من طرف sadekalnour

» فــــــــي رمضان لمــــاذا يبكون.. "ولا أبكــــــــــــي"؟؟
الإثنين يوليو 14, 2014 1:07 pm من طرف sadekalnour

» حال الغرباء مع الصيام
السبت يوليو 12, 2014 2:16 pm من طرف sadekalnour

» انتصارات رمضان
الأحد يوليو 06, 2014 1:41 pm من طرف sadekalnour

» رمــضـــان وأحــيــــاء الــقــلــــوب
الأحد يوليو 06, 2014 1:38 pm من طرف sadekalnour

» صحتك فى رمضان ..كيف يصوم المرضى
الأحد يوليو 06, 2014 1:37 pm من طرف sadekalnour

» تأثير الصيام على أجزاء الجسم .. سبحان اللة قدر فهدى
الأحد يوليو 06, 2014 1:33 pm من طرف sadekalnour

» كيف يحافظ على صيامه في ظل هذه المعاصي ؟
الخميس يوليو 03, 2014 2:27 pm من طرف sadekalnour

» رمضان يصرف وجهك عن النار
الثلاثاء يوليو 01, 2014 1:13 pm من طرف sadekalnour

زفاف الاستاذ/محمد عبد الغنى على الانسه/سلسبيل صادق عبد الخالق النور..

الإثنين سبتمبر 02, 2013 11:27 pm من طرف محمد ع موجود



زفاف الاستاذ/محمد عبد الغنى على الانسه/سلسبيل صادق عبد الخالق النور..

الإثنين سبتمبر 02, 2013 11:12 pm من طرف محمد ع موجود




تم بحمد الله زفاف الاستاذ/محمد عبد الغنى على الانسه/سلسبيل صادق عبد الخالق النور..
فى حفل حضره الاهل والاحبه.
تمنيات اسره المنتدى بحياه زوجيه هانئه...مبرووووووووووك.

اهلا بكم

الثلاثاء نوفمبر 08, 2011 3:32 am من طرف محمد ع موجود



المتواجدون الآن ؟

ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 34 بتاريخ السبت نوفمبر 05, 2011 1:10 pm

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 8270 مساهمة في هذا المنتدى في 2823 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 204 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو رضا فمرحباً به.

دخول

لقد نسيت كلمة السر

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع

    فتوحات العراق وفارس

    شاطر

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:11 pm



    عزل سعد بن أبي وقاص


    وصل إلى عمر بن الخطاب t نبأَيْنِ؛ النبأ الأول: هو تجمع أعداد كبيرة من الفرس وصل تعدادهم إلى مائة وخمسين ألف جندي لقتال المسلمين في نَهاوَنْد، وهي من المدن المهمة في عمق الدولة الفارسية، وأرسل هذا الخبر قُباذ بن عبد الله أمير حُلوان.

    والنبأ الثاني: شكاية أهل الكوفة بأن أميرهم سيدنا سعد بن أبي وقاص لا يقسم بالسويَّة، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية؛ فقرر سيدنا عمر بن الخطاب التحقيق في الأمر.

    التحقيق في الشكوى ضد سعد :
    كان سيدنا سعد بن أبي وقاص t سادس من أسلم، وخال الرسول ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ورغم فضله ومنزلته إلا أن سيدنا عمر بن الخطاب لا يتكل على هذه الأمور، بل يحقق في الأمر لأنه يؤمن بأن الله محاسبه عن كل هؤلاء الولاة، فأرسل من يحقق في الأمر، وكان هذا الرجل كما يقول عنه علماء التاريخ: إنه رجل المهام الصعبة، هذا الرجل الذي كان النبي يبعثه في مهامه الصعبة، وهو سيدنا محمد بن مسلمة، وأشهر ما قام به في حياة النبي أنه كان في السرية التي قتلت زعيم اليهود كعب بن الأشرف وهو الذي قتله، وكانت له من السرايا بعد ذلك الكثير، ولكن كانت هذه أشهر سرية في حياته t.

    فما كان من سيدنا عمر بن الخطاب t إلا أن أرسل سيدنا محمد بن مسلمة ليحقق في الأمر، ولينظر أتلك الخلال في سيدنا سعد بن أبي وقاص أم أن القوم عليه مفترون؟

    فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة، فوجد الكل يثني على سعد خيرًا، حتى انتهى إلى سوق فقابل رجلاً يقال له: أبو سعدة أسامة بن قتادة، فقال: أنشدك بالله ما فعل سعد فيكم؟ فقال الرجل: أما إذ ناشدتنا فإن سعدًا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية. وما إن تجرأ هذا الرجل على ما قاله حتى تبعه خلق كثير في مقالته، وقالوا: إنه يلهيه الصيد عن القتال في سبيل الله، وأنه لا يحسن يصلي.
    فأرسل سيدنا محمد بن مسلمة بما سمعه من أهل الكوفة إلى سيدنا عمر بن الخطاب t، فبعث إليه عمر بن الخطاب بالقدوم عليه إلى المدينة ومعه سعد بن أبي وقاص وأسامة بن قتادة، فيأتي سيدنا سعد بن أبي وقاص ويشهده سيدنا محمد بن مسلمة على مقولة أسامة بن قتادة، ويقر أسامة بن قتادة أمام عمر بن الخطاب ما قاله من قبل.

    فيدعو عليه سعد ويقول: "اللهم إن كان قالها كذبًا ورياء وسمعة فأعمِ بصره، وكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن؛ إنه ظلمني".

    وسأل سيدنا عمر بن الخطاب t محمد بن مسلمة عن هذه المقالة، فقال: إن كثيرًا من أهل السوق يقولونها. فقال سيدنا عمر: يا سعد، كيف تصلي؟ فأخبره أنه يطول في الركعتين الأوليين، ويخفف في الأخريين، وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله .

    فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، والله أعلم أن ما يقولونه عليك ما هو بحق، ولكني أخشى الفتنة. فآثر السلامة وعيَّن مكانه من استخلفه، ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان. فأقرَّه عمر على نيابته الكوفة، ثم بكى سيدنا سعد بن أبي وقاص، وقال: يزعمون أني أشتغل بالصيد عن قتالي في سبيل الله، وأنا أول من أراق دمًا في الإسلام، ولقد جمع لي رسول الله أبويه، وما جمعهما لأحدٍ قبلي؛ ففي غزوة أحد قال له النبي : "ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"[1], "اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمَيْتَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ"[2].

    ويدرَأُ سيدنا عمر بن الخطاب الفتنة بعزله، وهو يعلم أنه بريء من هذه التهم الباطلة، وتمر الأيام ويطول الزمن بأسامة بن قتادة حتى كبر في السن وعمي بصره، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيتعرض لها وهو شيخ كبير فانٍ، فإذا عثر عليه قال: مفتون أصابته دعوة الرجل المبارك سعد بن أبي وقاص, وقال له: "وكل من تكلم في حق سيدنا سعد بن أبي وقاص أصابته قارعة في جسده، ومصيبة في ماله بعد ذلك، وقال بعض العلماء: إنهم قُتِلُوا في موقعة الجمل، ومُثِّلَ بهم".

    معركة نهاوند :
    عُزِل سيدنا سعد بن أبي وقاص t عن الكوفة، وأُقِرَّ سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان في وقت كانت المنطقة تحتاج فيه إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص؛ فبعد انتصار المسلمين في تُسْتَر والسُّوس تجهز لهم مائة وخمسون ألفًا من الفرس في مدينة نهاوند، وهذه هي أكبر قوة من الفرس تقاتل المسلمين، مع أن الفرس في موقعة القادسية كان عددهم مائتين وأربعين ألفًا إلا أنهم انقسموا إلى فرقتين: مائة وعشرين ألفًا في حرب المسلمين، ومائة وعشرين ألفًا قوة احتياطية لا تدخل المعركة وتعسكر خلف نهر العتيق، فكان المشتركون في القتال مائةً وعشرين ألفًا، أما هذه المعركة فكان تعدادهم مائة وخمسين ألفًا؛ فكان الأمر شديدًا على المسلمين، وفي الوقت نفسه يُعزَل سيدنا سعد بن أبي وقاص t، وفي الوقت نفسه تتجمع قوات فارسية أخرى في أذربيجان.

    تقع مدينة نهاوند في عمق الدولة الفارسية، وتقع أذربيجان في جنوب هذه المنطقة، ويتجمع فيها تجمعات أخرى للفرس غير تجمع نهاوند.

    ووصلت رسالة إلى سيدنا عمر بن الخطاب t من أمير الكوفة سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان الذي أصبح أمير منطقة فارس وأمير كل الجيوش الإسلامية في هذه المنطقة، يقول لسيدنا عمر بن الخطاب: "لقد تجمع للفرس مائة وخمسون ألفًا في نهاوند؛ فَأْذَن لنا بقتالهم، فإن جاءوا علينا ازدادوا جرأة وقوة، وإن أتيناهم غلبناهم". وكان سيدنا عمر بن الخطاب قد منع المسلمين الانسياح في بلاد فارس في أواخر العام السادس عشر من الهجرة اكتفاءً بما أخذه المسلمون من غنائم، وخوفًا من بسط الدنيا على المسلمين، ولم يقاتل المسلمون إلا في تستر والسوس، وكان قتالهم بعد نقض عهد الهرمزان، ولم يبدءوا القتال في المعركتين، فبعث له سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان ليأذن له في ملاقاة الفرس.

    وتحيَّر سيدنا عمر بن الخطاب t في الأمر؛ فاستشار الصحابة ومن لهم خبرة في الحرب حتى قابل الأحنف بن قيس، فقال له: "ما اجتمع ملكان قطُّ في بلد إلا أخرج أحدهما الآخر، فسيرسل لك يزدجرد الجيوش ما دام حيًّا، فأَرْسِلْ إليه جيشًا يستأصله تهُن لك فارس، ويهُن لك جيش فارس".

    فهذه نصيحة سيدنا الأحنف بن قيس لسيدنا عمر بن الخطاب t وأعداد فارس لا تنتهي، فقال سيدنا عمر بن الخطاب للأحنف: "لقد شرحت الأمر عن حقه، والله لأغزوَنَّ فارس". ولم يصرّ أو يستكبر على رأيه الذي قرره منذ ثلاث سنوات، واستشار سيدنا عمر بن الخطاب t الهرمزان في غزو أذربيجان أولاً أو غزو نهاوند، فقال الهرمزان: إن فارس الآن طائر له رأس وجناحان: رأسه في نهاوند مع الفيرزان، والجناحان في أذربيجان. فقال له سيدنا عمر: ما العمل؟ فقال: اقطع الجناحين يضعف الرأس. فقال سيدنا عمر بن الخطاب t: كذبت يا عدو الله، بل أقطع الرأس يهون الجناحان.

    وعلى إثر ذلك يقرر سيدنا عمر بن الخطاب غزو نهاوند، واستشار سيدنا عمر بن الخطاب t من لهم رأي في الحرب، وكان له مجلس يستشيره في مثل تلك الأمور، وكان هذا المجلس مكونًا من سيدنا طلحة بن عبيد الله، وسيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا علي بن أبي طالب، وسيدنا العباس بن عبد المطلب، وسيدنا الزبير بن العوام، وسيدنا عبد الرحمن بن عوف، وسيدنا سعد بن أبي وقاص؛ وهذا يُعَدُّ دليلاً أن سيدنا عمر لم يعزل سيدنا سعدًا عن عجز أو خيانة، وما كان ليضعه في مجلس يستشيره في الحرب وهو يلهو بالصيد عن القتال في سبيل الله، ولا يغزو في السرية.

    ومن المفارقات أن كل من في مجلس الحرب من العشرة المبشرين بالجنة باستثناء العباس بن عبد المطلب، وبدأ سيدنا عمر بن الخطاب قوله: بأن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، ألا إني قد هممت بأمر، وإني عارضه عليكم فاسمعوه ثم أخبروني، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، أفمن الرأي أن أسير بمن قِبَلِي حتى أنزل منزلاً وسطًا بين المِصْرَين "البصرة والكوفة" فأستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءًا حتى يفتح الله علينا ويقضي ما أحب؟

    فقام سيدنا طلحة بن عبيد الله مشيرًا: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور، واحتنكتك التجارب، وأنت ورأيك إليك هذا الأمر، فمُرْنا نطعْ، وادعنا نجبْ، وقدنا ننقدْ؛ فإنك ولي هذا الأمر وقد بلوتَ وجربت.

    ومن خلال كلام سيدنا طلحة يتبين موافقته لسيدنا عمر بن الخطاب في الخروج بنفسه t للقتال، فيسمع منه سيدنا عمر بن الخطاب ويقول: إن هذا اليوم له ما بعده من أيام فزيدوني رأيًا. فيقوم سيدنا عثمان بن عفان -وكان رأي سيدنا عثمان t موافقًا لرأي سيدنا أبي عبيد بن الجراح في خروج أمير المؤمنين، وموافقًا لأمير المؤمنين في خروج عدد كبير من المسلمين- ثم يقول: يا أمير المؤمنين، فلتكتبْ إلى أهل الشام فيَقدِمُوا من شامهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيأتوا من يمنهم، وتخرج أنت بجيشك من المدينة، واذهب بكل ذلك؛ فإنك إن سرت بمن معك وعندك، هان في نفسك ما تكاثر من عدد الفرس. ثم يقول سيدنا عثمان: يا أمير المؤمنين، إن هذا اليوم له ما بعده من أيام، فاشهده برأيك ولا تَغِبْ عنه.

    ويعترض سيدنا الزبير بن العوام على الرأيين قائلاً: فبإزائهم أعلام العرب ووجوههم وفرسانهم ورؤساؤهم ومَنْ فَضَّ جموعَ الفرس، ومن قتل ملوكهم، ومن ملك أرضهم، ومن غنم أموالهم ونساءهم وذراريهم، وقد استأذنوك ولم يستصرخوك، فأرى أن تبقى في مكانك هنا؛ فإنك إن قتلت لم يعد للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود وادْعُ لهم.

    ووافق سيدنا عبد الرحمن بن عوف سيدنا الزبير بن العوام رضي الله عنهما، فقام العباس بن عبد المطلب وعضَّد رأي الزبير بن العوام.

    وقال سيدنا علي بن أبي طالب: لقد أصاب القوم الرأي يا أمير المؤمنين، فمكانك مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإذا انحلَّ تفرَّق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا، وإنك إنْ أشخصتَ أهلَ الشام رجعت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصتَ أهلَ اليمن ذهبت الحبش إلى ذراريهم، وإن شخصت بنفسك من المدينة انقلبت عليك الأرض، وما تدعه وراءك في المدينة أهم إليك مما بين يديك، فأَقِمْ وأَقْرِن هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان إلى نهاوند، ويقيم الثلث مع النساء والذراري، واكتب إلى أهل البصرة واجعلهم ثلاث فرق، ففرقة في الحرم والذراري، وفرقة منهم في الأهواز تمنع نقض عهد فارس، والفرقة الأخيرة تكون مددًا لأهل الكوفة في نهاوند.

    وأما ما ذكرت من مسير القوم (يقصد تجمع الفرس)، فإن الله أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإن هذا الأمر لم يكن نصره أو خذلانه لكثرة أو قلة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعز وأيده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود الله وتأييد الملائكة.

    وما إن أتم سيدنا عليٌّ مقالته حتى شرح الله لها قلب سيدنا عمر بن الخطاب، ثم قال: وما أمرك يا سعد؟ وكان رأي سيدنا سعد بن أبي وقاص في غاية الأهمية؛ فقد عاصر الحروب بين المسلمين والفرس وعاش معهم فترة من الزمان، فيقول سيدنا سعد بن أبي وقاص: "أرى أن تبقى يا أمير المؤمنين، وهَوِّنْ عليكَ فما جُمِعُوا إلا لنقمة" (أي جمعهم الله تعالى لنقمته عليهم ليقضي عليهم المسلمون).

    ونأمل جمع اليهود في فلسطين لنقمة، فقد يكون جمع اليهود كما يذكر بعض المفسرين في سورة الإسراء {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء:104]، وكان هناك وعد الأولى وهو دخول الفرس على اليهود وجاسوا خلال الديار، وقتلوا من اليهود من قتلوا، ووعد الآخرة يذكر فيه بعض المفسرين أن الله سيجمع اليهود الموجودين في العالم في مكان واحد، ثم يحدث نصر لأهل الحق على هؤلاء القوم في بلد واحد، حيث يُقضى عليهم مرة واحدة؛ فكانت نظرة سيدنا سعد مطمئنة للمسلمين، فهم قد جمعوا لنقمة.

    فقرر سيدنا عمر بن الخطاب ألاّ يخرج على رأس الجيوش، وألاّ يستدعي أهل الشام أو أهل اليمن، ولكن سيكتب إلى الشام طالبًا منهم مددًا قليلاً لنجدة المسلمين في فارس، وكانت فرقة صغيرة وعلى رأسها القعقاع بن عمرو التميمي، وهذا ما أضافه سيدنا عمر بن الخطاب t، ثم قال عمر: أشيروا عليَّ بمن أولِّيه أمر الحرب، وليكن عراقيًّا (أي من الجيش الموجود بالعراق).

    فقالوا: أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين.

    فقال: "أما والله لأُوَلِّينَّ رجلاً يكون أَوَّلَ الأسِنَّة إذا لقيها غدًا".

    قالوا: من يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مُقَرِّن.

    فقالوا: هو له. ونذكر مقالة سيدنا عبد الله بن عباس: إن للإيمان بيوتًا وللنفاق بيوتًا، وإن بيت بني مُقَرِّن من بيوت الإيمان. وسيدنا النعمان بن مقرن أحد إخوة كلهم يقاتلون في سبيل الله وهم أحد عشر رجلاً، وقد نزل فيهم قول الله تعالى: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:99].

    وكان سيدنا النعمان مشاركًا في الحروب الفارسية، وبعد معركة تُسْتَر عينه سيدنا سعد بن أبي وقاص جابيًا على "كَسْكَر" يعيش في أمان بعيدًا عن أرض المعركة ولا تتعرض نفسه للخطر، ولكن كانت نفس سيدنا النعمان بن مقرن تواقة إلى الجهاد، فكتب إلى عمر -وهو على كَسْكَر- وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند؛ فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له.

    وفي الوقت نفسه تصل رسالة من سيدنا سويد بن مقرن إلى سيدنا عمر بن الخطاب، وكان -أيضًا- جابيًا من قبل سيدنا سعد بن أبي وقاص على منطقة أخرى، وكان في الرسالة نفس ما قاله سيدنا النعمان بن مقرن، فيرسل سيدنا عمر بن الخطاب رسالة إلى النعمان يقول فيها:

    "بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد.. فإنه قد بلغني أن جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فَسِرْ بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرًا فتؤذِيَهم، ولا تمنعهم حقًّا فتكفِّرَهم، ولا تدخلهم غيضة، فإن رجلاً من المسلمين أحب إليَّ من مائة ألف دينار, وقد كان المسلم أيضًا أغلى وأَحَبُّ عند النبي ؛ فقال : "لحرمة دم المسلم أغلى عند الله من الكعبة"[3].

    فَسِرْ في وجهك ذلك حتى تأتي "مَاه" (على بُعد مائة وثلاثين كيلو مترًا غربي نهاوند) فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فَسِرْ إلى الفيرزان ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا بالله، وأَكْثِروا من لا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام عليك".

    ثم كتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان في الكوفة بأن يرسل ثلثي الجيش إلى النعمان بن مُقَرِّن ويقابله في "ماه"، وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان -كاتم سر النبي - حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، فإن قُتِل النعمان فحذيفة، فإن قتل فنعيم بن مقرن, وهو أخو النعمان بن مقرن t.

    وكتب إلى أبي موسى بتقسيم جيشه إلى ثلاث فرق إحداها في الحريم والذراري، والفرقة الثانية إلى الأهواز، وفرقة تخرج إلى "ماه" وأنت على رأسها ليقابل سيدنا النعمان بن مقرن في "ماه" ويكون تحت إمرته.

    وكتب سيدنا عمر بن الخطاب إلى المسلمين في منطقة الأهواز منهم: سيدنا حرقوص بن زهير، وسلمى بن القين، وحرملة بن مريطة يأمرهم في رسالته بشغل الفرس عن إخوانهم في أرض نهاوند، ومع أن هذه المنطقة تحت حكم الدولة الإسلامية إلا أن بها عددًا من الفرس، وقد أعطى بعضُهم عهدًا للمسلمين، وبعضهم هُزِمَ من المسلمين.

    وما إن وصلت الرسائل حتى تحركت الجيوش إلى مدينة "ماه"، وبعد أن وصلت رسالة تولية سيدنا النعمان بن مقرن يقوم بإرسال مجاشع بن مسعود من صحابة النبي بجيش إلى مكان يسمى "غُضَيّ شجر"، وهذه المنطقة تقع بين نهاوند وبين جنوب فارس، والغرض من إرسال هذه الفرق أمران:

    الأمر الأول: أن تحمي مجنبة الجيش المتحرك من السوس إلى ماه؛ لأن الطريق من السوس إلى ماه في منتهى الصعوبة، فهو طريق جبلي وعر جدًّا، فأراد أن يؤمِّن الطريق خوفًا من أن تأتي فرقة من فرق الفرس من الجبال فتهجم على المسلمين من خلف الجيش، فقد تعلّم من مدرسة سيدنا خالد بن الوليد، فكان أول من دخل منطقة فارس وأول من أَمَّن الجيوش.

    والغرض الثاني لجيش سيدنا مجاشع بن مسعود: قطع إمدادات أهل فارس في الجنوب عن أهل نهاوند في الشمال، فكان لهذا الجيش غرض تأميني، وغرض قطع الإمدادات عن الجيش الفارسي في نهاوند.

    وبعد أن تجمعت الجيوش في منطقة "ماه" بدأ سيدنا النعمان بن مقرن بتجهيز الجيوش ليضع خطة حربه في نهاوند؛ فبدأ بإرسال فرق استكشافية تستكشف له الطريق وتستكشف أرض الفرس، فأرسل ثلاثة أشخاص هم: عمرو بن أبي سلمى، وعمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد الأسدي، ولهذين الاثنين تاريخ طويل في العمليات الاستكشافية، وقد كان لسيدنا طليحة بن خويلد الأسدي باع طويل في الاستكشافات داخل الأراضي الفارسية، فأرسل الثلاثة ليأتوا بخبر القوم، فسارت الطليعة يومًا وليلة، فرجع عمرو بن أبي سلمى فقيل له: ما رجعك؟ فقال: كنت في أرض العجم، وقتلت أرضٌ جاهلها، وقتل أرضًا عالِمُها.

    ثم رجع بعده عمرو بن معديكرب وقال: لم نَرَ أحدًا؛ وخفت أن يُؤْخَذَ علينا الطريق. ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى انتهى إلى نهاوند. وبين موضع المسلمين الذي هم فيه ونهاوند بضعة وعشرون فرسخًا، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحَبَّ، ثم رجع إلى النعمان بعد ستة أيام من خروجه حتى قال الناس: ارتد طليحةُ الثانية. فعلم كلام القوم ورجع، فلما رأوه كبروا. فقال: ما شأنكم؟ فأعلموه بالذي خافوا عليه. فقال: والله لو لم يكن دين إلا العربي ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة. فأعلم النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد.

    وقد خشي بعض المسلمين أن يكون سيدنا طليحة بن خويلد قد ارتدَّ ولجأ إلى معسكر الفرس، وقد ادَّعى سيدنا طلحة بن خويلد النبوة في عهد النبي {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93]، وتاب الله عليه بعد ذلك وحسن إسلامه، وكانت له جهود عظيمة في حروب المسلمين مع الفرس حتى نال الشهادة في سبيل الله.

    وعاد سيدنا طليحة إلى سيدنا النعمان ليخبره بخبر الفرس، وأن تجمعهم خارج نهاوند وعلى رأسه الفيرزان، وعلى الميمنة الزردق، وعلى الميسرة رجل اختلف فيه المؤرخون وقالوا: هو بهمن جاذويه؛ ولكن الواقع أن بهمن جاذويه قُتِلَ في القادسية، وهذا القائد شخص آخر بالتأكيد، وأخبره أن الطريق من هنا إلى نهاوند ليس فيه فارسي واحد.

    فقرر سيدنا النعمان بن مقرن التحرك إلى الفرس، وعبَّأ جيشه قبل أن يتحرك إلى الفرس في نهاوند ليأخذ بكل أنواع الحذر، فلو حدث أن قابل الفرس في الطريق يكون قد أخذ أهبته واستعداده، فيجعل على المقدمة نعيمَ بن مقرن، والقعقاع بن عمرو التميمي على فرقة من الخيول وتسير هذه الفرقة مع المقدمة، والنعمان بن مقرن نفسه على وسط الجيش، وعلى الميمنة حذيفة بن اليمان، وعلى الميسرة سويد بن مقرن، وعلى المؤخرة مجاشع بن مسعود، ويتوجه الجيش إلى نهاوند.

    ومما يذكر أيضًا في ذلك التحرك أن جيش نعيم بن مقرن والقعقاع كان على مسافة أبعد من مرمى البصر من جيش النعمان بن مقرن، حتى إذا لاقى الفرس مقدمة المسلمين ظنوا أنه جيش المسلمين كله وليس وراءه جيوش أخرى، ويتقدم سيدنا النعمان حتى يصل إلى نهاوند.

    أما عن تفاصيل هذه المعركة التي سُمِّيت في كتب التاريخ بـ"فتح الفتوح"، والخُطَّة التي وضعها أحد المسلمين في هذه المعركة، ومن أول شهيد في هذه المعركة؛ فهذا ما نعرفه في المقال القادم إن شاء الله.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:12 pm


    موقعة نهاوند
    نبدأ في هذا المقال الحديث عن موقعة نهاوند، وكما ذكرنا من قبل كان النعمان بن مُقَرِّن على رأس الجيوش الإسلامية متوجهًا إلى نَهاوَنْد بعد أن تجمعت الجيوش الفارسية في مدينة "ماه" على بُعد مائة وثلاثين كيلو مترًا منها، وعندما وصلت الجيوش وجد المسلمون أن الجيش الفارسي عسكر خارج مدينة نَهاوَنْد وعلى رأسه الفيرزان؛ فحَفَّز سيدنا النعمان الجيش وبدأ في التكبيرات، وكان التكبير شعار المسلمين في الحروب الفارسية، ولما كبر المسلمون تزلزلت الأعاجم وخُلِعَت قلوبهم، وكان تعداد الجيش الفارسي كما ذكرنا من قبل مائة وخمسين ألف فارسي، وتعداد الجيش الإسلامي ثلاثون ألف مسلم، ونشب القتال وكان قتالاً عنيفًا وشديدًا، يشبهه المؤرخون بقتال القادسية وجَلُولاء وكانا من أشد قتال مرَّ بالمسلمين، ويمضي يوم على القتال بين المسلمين والفرس وما زالت الحرب سجالاً بين الطرفين، ولم يحقق أيُّ الفريقين انتصارًا، وبقدوم الليل توقف القتال لتعاد الكَرَّة في الصباح، وانتهى اليوم الثاني وما زالت المعركة سجالاً بين الجيشين، على الرغم من كثرة تعداد الفرس وأنهم خمسة أضعاف الجيش الإسلامي، فكان جهدًا عظيمًا بُذِلَ من قبل المسلمين، وأدرك الفرس أن المعركة إن استمرت على تلك الحالة ستكون الغلبة للمسلمين.

    انسحاب الفرس :
    بعد أن انتهى اليوم الثاني، أدرك الفرس أنه لا مناص من الهزيمة التي حتمًا ستلحق بهم، فانسحب الجيش الفارسي ليتحصن بداخل مدينة نَهاوَنْد، وصبحهم المسلمون في اليوم الثالث فلم يجدوا جيش الفرس كما عهدوا في أول يومين في المعركة، فقد انسحب بداخل نَهاوَنْد وأغلق على نفسه الحصون العالية، ومنطقة نَهاوَنْد كما ذكرنا منطقة جبلية، وحصن نَهاوَنْد فوق جبل عالٍ، ومكان الحصن كان يعطي قوة كبيرة للفرس، فبينما هم بالداخل كان المسلمون أسفل الحصن، وبإمكان الفرس أن يصلوا إلى المسلمين بسهامهم، ومن الصعوبة أن يصل المسلمون إلى الفرس بسهامهم، فكان الحصار فيه مشقة كبيرة على المسلمين، لكن صَبَرَ المسلمون -كعادتهم- في القتال واستمروا في حصار الحصن فترة تقترب من الشهر، وكانت من أشد الفترات على المسلمين، وكان الحصار أصعب من حصار "تُسْتَر" بالرغم من أن حصار تستر استمر عامًا ونصفًا، إلا أن هذا الشهر كان في غاية الصعوبة فقد تزامن مع فصل الشتاء، وكان الجو شديد البرودة خاصة في المرتفعات، ولم يتعود المسلمون من قبل على مثل هذا الجو من البرد، فقد نشأ غالبيتهم في مكة والمدينة حيث شدة الحر، ولم يكن مع المسلمين سوى الخيام القليلة وقليل من الملابس تحميهم من البرد، ورابط المسلمون وتحملوا المشقة والمجهود منتظرين نصر الله تعالى القريب.

    حركة القعقاع بن عمرو التميمي :
    لما طال على المسلمين هذا الحال واستمر، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأي من الجيش، وتشاوروا في ذلك، وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيد واحد، فتكلم النعمان فقال: "قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم، وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمون على إخراجهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟".

    فتكلم عمرو بن ثُبَيٍّ أولاً -وهو أَسَنُّ من كان هناك- فقال: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم.

    فرد الجميع عليه وقالوا: إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، وإنجاز موعود الله لنا.

    وتكلم عمرو بن معديكرب فقال: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم.

    فردوا جميعًا عليه وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، والجدران أعوان لهم علينا. فكان من الحكمة عدم التسرع حتى لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، بوضع خطة ناجحة لا تؤدي إلى هلكة المسلمين ويكون بها النصر.

    وقام طليحة الأسدي t -ومنذ دخوله في حروب فارس كان له الأثر الواضح البين في المعركة، وكأنه يريد أن يكفر عن الذنب العظيم القديم- فقال: إنهما لم يصيبا، وإني أرى أن ينسحب الجيش الإسلامي من أمامهم بكامله، ثم تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم، فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابًا، فإذا استطردوا وراءهم وأرّزوا –تجمعوا- إلينا عزمنا أيضًا على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكُّون في الهزيمة، فيخرجون من حصونهم على بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضي الله بيننا.

    واستجاد الناس هذا الرأي، وفكر سيدنا النعمان في القيام بهذه المهمة الصعبة، ومن يختار لها، ووقع اختياره على فارس من فرسان المسلمين قال عنه الصديق: إنه بألف رجل. فأمر النعمان القعقاع بن عمرو، وكان على المجردة، فتحرك في الظلام ناحية مدينة نَهاوَنْد، وفي الوقت نفسه ينسحب الجيش الإسلامي ويختفي وراء جبل من الجبال البعيدة، ولم يظهر أمام نَهاوَنْد إلا القوات التي مع القعقاع بن عمرو التميمي.

    وفي بداية الصباح يبدأ المسلمون برشق السهام الكثيرة، وكانوا فرقة من الرماة المهرة استطاعت أن تصل سهامهم إلى داخل حصون نَهاوَنْد، ووجد الفرس أن هذه الفرقة تسبب لهم الأذى رغم أنها قليلة العدد؛ فَغَرَّهم ذلك وخرجوا للقتال، ونشب القتال وكانت معركة من أشد المعارك حتى على القعقاع نفسه كما يقول هو، وكان الجيش يقاتل ولا يريد النصر، فبعقليته العسكرية لا يريد أن يحقق نصرًا صغيرًا بل أراد أن يظهر أمامهم الهزيمة حتى يخرجهم من حصونهم، وبدأ القعقاع في تنفيذ الخطة التي اتفق عليها المسلمون، فأظهر الهزيمة حتى أخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا، وقد قرن بعضهم بعضًا كل سبعة في قِرَان، وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا.

    فلما خرجوا نكص ثم نكص، واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة، وقالوا: هي هي. فلم يبقَ أحدٌ إلا من يقوم على الأبواب، ولحق القعقاع بالناس، وانقطع الفرس عن حصنهم بعض الانقطاع، والمسلمون على تعبيتهم في يوم جمعة في صدر النهار، وكان الجيش الإسلامي يقف خلف جبل يراقب الموقف من بعيد، وأصبح القتال من الشدة بمكان على الفرقة الإسلامية التي يقودها سيدنا القعقاع بن عمرو؛ فقد أنشب القتال بينه وبين الفرس من الفجر إلى قبل الظهر بقليل، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم، لئلا ينسحب الفرس، فما زالت بقية الجيوش الفارسية داخل حصونهم، ففعل المسلمون واستتروا بالحجف من الرمي، وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح.

    وشكا بعض الناس وقالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه، فما تنتظر بهم؟ ائذن للناس في قتالهم. فقال: رويدًا رويدًا. فكان النعمان رابط الجأش حليمًا على شدته وضراوته في القتال؛ فقد قال فيه سيدنا عمر بن الخطاب t: لأولين عليهم رجلاً أسبقَ من الأسنة. فهو يقاتل بحكمة وغير متسرع في القتال، وظل على موقفه حتى جاءه المغيرة بن شعبة وقال: إن القتال قد اشتد على القعقاع ومن معه، ولا أرى ذلك رأيًا، ولو كنت مكانك لناهدتهم. فقال سيدنا النعمان: رويدًا رويدًا ترى أمرك، نحن نرجو في المكث ما ترجو أنت في الخروج. فيتألم المغيرة لما يحدث بالمسلمين، وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال، وصلَّى الجيش صلاة الظهر، ووقف النعمان يخطب في المسلمين، وكانت هذه الخطبة من الخطب التاريخية المشهورة (ومنها خطبة سيدنا سعد بن أبي وقاص في القادسية، وخطبة سيدنا عتبة بن غزوان في فتح الأبلة، ومنها خطبة سيدنا النعمان بن مُقَرِّن في فتح نَهاوَنْد)، فقام النعمان فيهم خطيبًا وقال: "قد علمت ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم أوله وسيلحق بكم آخره، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزة، فأنتم اليوم عباد الله حقًّا وأولياؤه، وقد ترون ما أنتم بإزائه من عدوكم، وما اخترتم وما اختاروا لكم، فأما ما اختاروا لكم فهذه الرثَّة وما ترون من هذا السواد، وأما ما اخترتم لهم فدينكم، ولا سواء ما اخترتم وما اختاروا، فلا يكونُنَّ على دنياهم أحمى منكم على دينكم، وأتقى عبادِ الله رجلٌ صَدَقَ الله، وأبلى بنفسه فأحسن البلاء، وإنكم تنتظرون إحدى الحسنيين: من بين شهيد حيٍّ مرزوقٍ أو فتح قريب، فليكفِ كل رجل ما يليه، ولا يكلْ أحدكم قرنه إلى أخيه، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه، فعلى المسلم أن يكفي نفسه ويحاول أن يكفي غيره، فكل رجل منكم مُسلَّط على ما يليه".

    فلما كان قريبًا من تلك الساعة التي كان يقاتل فيها النبي ركب فرسَه وسار في الناس، ووقف على كل راية يذكرهم ويحرِّضهم ويمنِّيهم الظفر، وقال: إذا قضيت أمري فإني مكبرٌ ثلاثًا، فإذا كبرت الأولى شد الرجل شعثه، وأصلح من شأنه، وليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية شدَّ الرجل إزاره، وليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض وليتهيأ لوجه حملته، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل فاحملوا. وقال: اللهم إني أسألك أن تُقِرَّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عِزُّ الإسلام، واقبضني شهيدًا، واجعلني أول شهيد؛ أَمِّنوا يرحمكم الله. فأَمَّن المسلمون، وبكى الناس جميعًا.

    وبدأ القعقاع بالتراجع مُظهِرًا الهزيمة أمام الفرس، متجلدًا لقتالهم حتى وصل إلى مقدمة الجيوش الإسلامية المختبئة خلف الجبال.

    وقد اختار الجيش الإسلامي مكانًا فسيحًا للقتال، ويقع بين الجبل الذي يختبئ وراءه المسلمون والناحية الأخرى هاوية سحيقة، وأراد المسلمون حصار الفرس في هذه المنطقة، فكان ظهر المسلمين الجبل وكانت هذه الهاوية السحيقة في ظهر الفرس، فإذا ضغط المسلمون على الفرس ضغطًا شديدًا، فسيكون السقوط في الهاوية أحد عوامل الهزيمة غير سيوف المسلمين، فكان اختيار الأرض موفقًا.

    ويكبر سيدنا النعمان التكبيرات الثلاث التي اتفق عليها المسلمون، ويحمل راية المسلمين النعمان بن مقرن، ورأى المسلمون الراية تتجه نحو الفُرْسِ بسرعة الصقر، فقد كان سيدنا النعمان من أسرع المقاتلين في الحرب كما وصفه سيدنا عمر بن الخطاب؛ ولما رأى المسلمون الراية تتجه ناحية الفرس هجموا هجومًا عنيفًا على الفرس، وتلتقي السيوف في لقاء شديد؛ يقول سيدنا جبير: والله ما علمت من المسلمين أحدًا يريد أن يرجع إلى أهله حتى يُقتلَ أو يَظفَر. والله تعالى يقول في سورة النساء: {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]. فليس هناك خيار ثالث بالنسبة للمسلم، فهو أمام خيارين: إما النصر وإما الشهادة؛ يقول جبير: فحملنا حملة واحدة وثبتوا لنا، فما كنا نسمع إلا صوت الحديد على الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة من شدة ثبات الفرس للقتال. ويقول جبير: فلما رأوا صبرنا وأنا لا نبرح القتال انهزموا. وتذكرنا هذه المقالة بمقالة سيدنا خالد بن الوليد في الرسالة التي بعثها إلى ملوك فارس قائلاً لهم: جئتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.

    ويبدأ القتال الشديد العنيف، ويروي من حضر هذه المعركة من المسلمين أنهم لم يروا مثل شدته قطُّ، فكل معركة مع الفرس كانت أشد من سابقتها، فكانت القادسية من أشد المعارك على المسلمين، ثم كانت جلولاء أشد من القادسية، ثم كانت تُسْتَر، ثم نَهاوَنْد فكانت أشدها.

    ولما اشتد القتال وحمي وطيس الحرب، وفي وسط المعركة يأتي سهم من الفرس ليستقر في قلب سيدنا النعمان بن مقرن قائد المسلمين، وقد استجاب الله دعاءه واتخذه الله شهيدًا كما قال تعالى في كتابه: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140]، فسقط شهيدًا في ميدان القتال، وكان أول شهيد من شهداء المسلمين في معركة نَهاوَنْد، وقبل أن يلفظ النعمان أنفاسه الأخيرة اقترب منه مَعْقِل بن يسار مطمئنًّا على حاله؛ فيقول له النعمان: ماذا فعل المسلمون؟ فقال معقل: أبشر بنصر من الله. فيقول سيدنا النعمان بن مقرن: "بشروا عُمر؛ فيحمد الله تعالى على ما أجزله الله من نصر المسلمين"، ويتلفظ بالشهادة لتكون آخر كلماته في الدنيا ويلفظ أنفاسه الأخيرة، ليخلد في النعيم المقيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأول من أتاه بعد سقوطه أخوه سيدنا نعيم بن مقرن قائد المقدمة، فيعتصر قلبه من الألم لما رأى من حال أخيه وسقوطه في بداية المعركة، وخشي على المسلمين من المصيبة فسجاه بثوبه، وأخذ الراية قبل أن تسقط، وذهب بها إلى سيدنا حذيفة بن اليمان وأخبره باستشهاد سيدنا النعمان بن مقرن، فقال له سيدنا حذيفة: اكتم مصاب أميرنا عن المسلمين. فيحمل سيدنا حذيفة بن اليمان الراية ويستمر القتال إلى الظلام، ولم يكن القتال في الظلام دَيْدنًا في حروب المسلمين بل كان في أوقات معدودة، كما كان في ليلة الهرير في القادسية، وفي ليلة جلولاء، وهذه هي الليلة الثالثة في فتوح فارس، واستمر القتال في الظلام حتى أصبحت الهلكة شديدة في الفرس وكثرت الدماء، حتى انزلقت الأقدام في الدماء من كثرتها، وكثر انزلاق الخيول في هذه المعركة، حتى إن بعض المؤرخين لهذه المعركة يذكرون أن استشهاد النعمان بن مقرن كان إثر انزلاق جواده في الدماء، والأقرب للصحة أن استشهاده كان على إثر سهم من سهام الفرس استقر في قلبه ليستقر في جنات الخلد.

    وما يعلم جنود ربك إلا هو :
    بعد قتال استمر من الزوال إلى الظلام كتب الله النصر لجنده المؤمنين ولعباده المخلصين، وقُتِلَ عددٌ كبير من الفرس يحصى بمائة وعشرة آلاف فارس من مجموع مائة وخمسين ألفًا، منهم ثمانون ألفًا لم يقتلوا بسيوف المسلمين، وإنما قتلوا سقوطًا في الهاوية السحيقة، وذلك يرجع إلى توفيق الله ثم حُسْنِ اختيار المسلمين لأرض المعركة، وهذا من أكبر الأدلة على أن الأخذ بالأسباب له أهمية قصوى في القتال، وقُتل بأيدي المسلمين ثلاثون ألفًا، وفَرَّ أربعون ألفًا من أمام المسلمين شمالاً إلى مدينة همذان التي تبعد عن نَهاوَنْد مائة كيلو مترٍ تقريبًا شمالاً، وممن فرَّ إلى الشمال الفيرزان قائد الجيوش الفارسية، وأراد أن يلحق بهمذان لوجود فرقة فارسية متحصنة فيها، وكعادة المسلمين أرسلوا فرقة تطارد فلول الهاربين على رأسها القعقاع بن عمرو التميمي، وكان الطريق صعب السير فيه فقد كانت منطقة جبلية، وليس للفرس هروب يمين أو يسار فكان الأمر معتمدًا على السرعة، ولاح للمسلمين جيش الفرس الفارّ من أرض المعركة، ويتنزل النصر من عند الله بجند من جنوده {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31]، وكان الأمر غير متوقع في ذلك الوقت، يقابل جيش الفيرزان بغالاً وحميرًا تحمل عسلاً، قطعت الطريق على جيش الفيرزان، والبغال والحمير تسير ببطء، فنزل الفيرزان من على فرسه وكذلك فعل بقية الجيش الفارسي، وفروا في الجبال على أقدامهم، فينزل المسلمون عن خيولهم ويتتبعون الجيش الفارسي، ويلمح سيدنا القعقاع الفيرزان من على بُعْدٍ فيعرفه من هيئته فيتتبعه القعقاع بن عمرو فيقاتله ويقتله القعقاع، وكانت هذه المنطقة ثنية في الجبل وهو الطريق الواسع في الجبل، فسميت هذه المنطقة بثنية العسل، وظلت معروفة بهذا الاسم إلى زمان الإمام الطبري، وكان المسلمون يتفكهون ويقولون: إن لله جنودًا من عسل. وبعد تتبع الفارين وقتل الفيرزان، عادت الفرقة التي كان على رأسها القعقاع بن عمرو إلى نَهاوَنْد.

    كان سيدنا عمر بن الخطاب t قد ولَّى السائب بن الأقرع وهو من صحابة النبي على جمع الغنائم، فرغم قلة عدد المسلمين وكثرة عدد الفرس إلا أن سيدنا عمر بن الخطاب كان واثقًا في النصر، فولَّى من يجمع الغنائم ويقسمه.

    بعد انتهاء المعركة دخل سيدنا السائب بن الأقرع إلى مدينة نَهاوَنْد التي خَلَتْ من المقاتلين الفرس ليجمع الغنائم، ولما دخل المسلمون المدينة أتاهم "الهربذ" صاحب بيت النار على أمان، فأبلغ حذيفة، فقال: أتؤمنني ومن شئتُ على دمي وعيالي، على أن أخرج لك ذخيرةً لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟ فأمَّنه السائب بن الأقرع، فأحضر جوهرًا نفيسًا في سفطين –وعاءين- من جواهر يزدجرد كسرى فارس، قسَّم السائب بن الأقرع الغنائم على المسلمين بعد جمعها، وقسم كل الغنائم ما عدا السفطين، فكان نصيب الفارس ستة آلاف درهم، ونصيب الراجل ألفا درهم، فالفارس يأخذ من الغنائم ثلاثة أضعاف الراجل لإنفاقه على فرسه، وبقي السفطان، فقال سيدنا حذيفة: ماذا نفعل بهم؟ فقال السائب: والله لا أرى إلا أن نرسلهما إلى عمر في المدينة. فوافقه المسلمون على ذلك، فحمل السائب بن الأقرع السفطين مع خُمس الغنائم إلى سيدنا عمر بن الخطاب، وليست معه قوة تحميه.

    وكعادة سيدنا عمر بن الخطاب t يقف منتظرًا ليعرف أخبار المسلمين بنفسه t كما كان يفعل في معركة القادسية والمدائن، فكان يخرج كل يوم ليطمئن على أخبار الجيش ويدعو لهم.

    فرأى السائب بن الأقرع قادمًا عليه فقال: ما وراءك؟ فقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك وأعظم الفتح. وسمي هذا الفتح في التاريخ فتحَ الفتوح، ورغم المعارك التي سبقت هذا الفتح إلا أن كسر شوكة الفرس في هذه المعركة كان شديدًا، وكان القتال في عمق بلاد فارس مما هَزَّ الدولة الفارسية، فتبسَّم سيدنا عمر بن الخطاب t، وسَعِدَ سعادة كبيرة، ثم قال: وما فعل النعمان؟ فقال السائب: لقي ربه شهيدًا. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده -والكَتِدُ: مُجْتَمَعُ الكَتِفَيْنِ من الإِنسان والفرس، وقيل: هو الكاهِل. وقيل: هو ما بين الكاهل إِلى الظهر، ثم قال عمر: وما فعل بقية المسلمين؟ فقال: لقد استشهد منهم كثير لا نعرف أنسابهم. فقال سيدنا عمر بن الخطاب: وما ضرَّهم ألا يعرفَهم عُمَرُ ابن أم عمر، إن الله الذي لاقَوْه يعرف وجوههم وأنسابهم. ويستمر في البكاء t فترة، وكان الوقت ليلاً فقال سيدنا عمر بن الخطاب للسائب بن الأقرع: ضَعِ الغنائمَ في المسجد في بيت المال.

    ويذهب وينادي سيدنا علي بن أبي طالب وعبد الله بن الأرقم ليحرسا الغنائم حتى الصباح، وبعد أن أدَّى سيدنا السائب بن الأقرع المهمة التي كلف بها، وبعد أن ترك الغنائم في بيت المال، يرجع في الليلة نفسها إلى بلاد فارس حتى يلحق بالجيوش للقتال، فهو لا يريد أن يترك لحظة واحدة من لحظات الجهاد في سبيل الله، وعاد السائب بن الأقرع إلى أرض الجهاد رغم المسافة البعيدة بين المدينة وأرض فارس، وكانت المسافة من المدينة إلى الكوفة ألف كيلو متر.

    وينام سيدنا عمر بن الخطاب t ليأتي اليوم الثاني ليقوم بتوزيع الغنائم، فيرى سيدنا عمر بن الخطاب t رؤيا رهيبة، فيقوم على أَثَرِها من النوم فزعًا ولا يعلم تأويل هذه الرؤيا، ويستيقظ لصلاة الفجر ثم يذهب إلى بيت المال، وما إن رأى الغنائم حتى عرف تفسير الرؤيا التي رآها.

    وهذا ما سنعرفه في المقال القادم إن شاء الله.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:14 pm

    توسع الفتح الإسلامي في بلاد فارس


    ذكرنا في المقال السابق أن سيدنا عمر بن الخطاب ترك الغنائم في بيت المال وذهب من ليلته لينام، في حين ترك سيدنا السائب بن أقرع المدينة متوجهًا إلى أرض الجهاد في فارس، ونام سيدنا علي بن أبي طالب في المسجد مع الغنائم، وكان في الغنائم سَفَطَان من حُلِيِّ كسرى لم يُعَدَّا من الخُمُس، أتى بهما السائب مع خُمس الغنائم؛ يقول سيدنا عمر بن الخطاب: والله إنْ هو إلا أن نمت في الليلة التي خرج السائب فيها، فباتت ملائكة الله تسحبني إلى ذينك السَّفَطيْن وهما يشتعلان نارًا، يقولون: لنكوِينَّك بهما. فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. وبعد أن صلَّى سيدنا عمر الصبح ذهب إلى بيت المال وعرّف له سيدنا عليّ خمس الغنائم وأنَّ هذين السفطين من حلي كسرى ولم يُعَدَّا في خمس الغنائم؛ فلما رآهما سيدنا عمر قال: هما هما. أي هما السفطان اللذان رأيتهما في المنام، فقال: ما أحد من المسلمين أحق بهذين السفطين إلا الذي اغتنمهما.
    ولم يرد سيدنا عمر أن يحتفظ بهذين السفطين ولكنه بعفَّته المعهودة أمر بردهما على المسلمين الذين غنموهما في المعركة، ثم يأتي بأسرع من في المدينة ليلحق بالسائب بن الأقرع، فما أدرك السائب حتى دخل الكوفة وهو ينيخ بعيره، فقال: الحقْ بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن.
    قال: فركبت معه فقدمت على عمر، فلما رآني قال: إليَّ وما لي وللسائب! قلت: ولماذا؟ قال: ويحك! والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تستحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارًا فيقولون: لنكوينَّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عني فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم. وكان من الممكن أن يبعثهما سيدنا عمر بدلاً من أن يرد السائب، ولكنه أراد أن يعلم السائب درسًا يعلمه لمن وراءه من المسلمين، وهو أن أربعة أخماس الغنائم تقسم على الجيش في أرض المعركة ويبعث بالخمس فقط إلى أمير المؤمنين.
    قال السائب: فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة، فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم. أي مليونين من الدراهم، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف، أي بأربعة ملايين درهم، فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً حتى مات، ثم قسم ثمنهما بين الغانمين، فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السِّفْطَين.
    وأراد عمر أن يرسخ العدل بين المسلمين، وكان بإمكانه أن يحتفظ بهذه الجواهر في بيت مال المسلمين ينفق منها على المسلمين في الضوائق، ولكنه أراد أن ينفذ العدل الذي شُرع أن أربعة أخماس الغنائم تُوزَّع على الجيش، والخمس إلى بيت المال، فليُقَسَّم كما أراد الله.
    ولقد اختبر الله المسلمين بهذا المال الكثير فرغبوا عنه عفةً، والناظر إلى حال المسلمين مع ذينك السفطين يجد عفة متناهية سواء من الجيش أو من أمير المؤمنين، ولما فُتحت المدائن وأرسل المسلمون الغنائم إلى سيدنا عمر، قال: إن قومًا أَدَّوْا هذا لأمناء. فقال له سيدنا عليّ: عففتَ فعفُّوا، ولو رتعت لرتعوا.
    فتح هَمَذان :
    بعد سيطرة المسلمين على مدينة نهاوند وبعد استشهاد سيدنا النعمان بن مقرن، أصبح سيدنا حذيفة بن اليمان هو والي نهاوند، فأرسل فرقة لتتبع الفارين على رأسها القعقاع بن عمرو التميمي حتى وصل إلى ثنية العسل، وسميت بهذا الاسم بعد الحادثة المشهورة التي ذكرناها في الدرس السابق وقتل الفيرزان.
    وأمر سيدنا حذيفة بن اليمان الجيش بأن يسير حتى همذان (تبعد عن نهاوند بمائة كيلو متر)، فوصلت مقدمة الجيش إلى همذان وخرج إليه صاحب همذان وأهلها يطلبون من سيدنا القعقاع الصلح على الجزية فصالحهم، مع أن حصون همذان من أقوى الحصون، وصدق الرسول: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ". ويرسل سيدنا القعقاع إلى سيدنا حذيفة بخبر الفتح، وتفتح همذان في ذلك الوقت صُلحًا.
    وكان سيدنا عمر t قد ألغى قراره السابق للجيوش عن الانسياح في بلاد فارس خوفًا عليهم من الغنائم، وكان سبب دخول المسلمين نهاوند هو تجمع أعداد من الفرس يقدر عددهم بمائة وخمسين ألفًا لمحاربة المسلمين.
    وقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وإن ملك فارس بين أظهرهم، ولا يزالون يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنَّا لم نأخذ شيئًا بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح، فنسيح في بلادهم ونزيل ملكهم، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس.
    فقال: صدقتني والله! ونظر في حوائجهم وسرَّحهم. وأتى عمرَ الكتابُ باجتماع أهل نهاوند، فأذن في الانسياح في بلاد الفرس.
    فتح أصبهان :
    بعد فتح نهاوند وهمذان فكر سيدنا عمر في الانسياح في بلاد فارس، وتحير سيدنا عمر بأي بلاد فارس يبدأ، ولكن عاجله الفرس فتجمعوا في أصبهان، فقرر سيدنا عمر أن يبعث جيشًا إلى أصبهان، فيرسل رسالة إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان والي الكوفة وكلِّ أراضي فارس بعد سيدنا سعد بن أبي وقاص (كما ذكرنا ذلك من قبل في عزل سيدنا سعد وتولية عبد الله بن عبد الله بن عتبان)، يأمره بتجهيز جيش إلى أصبهان، وأن يقود الجيش بنفسه لفتح أصبهان، وأن يترك على الكوفة زياد بن حنظلة ليصبح والي الكوفة وأراضي فارس، ولكن لم يبقَ في الولاية كثيرًا؛ فقد وجد صعوبة في التعامل مع أهل الكوفة، فهم الذين شكوا سيدنا سعد بن أبي وقاص إلى سيدنا عمر فعزله، واستعفى سيدنا زياد من الولاية، فأعفاه سيدنا عمر وولَّى مكانه سيدنا عمار بن ياسر y أجمعين.
    وتحرك جيش سيدنا عبد الله بن عتبان من الكوفة إلى حلوان إلى نهاوند، وأمره سيدنا عمر أن يأخذ نصف قوات جيش سيدنا حذيفة بن اليمان ويتحرك بها إلى أصبهان، ثم أرسل سيدنا عمر برسالة إلى سيدنا أبي موسى الأشعري وهو والي البصرة في ذلك الحين، وكما ذكرنا من قبل أن أهم مدينتين في بلاد العراق وفارس هما الكوفة والبصرة، وتخرج من المدينتين الجيوش الإسلامية.
    وأراد سيدنا عمر أن يحاصر أصبهان ويهاجمها من طريقين: من الطريق الشمالي الذي وجَّه إليه عبد الله بن عتبان، ومن الطريق الجنوبي. ورسالة سيدنا عمر إلى سيدنا أبي موسى الأشعري مضمونها أن يخرج سيدنا أبو موسى الأشعري على رأس الجيش القافل من البصرة ويتجه إلى أصبهان من جهة الجنوب، ولو نظرنا إلى أبعاد الخرائط نجد أن أصبهان في عمق الدولة الفارسية، فقد توغل المسلمون في داخل الأراضي الفارسية توغلاً كبيرًا.
    ووصل عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى أصبهان قبل أبي موسى الأشعري، فيقابله جيش أصبهان خارج مدينة أصبهان بنحو خمسة كيلو مترات وقائد الجيوش بندار، وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه، شيخ كبير ومن المقاتلين المهرة، ولم يمنعه هذا السن الكبير عن القتال.
    والتقى الجيشان وذلك قبل وصول جيش أبي موسى الأشعري؛ يقول الرواة: إنها كانت على مِنْوال معركة نهاوند، وينتصر عبد الله بن عبد الله بن عتبان على هذه الفرقة، ويقتل عبد الله بن ورقاء الرياحيُّ الشيخ الكبير قائد مقدمة جيوش أصبهان، وسمي ذلك الوادي "رُسْتاق" وادي الشيخ إلى اليوم.
    ثم انسحب الجيش الفارسي إلى داخل أصبهان وتحصَّن داخل مدينة "جَيّ"، ووقف المسلمون محاصرين الحصن، وعلى رأس الحصن رجل يسمى "فاذوسفان" وكان أمير مدينة أصبهان، فقاتل المسلمين، وكعادة الفرس يحاربون من وراء جدر؛ يحاربون المسلمين فإذا انهزموا تحصنوا وراء الجدر، وكل ذلك ما مَلَّ المسلمين من الحصار، ولم يأت بعدُ جيشُ أبي موسى الأشعري، وذلك من سرعة عبد الله بن عتبان لا من بطء أبي موسى t.
    وطال الحصار حتى ظن الفرس الهزيمة، فيخرج الفاذوسفان رافعًا راية يريد أن يتحدث إلى قائد المسلمين، فقال لعبد الله بن عبد الله بن عتبان: لا تجعل أصحابك يقتلون أصحابي، ولكن اخرج لي فإن قتلتُك رجع أصحابك، وإن قتلتني سالمك أصحابي، وإن كان أصحابي لا يسقط لهم نشَّابة.
    وكان سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان من أمهر المسلمين وأشدهم ضراوة في القتال؛ فوافق سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان ليقيَ المسلمين قتالاً عظيمًا ويكسب مدينة "جَيّ"، فيخرج سيدنا عبد الله إلى الفاذوسفان، واختارا أن يكون القتال بالرمح لا بالسيف، فقال عبد الله بن عبد الله بن عتبان: تحمل عليَّ أو أحمل عليك؟[1].
    فقال الفاذوسفان: بل أحمل عليك. فوافق عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ويتترَّس بترسه فهجم عليه الفاذوسفان وضربه ضربة قوية تفاداها سيدنا عبد الله بمهارة عالية، ولكن أصاب الرمح سرج فرسه فقطعه، فوقع من على الفرس واقفًا، ثم اعتلى فرسه بقفزة واحدة، وقال للفاذوسفان: هذه نوبتي التي أهجم فيها.
    ولكن لما رأى الفاذوسفان مهارة سيدنا عبد الله، قال له في خبث ومكر: إنك رجل كامل ولا أشتهي قتلك، فارضَ مني الصلحَ (والكَرَّةُ لسيدنا عبد الله بن عتبان، ولا بد من بعض التنازل من الفاذوسفان ليقبل منه سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان). وقال له: اقبل مني الصلح على أن يعطيك أهل أصبهان الجزية كما تطلب، ومن شاء منهم ألا يعطيك الجزية ترك المدينة وترك لك أرضه وماله، والأرض التي امتلكتها عنوة هي لك. فوافق سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وأخذ منهم الجزية وترك لهم حرية الخروج، فخرج ثلاثون رجلاً فقط رفضوا أن يعيشوا مع المسلمين، وأَنِفُوا أن يدفعوا الجزية، وهربوا إلى منطقة محيطة، ثم فكروا في حلٍّ لا يدفعون به الجزية فدخلوا في الإسلام، وحسن إسلامهم بعد ذلك لما رأوا من معاملات المسلمين، وحسن أخلاقهم، ووفائهم في العهد، ومهارتهم في القتال.
    ويسيطر سيدنا عبد الله بن عتبان على المنطقة بكاملها، وكتب عهدًا لفاذوسفان وأهل منطقة أصبهان، هذا العهد تكررت صورته في كل صلح جزية أقامه المسلمون بعد ذلك في كل أراضي فارس:
    "كتاب من عبد الله بن عبد الله بن عتبان للفاذوسفان وأهل أصبهان وحواليها: إنكم آمنون ما أدَّيْتُم الجزية، وعليكم من الجزية قدر طاقتكم في كل سنة تؤدونها إلى من يليكم من المسلمين عن كل حالم (والذي يحدد الطاقة هو والي المسلمين، وكما ذكرنا من قبلُ كانت أقلَّ من نصف الضرائب التي كان يدفعها أهل فارس لوالي الفرس نفسه، فكان أهل فارس يستمتعون بهذه الجزية؛ لأنها أقل بكثير من الضرائب الفارسية)، وعليكم دلالة المسلم وإصلاح طريقه وقراه يومًا وليلةً (وفي بعض الروايات: قراه يومًا وليلة من أوسط طعامكم )، وحملان الرَّاجل إلى مرحلة (أي: إلى البلد التي تليكم)".
    والبند الثاني تكرر في كل معاهدات المسلمين مع الفرس؛ لأنهم توغلوا في أرض فارس وهي ليست بأرضهم، فلا بُدَّ من نصيحة صادقة من أهل البلد للمسلمين، وإذا أخلَّ الفرس بهذا البند سقطت المعاهدة.
    "ولا تَسَلَّطُوا على مسلم، ولكم الأمان ما فعلتم، فإن غيرتم شيئًا أو غيَّره مُغير منكم ولم تُسْلِمُوه فلا أمان لكم، ومن سبَّ مسلمًا بُلِغَ منه (أي: عُوقِب)، ومن ضرب مسلمًا قتلناه".
    وكتب وشهد عبد الله بن قيس، وعبد الله بن ورقاء، وعصمة بن عبد الله، وكلهم من قواد الجيش الإسلامي.
    وكل المعاهدات التي جاءت بعد ذلك كانت صيغت من هذه المعاهدة. وفي المعاهدة نرى عزة المسلمين، ومن يقوم بالمعاهدة من مركز القوة مع من في حالة الضعف. ودائمًا في حال المعاهدات بين القوي والضعيف يقدم الضعيف تنازلات كبيرة، ولا يتوقع أحد أن المعاهدة مكسبٌ للضعيف الذي يرجو القوي المسيطر على البلد ومن في حالة العزة.
    وبعد هذه المعاهدة دانت منطقة أصبهان وما حولها من المناطق للمسلمين، وتم فتح أصبهان سنة إحدى وعشرين هجرية.
    وبدأ المسلمون يرتبون القوات والمسالح (أي الحاميات) في أماكن مختلفة على الحدود الواسعة، وأصبحت الأراضي الفارسية من تُسْتَر إلى أصبهان في أيدي المسلمين، وذلك في سنة إحدى وعشرين؛ ففي العام الثامن عشر دانت تُسْتَر، وفي العام التاسع عشر وصل المسلمون إلى نهاوند، وفي العام الحادي والعشرين وصلوا إلى أصبهان.
    إسقاط الدولة الفارسية :
    بعد أن دانت هذه المنطقة بدأ تفكير سيدنا عمر بن الخطاب في تغيير خريطة العالم، فبدأ بإرسال الجيوش بكثرة من المدينتين العظيمتين: الكوفة والبصرة ليفتح المملكة التي بدأت تترنح.
    ومملكة الفرس مملكة عريضة جدًّا؛ فالعراق على أطراف المملكة ومع ذلك خاض المسلمون فيها معارك كثيرة ليفتحوها، وأصبهان في منتصف فارس. فبدأ الفاروق عمر بإخراج الجيوش بكثرة ليُسقِط هذه المملكة العظيمة مملكة فارس، وليغير مجرى التاريخ كله، وكان ذلك عام اثنين وعشرين من الهجرة.
    ويتذكر سيدنا عمر والصحابة أنهم في السنة الأولى من الهجرة هاجروا من مكة إلى المدينة وهم في أشد حالات الاستضعاف حتى إن رسول الله قائد الأمة في ذلك الوقت يخرج خُفْيَة، وكلنا نذكر حادث هجرة الرسول، وظل المسلمون في حالة استضعاف إلى غزوة الأحزاب في العام الخامس الهجري، حيث بدأ المسلمون يغزون كما أخبرهم بذلك النبي: "الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا"، ثم صلح الحديبية في العام السادس الهجري، ولم يستطع المسلمون توسيع حيِّز السيطرة إلى أبعد من المدينة إلا بعد فتح مكة في العام الثامن الهجري، ثم دانت الجزيرة العربية للنبي قبل موته في العام العاشر الهجري، وكانت هذه الدولة الإسلامية هي الجزيرة العربية فقط، وفي العام الحادي عشر حدثت حروب الردة، وفي العام الثاني عشر تبدأ الحروب لفتح فارس والروم، ونحن وإن كنا نتكلم في الجبهة الفارسية إلا أنه في جانب الروم تحدث معارك على نفس القدر من العظمة والعزة.
    فهذا أمر عجيب جدًّا يسجله التاريخ للمسلمين: أن جيشًا من المسلمين في دولة صغيرة كالمدينة، يبدأ في التوسع حتى تدين له كل هذه المنطقة، وتسقط له دولة عندها من البشر ما لا يُحْصَى عدَدُه، ومن المهارة في الحرب ما يتعجب له الناس، وهزموا الروم قبل ذلك، وعليهم من الأمراء مَن له من الحكمة والمهارة في القتال ما يُضرَب به الأمثال، وعندهم من الأموال الكثير، ثم تسقط هذه الأرض تحت أيدي هؤلاء الأطهار صحابة رسول الله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    فلا بُدَّ من التفكر في هذه الأمور ونحن نفصل حروب فارس حتى لا يظن البعض -كما يدرسون- أن المسلمين حاربوا فارس وانتصروا في القادسية، ثم المدائن، ثم نهاوند، ثم سقطت فارس.
    لا بد أن نعي أن هذه الانتصارات استوجبت جهودًا ضخمة من رجال عظماء، وبوجود أمثالهم تتكرر هذه الانتصارات من جديد، وهذا الأمر ليس معجزة أنبياء وما قام بهذا الأمر إلا بشر وبشر مثلنا، ولكن الفارق هو أنهم طبَّقوا منهج الله، فلما طبقوا المنهج دانت لهم الأرض.
    فتح شمال الدولة الفارسية :
    وبدأ سيدنا عمر يبعث الجيوش واضعًا لها الخطط من المدينة، فيخرج بعض الجيوش من الكوفة لتفتح شمال الدولة الفارسية، وبعض الجيوش من البصرة لتفتح وسط وجنوب الدولة الفارسية.
    وأنفذ عمر بن الخطاب خمسة جيوش من الكوفة لفتح شمال الدولة الفارسية.
    الجيش الأول: وعلى رأسه سيدنا نعيم بن مقرن t، وبلغ تعداد جيشه أربعة وعشرين ألف مقاتل مسلم، خارج من الكوفة في اتجاه همذان؛ لأن همذان نقضت صلحها مع المسلمين، وبدأ الفرس يتجمعون فيها لمحاربة المسلمين. وقال سيدنا عمر بن الخطاب لنعيم: إذا تم فتح همذان فتوجه إلى الري (وهي منطقة كبيرة على بحر قزوين).
    الجيش الثاني: وعلى مقدمة الجيش سيدنا سويد بن مقرن، وهو أخو سيدنا نعيم بن مقرن والنعمان بن مقرن، وكلهم قادة جيوش، وأمر سيدنا عمر نعيم بن مقرن إذا وصل إلى الري أن يخرج سويد من جيش نعيم ويذهب إلى فتح بلدة تسمى قُومِس، ثم يذهب لفتح جرجان، ثم يذهب لفتح طبرستان، وهما أول جيشين خرجا من الكوفة معًا وسيفترقان في الري.
    الجيشان الثالث والرابع:
    وأخرج سيدنا عمر جيشين آخرين ووجههما إلى أذربيجان:
    جيش بقيادة سيدنا بكير بن عبد الله وهو من صحابة رسول الله، وكان صحابيًّا قبل أن يبلغ الحلم، وهناك حادثة مشهورة تتعلق به نذكرها في الكلام عن جيشه. وجيش عليه سيدنا عتبة بن فرقد، وكلاهما مُوَجَّهٌ إلى أذربيجان، وهي منطقة واسعة كبيرة غرب بحر قزوين؛ لذا وجه لها سيدنا عمر جيشين أحدهما من جهة الشرق والآخر من جهة الغرب حتى يسيطرا على منطقة أذربيجان.
    الجيش الخامس: وعلى رأسه سراقة بن عمر، وسيفتح منطقة تسمى "الباب" وهي شمال أذربيجان، وهذا الجيش يسير بمفرده إلى منطقة الباب بعيدًا عن جيشي بكير وعتبة بن فرقد المتجهين إلى أذربيجان.
    وستخرج جيوش من البصرة تتجه لفتح منطقة الوسط، وهي منطقة كبيرة اسمها "خُرَاسَان" التي توجد فيها مدينة "مَرْو"، والتي هرب إليها يزدجرد.
    وستتجه جيوش أخرى إلى الجنوب.
    وما نريد معرفته هو أن كل هذه الجيوش تحركت في وقت واحد، ففي الوقت الذي نتحدث فيه عن جيش نعيم وسويد بن مقرن وبكير وعتبة تدور حروب أخرى في الجنوب، وحروب في الوسط في نفس الوقت.
    فكانت خُطَّة سيدنا عمر أن تتحرك الجيوش الإسلامية إلى فارس في أكثر من اتجاه حتى لا يساعد الفرس بعضهم بعضًا، بل كل طرف يحارب من يهاجمه.
    فتح همذان والري :
    تبدأ الجيوش الإسلامية في التحرك، ويصل جيش سيدنا نعيم بن مقرن إلى همذان سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، ويمر في طريقه إلى همذان بثنية العسل، ويكمل المسلمون الطريق حتى وصلوا إلى همذان، وعلى المقدمة سيدنا سويد بن مقرن، فلما وصلت المقدمة قابلها أهل همذان بالحرب، ولكنها – أي المقدمة – دَكَّت جيوش الفرس في همذان كما ذكر الرواة، فطلب الفرس في همذان الصلح مرة أخرى، فعقد معهم معاهدة هي نفس المعاهدة التي عقدها المسلمون مع أهل أصبهان التي تكلمنا عنها آنفًا.
    وبعد فتح همذان تجمعت قوات أخرى في وجه سيدنا نعيم بن مقرن، وكان ملك الرَّيِّ قد أرسل قائدًا من قواده اسمه "الزينبيّ"، ويعسكر الزينبي في منطقة "وَاج رُوذ" ويرسل رسائل إلى أهل فارس: فيرسل رسالة إلى أهل قزوين وهي مدينة واقعة على بحر قزوين، ويرسل إلى أذربيجان ليمدوه بمدد، فجاءه مدد من أهل قزوين على رأسه "موتا"، ويأتيه من أذربيجان مدد على رأسه "إسفندياذ" ملك مدينة أذربيجان وهو شقيق "رستم" أعظم قواد فارس على الإطلاق، والذي قُتِل في القادسية، فتجمع في "وَاج رُوذ" ثلاثة جيوش: جيش من الرَّيِّ، وجيش من مدينة قزوين، وجيش من أذربيجان حتى تلتقي مع سيدنا نعيم بن مقرن.
    ونقلت عيون المسلمين إلى سيدنا نعيم بن مقرن خبر الجيوش الثلاثة وتجمعهم في واج روذ، فيتحرك سيدنا نعيم بالجيش إلى "واج روذ" ويلتقي مع جموع الفرس؛ يقول الرواة: لقد قُتِلَ من الفرس في هذه المعركة ما لا يحصى عَدَدُه، وخاض المسلمون مع الفرس معارك كثيرة، وفي كل معركة يَقْتُلُ المسلمون منهم مقتلة عظيمة، إلا أنهم مستمرون في محاربة المسلمين.
    بعد الانتصار الذي حققه سيدنا نعيم بن مقرن على الجيوش الثلاثة، توجه بالجيش إلى الري كما خطط له سيدنا عمر بن الخطاب.
    وكان إسفندياذ قد هرب إلى أذربيجان، وهرب الزينبي إلى الري، وأثناء سير الجيش المسلم من "واج روذ" إلى الري يأتيه الزينبي يريد الصلح، فقبل منه سيدنا نعيم بن مقرن ويأخذه هو ومن معه بعد أن قبلوا الصلح مع المسلمين، ويتوجه بكل المجموع إلى منطقة الري، وهناك التقى سيدنا نعيم بن مقرن مع أهل الري في معركة عظيمة في سفح جبل الري مع الفرس، وينتصر عليهم انتصارًا جزئيًّا، ولما جاء الليل انسحب الجيش الفارسي إلى داخل المدينة، وحاصر سيدنا نعيم بن مقرن المدينة منتظرًا الصباح فجاءه الزينبي، وقال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة؛ فابعثْ معي خيلاً أدخلْ بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنهم إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك على أن تعطيني العهد على هذه المنطقة (أي يعطي الجزية للمسلمين ويعاهدهم على الأمان).
    فبعث معه نعيم خيلاً من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو بن مقرن، فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وشاغلهم نعيم بالقتال فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم؛ فانهزموا وقُتِلُوا مقتلة عظيمة وكَثُرَ السبي، وأفاء الله على المسلمين "الري". ومن حول مدينة الري أعطى لهم سيدنا نعيم الأمان على أمان الزينبي، وأصبح الزينبي أميرًا على تلك المنطقة يعطي الجزية للمسلمين.
    فتح قومس وجرجان وطبرستان :
    بعد تسليم الري ومصالحة المسلمين لأهلها خرج سيدنا سويد بن مقرن ليفتح قُومِس وجُرْجان وطَبَرِسْتان كما خطّط سيدنا عمر بن الخطاب، وما بين مدينة الرَّيِّ وقومس ثلاثمائة وخمسون كيلو مترًا، وفي طريق سيدنا سويد من الري إلى قومس، وفي هذه المساحة العريضة الشاسعة لم يقابله فارسي واحد، وكانت الجيوش تفِرُّ من أمامه إلى قومس، وما إن وصل قومس حتى خرج إليه ملكها وأهلها طالبين الصلح مع المسلمين على أن يعطوا الجزية؛ فيعقد معهم معاهدة كالتي عقدها عبد الله بن عبد الله بن عتبان مع أهل أصبهان.
    وكاتَبَ جرجان وطبرستان يخبرهم بوصوله قومس ويعرض عليهم الإسلام أو الجزية أو القتال؛ فيراسله أهل جرجان وطبرستان بقبول الصلح وإعطاء الجزية، ويعقد مع جرجان وطبرستان معاهدة، ويُغيّر سيدنا سويد بن مقرن تغييرًا طفيفًا في معاهدة جرجان حتى يكون لها الأثر في نفوس الفرس.
    وكان لهذا التغيير الأثر الكبير في الفرس، وكان ذلك من حكمة سيدنا سويد بن مقرن، ويكون عبرة لمن بعده من المسلمين بعد ذلك، وللأسف في العصر الحديث تتم المعاهدات بالتغيير الذي أحدثه سيدنا سويد، ولكن انقلبت الآية فأصبح المسلمون في وضع الفرس من الضعف، وأصبح أعداء المسلمين في وضع المسلمين من القوة.
    [1] وكان القتال بالرمح في ذلك الوقت يسير بنظام معين، وهو أن يحمل أحد الفارسين على الآخر بالرمح وهو يتلقى ويدافع عن نفسه، فإذا فشل الأول في الهجوم يهجم الثاني عليه ويدافع الأول.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:16 pm

    معاهدة جرجان

    توقفنا في المقال السابق عند بنود معاهدة جرجان وماذا فعل فيها سويد بن مقرن من تغيير ليسقط الدولة الفارسية إسقاطًا كاملاً، وكانت معاهدة جرجان سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، ونصها:
    "هذا كتاب من سويد بن مقرن لرزبان صول بن رزبان وإلى أهل جرجان أن لكم الذمة وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء في كل سنة قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنا به منكم فله جزاؤه في معونته عِوَضًا من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومِلَلِهم وشرائعهم، ولا يغيّر شيء من ذلك هو إليهم ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين -أي أكرموهم- ولم يبدُ منهم سَلٌّ لسيف، ولا غَلٌّ لمال، وعلى أن من سب مسلمًا بلغ جهده -أي عُوقِبَ- ومن ضربه حلَّ دمه".
    وهذه هي معاهدة جرجان، وتختلف عن المعاهدات السابقة في قوله: "ومن استعنا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضًا من جزائه". وهي أول معاهدة من نوعها يقر فيها قائد المسلمين الفرس على ديانتهم المجوسية ولا يأخذ منهم جزية على أن يدافعوا عن البلد مع المسلمين، وكان ما يحدث قبل ذلك أن جيش المسلمين لم يكن يستعين بأهل البلد المفتوحة، بل يأخذ منهم الجزية مقابل أن يدافع المسلمون عن البلد، لكن هذه المرة عَرَض عليهم سيدنا سويد هذا العرض، فقبل أهل جرجان الدفاع عن البلد ضد أي هجوم خارجي، وهذا الهجوم سيكون -في الغالب- من الفرس نظيرَ إسقاط الجزية عنهم، وقد يجازيه المسلمون على هذا الدفاع الذي قام به.
    انعكاسات التغيير في المعاهدات :
    أولاً: توغل جيش المسلمين لمسافات كبيرة داخل الأراضي الفارسية، فما بين الري وقُومِس -مثلاً- ثلاثمائة وخمسون كيلو مترًا كما ذكرنا، وقد أصبح تعداد الجيش الإسلامي قليلاً بحيث لا يستطيع حماية كل المدن التي فتحها، فكان لا بد من توظيف جزء من الفرس في الدفاع عن هذه الأراضي نظير جزء من المال لضعف الدولة الإسلامية عن الدفاع عن هذه الأراضي.
    ثانيًا: أراد سيدنا سويد بهذه المعاهدة أن يفرق الفرس إلى طائفتين: إحدى الطائفتين تدافع عن المسلمين، وتأخذ أجرها منهم؛ وطائفة أخرى تحارب المسلمين ولا تريد أن تقبل الصلح معهم، بل تهاجمهم. وهذه المعاهدة أحدثت تفككًا بين الفرس؛ فأصبح الفارسي يقاتل أخاه الفارسي دفاعًا عن "جرجان" لصالح المسلمين، فانقسم الفرس إلى فرقتين: فرقة تتسارع لتأخذ أماكن الدفاع إرضاءً للمسلمين، وتحصل على الأموال منهم أو تُسْقَط عنهم الجزية ويدافعوا عن الأرض، والفرقة التي أخذتها العزة أن تتصالح مع المسلمين وتحاربهم، فستحارب الفرس -أيضًا- لأن من بنود المعاهدة الدفاع عن جرجان ضد أي هجوم حتى ولو كان من الفرس.
    ثالثًا: وهذا السبب في غاية الأهمية، وهو أنه طالما يشعر الفُرْسُ بالعداء فلن يتقبلوا الإسلام بنفس راضية؛ فالعدواة والكراهية من أهل الأرض لمن احتلهم هي الأصل في ذلك، وذلك يحول دون تقبلهم الأفكار الإسلامية، أما لو تحولت هذه العلاقة من علاقة عدو لعدو إلى علاقة صداقة أو تجارة أو علاقة يأخذ عليها أجرًا، فمع مرور الزمن تسقط هذه العداوة، وبالتالي يكون الجو أنسب للجيش الإسلامي لنشر الأفكار الإسلامية داخل الأراضي الفارسية.
    وهذه المعاهدة التي عقدها سيدنا سويد بن مقرن، وما فكَّر فيه من نتائج لهذه المعاهدة، وما ذكرته كتب التاريخ آتت ثمارها بعد أشهر، فبعد أن علمت طبرستان بمعاهدة جرجان طلبت من المسلمين معاهدة على نهجها، أي على أن يشترك أهل طبرستان في الدفاع عنها نظير إسقاط الجزية وأخذ أجر من المال، ومعظم المعاهدات بعد ذلك كانت على ذلك النهج. ولما أرسل سويد بنود هذه المعاهدة إلى سيدنا عمر بن الخطاب استحسن ذلك الأمر، وهو دفاع الفرس عن الأراضي الفارسية لصالح المسلمين.
    والمعاهدات مع اليهود في العصر الحديث صورة طبق الأصل من هذه المعاهدة، ولكن على العكس فالمسلمون أصبحوا مكان الفرس، واليهود أصبحوا مكان المسلمين، وكأن اليهود يقرءون كتب المسلمين ويستفيدون منها ويطبقونها عليهم، ونحن لا ننظر إلى تاريخنا، فقد قسموا البلاد الإسلامية الآن إلى أناس مسلمين يدافعون عن بلادهم، وآخرين يتسابقون ليأخذوا الأجر من اليهود وليأخذوا قطعة أرض كجرجان تاركين كل المملكة؛ لتكون لهم سلطة وحكومة تحت سلطان الاحتلال، وأصبح على الأخ المسلم الذي يريد قتال اليهود قتال أخيه الموالي لليهود والمتعاون معهم، كما نشأت صداقة بين هؤلاء واليهود، بعد أن كان اليهود أعداء أصبحوا أصدقاء، وبيننا وبينهم معاملات من تجارة وتبادل ثقافي وتبادل فني وتطبيع رياضي، وتسقط كل الحواجز وينتج عن ذلك أمران:
    ذوبان الأفكار الإسلامية وانتشار الأفكار اليهودية، فكل الأفكار اليهودية الهدامة تأخذ طريقها في الانتشار في منتهى السهولة، بينما تنمحي الأفكار الإسلامية مع الوقت، ولن تقرأ في كتب التعليم أن اليهود أعداء، أو تدرس غزوة من غزوات النبي مع اليهود في كتب التاريخ أو التربية الإسلامية، فلا بُدَّ -عندهم- أن يخرج الجيل القادم وقد تربى على أن اليهود أصدقاء يأخذ منهم الأموال، ويدافع عن أرض المسلمين لصالح اليهود، ولا توجد بينه وبينهم كراهية أو عداوة.
    ومهما حاولت أن تربي ابنك على عداوة اليهود لن تفلح؛ لأن الواقع كله يقول إنهم أصدقاء، وبعد سنوات معدودة حسب نشاط اليهود وكسل المسلمين تحدث عملية امتزاج بين الأفكار اليهودية والأفكار الإسلامية، وساعتها لن تجد فرقًا بين المسلمين واليهود.
    والمسلمون يفعلون ذلك عن غفلة، أما اليهود فيفعلون ذلك عن نظر وتخطيط، فقد وصلوا إلى النظرة التي وصل إليها سيدنا سويد بن مقرن من قبلُ، وهؤلاء الفرس الذين قاموا بالمعاهدة مع سيدنا سويد بن مقرن إما أن تكون لديهم غفلة أو حب الرياسة وحب التملك لمنطقة جرجان وطبرستان، ولا يهمهم الدولة الفارسية التي تجمعهم، مع أن جرجان لا تساوي فيها شيئًا، ولكن حب التملك هو الذي جعلهم يدافعون عن هذه الأرض لصالح المسلمين ضد إخوانهم من الفرس.
    ولكن كيف استفاد اليهود من تاريخ المسلمين؟ وكيف وقع المسلمون في أخطاء الفرس؟ أمر عجيب ولغز محيِّر، وهذا الأمر لا بد أن نستفيد منه لنعرف ما فُعِلَ بنا.
    هذا هو نص معاهدة جرجان وطبرستان، وبعد ذلك ستأتي معاهدات شبيهة بهذه المعاهدة، تكررت في الحروب الفارسية.
    وبعقد الصلح مع جرجان وطبرستان وتسليم الدولتين انتهت مهمة الجيش الثاني، وتمت مهمة سيدنا نعيم بن مقرن بفتح همذان والري كما خطط لها سيدنا عمر بن الخطاب تمامًا، وأيضًا تمت مهمة سيدنا سويد بن مقرن بفتح قُومِس وجرجان وطبرستان، وزاد على ذلك الشروط التي وضعها في المعاهدة مما كان لها الأثر الطيب على المسلمين، واستحسنها عمر بن الخطاب t.
    فتح أذربيجان :
    كان سيدنا عمر t قد وجه إلى أذربيجان جيشين: أحدهما بقيادة سيدنا بكير بن عبد الله والآخر بقيادة عتبة بن فرقد، ومنطقة أذربيجان من المناطق الواسعة وتقع غرب بحر قزوين، ومنطقة الباب في شمال منطقة أذربيجان، وأيضًا على بحر قزوين، وفوق منطقة الباب مملكة الترك وهي مملكة واسعة تقع في شمال الدولة الفارسية، وتصل إلى حدود الدولة الرومانية وعلى رأسها ملك يسمى خاقان، وليس بينها وبين الفرس حروب لمعاهدات كانت بينهما، ولو استطاع المسلمون فتح أذربيجان ومنطقة الباب لوصلوا إلى الحدود الشمالية للدولة الفارسية؛ لذا أرسل إليها سيدنا عمر بن الخطاب جيشين، وفي الوقت نفسه يعمل المسلمون في الوسط والجنوب، فكما ذكرنا من قبل أن الفتوحات كلها كانت تتم في وقت واحد.
    وكالعادة يضع سيدنا عمر بن الخطاب خطة محكمة وهو في المدينة ليفتح منطقة الباب وأذربيجان، فيرسل جيش سيدنا بكير من الكوفة ويمر بحلوان ويتجه من حلوان إلى شرق أذربيجان، وفي الوقت نفسه يرسل جيشًا آخر على رأسه سيدنا عتبة بن فرقد من الكوفة ومرورًا بالموصل حتى يصل إلى أذربيجان من الغرب، فيؤدي ذلك إلى انقسام جيش أذربيجان المشهور بقوته إلى قسمين: نصفه في الشرق والنصف الآخر في الغرب، وبذلك يشتت الطرفين، وكان أول من ابتدع هذه الخطة الحربية سيدنا أبو بكر الصديق t، وذلك في بدايات فتوحات فارس لما أرسل سيدنا خالد بن الوليد من الجنوب وسيدنا عياض بن غنم من الشمال؛ ليدخلوا الحيرة من منطقتين مختلفتين، وبعد ذلك طبَّقها سيدنا خالد وسيدنا المثنى بن حارثة وسيدنا سعد بن أبي وقاص، وها هو سيدنا عمر بن الخطاب من المدينة يخطط لمثل هذه الخطة أكثر من مرة.
    والجيوش الخمسة التي وجهها سيدنا عمر لفتح الدولة الفارسية يقودها خمسة من صحابة الرسول، وسيدنا بكير بن عبد الله كان صحابيًّا قبل بلوغه الحلم, وكانت له حادثة مشهورة مع النبي، فكان يدخل على نساء النبي قبل أن يبلغ الحلم، فلما بلغ الحلم ذهب إلى النبي، وقال له: إنني قد بلغت الحلم؛ حتى لا يدخل على نساء النبي، فأُعْجِبَ بصدقه ودعا له، وقال: "اللهم صَدِّقْ قوله، ولَقِّهِ الظَّفَرَ"؛ فظل طوال عمره صادقًا ومنتصرًا بدعوة النبي.
    وقُتِلَ يهوديٌّ في المدينة فغضب سيدنا عمر لذلك غضبًا شديدًا، وقام وخطب في الناس وسأل عن قاتله، فقال بكير بن عبد الله: أنا قتلته. قال: لقد بُؤْتَ بدمه فأتني بالمخرج. فقال سيدنا بكير: لقد استخلفني أحد صحابة النبي على زوجته وهو خارج إلى الغزو، فذهبت يومًا أَمُرُّ أمام البيت، فوجدت هذا اليهودي يريد أن يعتدي عليها؛ فقاتلني وقاتلته، فقتلته. فصدقه سيدنا عمر بن الخطاب t رغم أنه لم يأتِ بشهود بدعوة النبي، فهو يعلم أن النبي دعا له بأن يكون صادقًا؛ فهو لا يكذب. وكتب الشعراء في سيدنا بكير شعرًا كثيرًا في فروسيته التي لا مثيل لها في ذلك الوقت.
    يتقدم سيدنا بكير بالجيش حتى يصل إلى مدينة جرميذان وهي مدينة كبيرة في شرق أذربيجان، وفيها إسفندياذ شقيق رستم، وكان لهما أخ ثالث في غرب أذربيجان، وقد قُتِلَ رستم في القادسية وما زال إخوته يحاربون الإسلام.
    ويدخل سيدنا بكير في معركة شرسة مع القوات الفارسية في جرميذان، وكان الجيش الأذربيجاني مشهورًا بقوته، والقتال صعب على المسلمين في الجبال فهذه المنطقة كمنطقة نهاوند، إلا أن المسلمين صبروا على القتال، وأنزل الله نصره عليهم بعد عدة أيام، وتمكن سيدنا بكير من أَسْرِ إسفندياذ، فقال له إسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح (يبغي سيدنا بكير الصلح رغم انتصاره في المعركة؛ فالغرض الأساسي من الفتح هو نشر الإسلام والفكرة الإسلامية في هذه البلاد، وينتشر الإسلام بصورة أكبر إذا كان هناك نوع من الصلح والمعاهدات والجزية). فقال له: أمسكني عندك؛ فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء إليهم لم يصالحوك.
    ولقد هرب أهل أذربيجان إلى الجبال بعد الهزيمة، ومن الصعب أن يتعقبهم المسلمون فيها، وبدأ أهل أذربيجان في حرب من حروب العصابات، ولم يكن في شرق أذربيجان جيش منظم للفرس، ولكن كانت هناك فرق تهاجم المسلمين وينتصر عليهم المسلمون، فقال إسفندياذ لسيدنا بكير: ليس أمامك إلا أن تصالحني وأكون أنا على هذا الصلح (يتطلع ليكون رئيسًا على الأرض، ويدافع عنها لصالح المسلمين دون النظر إلى دولة الفرس التي نشأ فيها).
    وفي الوقت نفسه كان جيش سيدنا عتبة بن فرقد قد تقدم غرب أذربيجان (وقد أسلم سيدنا عتبة قبل غزوة خيبر بقليل، أي في السنة السابعة من الهجرة، وكانت أول غزوة شارك فيها، ثم شهد مع النبي بعد ذلك باقي الغزوات).
    ويدخل سيدنا عتبة بن فرقد بجيشه إلى غرب أذربيجان، والتقى في أردبيل مع شقيق رستم الثاني في موقعة شديدة، وينتصر سيدنا عتبة بن فرقد على جيش الفرس ويقتل أخا رستم الثاني.
    ولما علم أهل أذربيجان بسقوط الجبهة الغربية لأذربيجان وبأسر قائد أذربيجان "إسفندياذ" وأنه ما زال حيًّا، ومن الممكن أن يعود لو صالحوا المسلمين، رجعوا من الجبال، ووافقوا على الجزية، وصالحوا المسلمين على نفس معاهدة جرجان، وهم الذين طلبوا الشرط بأن يدافعوا عن أرض أذربيجان ضد الهجوم الفارسي أو التركي أو الرومي لصالح المسلمين في نظير أن تُسْقَطَ عنهم الجزية، أو يأخذوا أجرًا من المسلمين، وهذه نتيجة سريعة جدًّا لمعاهدة جرجان التي لم يمضِ عليها إلا أشهر قليلة، وبذلك انتهت الحروب في أذربيجان.
    وكان سيدنا بكير هو قائد الجيوش العامة في أذربيجان، وبعد أن تم الصلح أصبح سيدنا بكير هو أمير أذربيجان؛ فأرسل رسالة إلى سيدنا عمر بن الخطاب يقول فيها: أَرسِلْني إلى أرض من أراضي الجهاد. فهو ينأى بنفسه عن الراحة والدعة؛ لأنه يطمح إلى شرف الشهادة، ووافقه سيدنا عمر بن الخطاب على طلبه، واستخلف مكانه في شرق أذربيجان سيدنا سمَّاك بن خرشة وهو قادم من "واج روذ" بجيش بعثه سيدنا نعيم بن مقرن بناءً على رسالة من سيدنا عمر بن الخطاب بأن يمد جيش بكير بسماك بن خرشة على رأس ألفي مقاتل للسيطرة على منطقة أذربيجان الواسعة؛ فاستخلفه سيدنا بكير بن عبد الله على منطقة أذربيجان الشرقية، واستخلف على كل أذربيجان سيدنا عتبة بن فرقد.
    ويرسل سيدنا عمر بن الخطاب سيدنا بكير بن عبد الله إلى سيدنا سراقة بن عمرو -رضي الله عنهم أجمعين- ليساعده في فتح مدينة "الباب".
    فيذهب سيدنا بكير بفرقة صغيرة إلى منطقة باب الأبواب ليلحق بجيش المسلمين الذي على رأسه سيدنا سراقة بن عمرو، وهو من صحابة النبي، وقد أقلع سيدنا سراقة بن عمرو من الكوفة إلى منطقة "الباب" وليس له شأن بمنطقة أذربيجان مع أنها في طريقه، لكنه يذهب إلى وجهة معينة، وخطة موضوعة بحكمة شديدة، وضعها سيدنا عمر وهو في المدينة، ومدينة باب الأبواب من أكبر مدن "الباب" وتقع على مدينة بحر قزوين، وسميت باب الأبواب لأنها مبنية على أبواب طرق كثيرة مؤدية إلى الجبل فهي منطقة جبلية، وتوجد طرق كثيرة في الجبل، وهذه المدينة على باب الطرق، ولا يستطيع أحد صعود تلك الجبال إلا بعد أن يدخل من مدينة باب الأبواب.
    وبعد أن كان سيدنا بكير بن عبد الله قائد الجيوش في أذربيجان يصبح على ميسرة جيش المسلمين تحت إمرة سيدنا سراقة بن عمرو القائد العام للجيوش، وعلى مقدمة الجيوش سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، وكان له ذكر مهم في موقعة القادسية هو وأخوه سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو ليس من الصحابة رغم إسلامه في حياة النبي، لكنه لم يَرَ النبي، ويتقدم هذا الجيش إلى فتح مدينة الأبواب كما خطط له سيدنا عمر بن الخطاب t.
    وبعد أن أصبحت أذربيجان تحت إمرة سيدنا عتبة بن فرقد بدأ بتقسيم الغنائم في أذربيجان، وكما ذكرنا من قبل أن أربعة أخماس الغنيمة يوزع على الجيش، والخُمْسُ الآخر يُرسَل إلى بيت مال المسلمين، فأرسل سيدنا عتبة بن فرقد خمس الغنائم إلى سيدنا عمر بن الخطاب وأرسل مع الخمس طعامًا من أرض أذربيجان لا يوجد في الجزيرة العربية؛ ليأكل منه سيدنا عمر بن الخطاب t، ويتوجه الرسول إلى سيدنا عمر بن الخطاب ويدفع إليه خمس الغنائم والطعام، ويتذوقه سيدنا عمر بن الخطاب، ويقول: والله إنه لطيِّبٌ، هل أكل جيش المسلمين منه؟ فقال الرسول: بل هو شيء خَصَّك به عتبة.
    فيغضب سيدنا عمر غضبًا شديدًا لم يغضبه إلا في مواقف معدودة كما يذكر الحاضرون، ويرسل رسالة إلى سيدنا عتبة بن فرقد يقول له فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عتبة بن فرقد فليس من كَدِّكَ، ولا كَدِّ أُمِّك، ولا كَدِّ أبيك، لا نشبع إلا مما يشبع منه المسلمون.
    وتظهر شدة سيدنا عمر في الرسالة، فهو لا يرضى أن يُخَصَّ بشيء يُفضَّل به على المسلمين، وقد طبَّق هذا الأمر في الإسلام، ونجح هذا الأمر فكان مثالاً عمليًّا يحتذى به.
    فتح الباب :

    بنظرة حربية ثاقبة يرسل سيدنا عمر بن الخطاب من الجزيرة -وقد فتحت الجزيرة في العام السابع عشر الهجري- جيشًا على رأسه حبيب بن مسلمة ليدخل المدينة من غربها، وكان جيش سيدنا سراقة متقدم ليدخل المدينة من شرقها، تمامًا كخطة فتح أذربيجان، ويمر الجيش من مدينة أرمينية التي فتحها المسلمون أيضًا في العام السابع عشر من الهجرة، ويتقدم الجيشان إلى مدينة الباب.
    ويسارع حاكم مدينة الباب -وكان اسمه شهربراز- لطلب الصلح، ويضع هو الشرط بأن يدافع أهل الباب عن الباب نظير إسقاط الجزية أو أخذ أجر من المسلمين، وبدأت تتحقق آثار الصلح مع مدينة جرجان بصور متلاحقة، وسقطت مدينة (الباب) على حصانتها وكانت من أشد المناطق حصانة، وتسقط بطلب أهلها أن يدخلوا في الصلح مع المسلمين على أن تكون لهم الباب، ويدفعوا الجزية للمسلمين أو يأخذوا أجرًا مقابل الدفاع عنها لصالح المسلمين، وتسقط الباب بمنتهى السهولة على غير المتوقع تمامًا.
    وبعد فتح الباب أصبح المسلمون على حدود بلاد الترك، وفي أثناء تفكير المسلمين في غزو الترك أو تكملة فتح بلاد فارس يتوفى سيدنا سراقة بن عمرو، ويستخلف مكانه قبل وفاته سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي قائد مقدمة المسلمين، ويُقِرُّه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، فأصبح عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي أمير منطقة الباب.
    ويجهز عبد الرحمن بن ربيعة جيشه، ويرسل إلى شهربراز (الذي عقد معه المعاهدة) ويتقدم بالجيش إلى ناحية الشمال ليفتح بلاد الترك، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد غزو بَلَنْجَر والترك. قال: لقد رضينا منهم ألا نغزوهم ولا يغزونا. فقال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم، وتالله إن معنا أقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: وما هم؟ فيصف له سيدنا عبدالرحمن الجيش بكلمات قليلة فيقول: هم أقوام صحبوا رسول الله، ودخلوا في هذا الأمر بِنِيَّة، ولا يزال هذا الأمر لهم دائمًا، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم من يغلبهم.
    وبالتمعن في هذه الكلمات وبالنظر إلى الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون، نعرف لماذا أصبحنا في حالة ضعف وهزيمة، فدائمًا النصر للمسلمين إلى أن يتغيروا، ومن يغيرهم يغلبهم، فببساطة شديدة يصف له جيشه، وأن الجيش منتصر إذا تمسك بدينه، فإذا تغير أصابته الهزيمة، وما فعله أعداء الإسلام في المسلمين كثير، وسنتكلم عن هذه التغييرات في الدرس القادم.
    ولم يجد شهربراز حيلة، ودخل سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي بجيشه إلى بلاد الترك، وتوغل سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة بجيشه في بلاد الترك مسافة تعجب منها المؤرخون العسكريون؛ فقد تَوَغَّل ألفًا ومائة كيلو مترٍ من غير مقاومة تذكر من بلاد الترك، مع قوة الجيش التركي في ذلك الوقت، وكانت مملكة قوية جدًّا وعليها ملك قوي يُلَقَّبُ بالخاقان وكانت في قوة الفرس؛ مما دفع الفرس لأن تعقد معها معاهدة بعدم الغزو المتبادل، ومع ذلك هُزِمَ ذلك الجيش، وكان سر الهزيمة انتشار إشاعة في مملكة الترك كان لها أثر قوي جدًّا، وهذه الإشاعة لم ينشرها المسلمون بل نشرها الترك بين أنفسهم. فما هذه الإشاعة؟ هذا ما سنعرفه في المقال القادم بإذن الله.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:18 pm



    فتح بلاد الترك

    وقفنا في المقال السابق عند فتح مدينة (الباب)، وتَوَجُّه سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي خليفة سيدنا سراقة بن عمرو بعد موته إلى مملكة الترك ليفتحها، ولما عزم عبد الرحمن بن ربيعة على غزو الترك خرج بالناس، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد غزو الترك. قال: لقد رضينا منهم ألاّ نغزوهم ولا يغزونا. قال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم، وتالله إن معنا أقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: ومن هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله، ودخلوا في هذا الأمر بِنِيَّة، ولا يزال هذا الأمر لهم دائمًا، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم من يغلبهم.

    ولا ندعُ هذه القَوْلة تمر علينا دون النظر بإمعان والتفكر فيها لاستخلاص الدروس والعبر؛ فقد كان لسيدنا عبد الرحمن بن ربيعة نظرٌ ثاقب، وفهم عميق للإسلام العملي الذي يُطبَّق، وليس مجرد كلمات تقرأ في بعض الكتب.

    ويخبر سيدنا عبد الرحمن أن النصر دائمًا مع المسلمين حتى يغيرهم من يغلبهم، فمن يستطيع أن يغير المسلمين يستطيع أن يغلبهم، ويظل المسلمون على هذه الحال حتى يعودوا من جديد إلى الإسلام، فيستطيعوا أن يغلبوا غيرهم كما تم في كل الحروب السابقة؛ ففي معاركهم مع الفرس كان المسلمون أضعف وأقل من الفرس في كل المواقع، وأيضًا في معاركهم مع الروم كان المسلمون أقل منهم عددًا وعُدَّةً، ورغم ذلك انتصر المسلمون وحققوا انتصارات كبيرة؛ والسبب أنهم لم يتغيروا.

    واستخلاص هذه الدروس وتلك العبر لا يُعَدُّ خروجًا عن دراسة التاريخ، فلو أننا درسنا التاريخ لمجرد سماع الحكاية أو القصة فلن نستفيد من هذه المواقف، ولكن لو استفدنا وطبّقنا ما استفدناه سيكون درس التاريخ عبادة نؤجر عليها ونثاب.

    وبنظرة إلى من استطاع أن يغير المسلمين نجد أن كثيرًا من أعداء المسلمين استطاعوا أن يغيروهم، ومما يؤثر في النفس أن يشترك المسلمون أنفسهم في التغيير، فيصير بعض المسلمين من أعمدة ذلك التغيير السلبي في الإسلام، وبذلك تتم الهزيمة.

    ولقد غير اليهود كثيرًا في المسلمين، وكذلك فعل النصارى، كما غير بعض المسلمين في المسلمين.

    كيد اليهود ومكرهم :
    لقد سمعتم عن المؤتمر الذي عقد سنة ألف وثمانمائة وسبع وتسعين في مدينة "بال" بسويسرا، هذا المؤتمر حضره حكماء اليهود في أنحاء العالم، ودعا إليه زعيمهم في ذلك الوقت "تيودور هرتزل"، وكان مؤتمرًا سريًّا، ودعا إليه زعماء اليهود في كل أقطار الأرض، وذهب هؤلاء الزعماء إلى هذا المكان وفي ذلك التوقيت؛ ليخططوا ليكون لهم مستقبل ويكون للعالم نهاية، وبدءوا بوضع قوانين وأفكار ومخططات؛ ليسيطروا على العالم في وقت ما حددوه في ذلك اللقاء، ووضعوا ما سُمِّيَ بعد ذلك بـ (بروتوكولات حكماء صهيون).

    وظلت هذه المعلومات سرية حتى تُرْجِمَت إلى اللغة الروسية بعد أن استطاع أحد الروس أن يحصل على هذه المعلومات خفية وترجمها إلى اللغة الروسية، ولكنها لم تنل حظها من الشهرة إلا بعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، حيث انتشرت ترجمتها إلى كل لغات العالم.

    ومن ينظر إلى هذه المخططات يرى أن اليهود قاموا بالتخطيط ليسير عليه العالم كما خططوا، وفي البداية كان اليهود يوجهون الأمور مباشرة، ثم أصبح بعد ذلك من أبناء المسلمين من يحافظ على أفكار اليهود، ومن أبناء النصارى من يحافظ على أفكار اليهود، وبدأت أفكار ومخططات اليهود تنتشر في كل مكان كما وضعوه.

    ولا بد من قراءة هذا المخطط ليعرف المسلمون أن ما يحدث حولهم هو مخطط من قبل ذلك، وما حدث من أحداث لم يكن اعتباطًا أو جاءت عفوًا. ومما ذكر في مخططاتهم تشجيع الانقلابات في كل البلاد، فدائمًا ما يشجعون الانقلابات ويزرعون الفتن والقلاقل داخل الدول، ويشجعون الطائفة قليلة العدد على الانقلاب، وبعد عدة سنوات يشجعون انقلابًا آخر في نفس الدولة من طائفة أخرى، وهذه القلاقل المستمرة لن تحافظ على كيان أي دولة من دول العالم مهما كانت قوتها، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة.

    واليهود لهم دور كبير في دول قد لا يفكر الإنسان في القراءة عنها؛ ففي أوغندا وتشاد ومالي تجد لهم دورًا بارزًا في كل حدث، وقد تعجب عندما ترى يد اليهود تصل إلى جنوب أفريقيا، ولكن لا عجب فذلك تخطيط بعيد المدى، لتحقيق نتائج معينة.
    ويعمل اليهود على تشجيع الحروب بين الدول، لكن بالمحافظة على الحدود الإقليمية لكل دولة حتى لا يتغير ميزان القوى في المنطقة، فتصبح إحدى الدول قوية ويتأثر اقتصاد اليهود بذلك، ومع تقدم اليهود الاقتصادي فإنهم يستطيعون تقديم مساعدات اقتصادية لهذه الدول؛ ليتمكنوا بعد ذلك من الحُكْم فيها، عن طريق حكام مسلمين في الظاهر، ولكن في الواقع يتمكن اليهود من السيطرة الاقتصادية عليها، وقد وُضِعت كل هذه المخططات موضع التنفيذ منذ قرن مضى.

    ومن مخططاتهم السيطرة على الصحافة، والمطَّلِع على الأمور في أمريكا يرى السيطرة المطلقة لليهود على الصحافة، وللصحافة دور كبير في تغيير أي دولة، فمن الممكن أن ترفع من شأن أي قائد أو تضع منه، وقد تمدح في قانون ليكون أفضل قانون، أو تذم في نفس القانون ليكون أسوأ قانون في العالم.

    وكما جاء في البروتوكول الرابع: سنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فنِّ الحكم؛ ولذلك من اليسير أن يُمْسَخُوا قطعًا من الشطرنج ضمن لعبتنا في أيدي مستشارينا العلماء الحكماء الذين دُرِّبُوا خصِّيصًا على حكم العالم منذ الطفولة المبكرة.

    وينص البروتوكول السادس على احتكار الثروة، وأنه لا بد لليهود من احتكار الثروة في العالم، وتملك كل البنوك وكل الذهب، وهم يعملون على تنفيذ هذا المخطط منذ قرن مضى.

    وفي البروتوكول التاسع يقولون: عليكم أن توجهوا التفاتًا خاصًّا في استعمال مبادئنا إلى الأخلاق الخاصة بالأمة التي أنتم بها محاطون، وعليكم ألا تتوقعوا النجاح خلالها في استعمال مبادئنا بكل مشتملاتها حتى يعاد تعليم الأمة بآرائنا (فلن يكتب النجاح لليهود إلا بعد تغيير أخلاقيات الأمة التي تحيط بهم على النهج الذي أرادوه)، ولكن إذا تصرفتم بسدادٍ في استعمال مبادئنا فستكتشفون أنه قبل مضي سنوات سيتغير أشد الأخلاق تماسكًا.

    وفي البروتوكول الثالث عشر يقولون: إنما توافق الجماهير على التخلي والكف عما تظنه نشاطًا سياسيًّا إذا أعطيناها ملاهيَ جديدة، سنلهيها بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومُزْجيات الفراغ والمجامع العامة، وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في كل أنواع المشروعات كالفن والرياضة وغيرها، هذه المتع الجديدة سَتُلهي ذهن الشعب -حتمًا- عن المسائل التي سنختلف فيها معه.
    وهذا مُشَاهد حقًّا في كل البلاد الإسلامية، وبالنظر إلى بلادنا تجد الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وكذلك الأزمة السياسية، وتجد الشعب لا يتكلم إلا عن مباريات الأهلي والزمالك، فكل تفكير الناس في هذا الأمر ومُلْهَاة به، وتنسى الأزمات الطاحنة، وتنسى كل القضايا التي يختلف فيها اليهود مع المسلمين، ويتكلمون في قضية يتفق العالم كله فيها كفريق البرازيل، وأنه فريق جيد هذا بالنسبة للرياضة، أما بالنسبة للفن فالأمر أشد سوءًا، ولو استرجع كل منا الصحابة الذين ذكرناهم، وكم صحابيًّا يعرف؟ وكم فنانًا يعرف؟ وما نوعية الفكر الذي أَتَشَرَّبُه؟ لوجد المصيبة عظيمة، ولعلم أنهم قد نجحوا في مخططهم أيما نجاح؛ فقد اهتم الناس بسفاسف الأمور كالرياضة والفن، ونسوا القضايا الأساسية كالسياسة وغيرها.

    ويقول اليهود في البروتوكول الرابع عشر: يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان عند الأمميين (وهم غير اليهود).

    فاليهود يعلمون أن للإيمان قوةً كبيرةً جدًّا، وأن من يتسلح بسلاح الإيمان يستطيع الوقوف والتصدي للعوائق الضخمة، ومن الممكن أن ينتصر على أعداد مهولة، وكما ذُكِرَ في التاريخ أن عدد المسلمين كان -دائمًا- أقلَّ من عدد عدوهم، لكن كان عندهم عنصر مهم ذكره سيدنا عبد الرحمن هو أنهم لم يتغيروا عن إسلامهم، وبكسر عقيدة الإيمان في أي شعب يسهل أن يكون فريسة لأي شعب آخر حتى ولو كان من عَبَدَةِ الطاغوت، أو من الخنازير كاليهود وغيرهم.

    وفي البروتوكول السابع عشر يقولون: الحَطُّ من كرامة رجال الدين عند غير اليهود للإضرار برسالتهم (وفي الأفلام القديمة تجد تصوير العلماء بصورة هزلية ليغرس في نفوس الناس السخرية والاستهزاء تجاههم، وإذا تكلم العالم بعد ذلك فَيُحمَل كلامُه على محمل العبث والسخرية)، وذلك على العكس تمامًا من الوضع عندهم؛ فمعاركهم مع المسلمين كلها تنطلق من مُنطَلقَاتٍ دينية، ففي كل خطوات رؤسائهم تراهم يذكرون ما في التوراة المحرفة، وأنهم ينفذون تعاليمها، ومكتوب في الكنيست (مجلس النواب الإسرائيلي): "من النيل إلى الفرات" وهي آية من آيات التوراة المحرَّفة، ويعلنون عن هذا الأمر، وليسوا كغيرهم من الأمم التي غيرها اليهود ليتبعوا ما أرادوه منهم وما خططوه لهم.

    والخطط التي وضعها اليهود تسير في مسارها الصحيح، فقد وضعوا خطة ليكون لهم وطن في فلسطين بعد خمسين عامًا، وفي عام ثمانية وأربعين وبعد واحد وخمسين عامًا تحقق لهم ما خططوه وكان لهم وطن في فلسطين، وخططوا أيضًا ليكون لهم بعد مائة عام دولة من النيل إلى الفرات، وهم -وإن لم يحققوا السيطرة العسكرية- قد حققوا السيطرة الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية، وأصبحت السيطرة لا تخفى على عاقل.

    فهذه إحدى الفرق التي غيرت في المسلمين، ونحن لا نريد بهذا الكلام أن نضخم حجم اليهود ونَحُطُّ من شأن المسلمين، أو أن نصور أن هذه هي النتيجة الطبيعية لحرب المسلمين واليهود، ولكن ذلك ناتج عن تخلي المسلمين عن دينهم، فلقد كان اليهود على نفس الوتيرة ونفس العقلية منذ عهد النبي وحتى هذا العهد الذي استطاعوا أن يغيروا فيه المسلمين هذه التغييرات، ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك إلا بعد الضعف الذي أصاب المسلمين، فبدأ النشاط اليهودي يَقْوَى وينشط ويتضح لهم أثر، وهذا انقلاب للموازين، ولكن إذا صلح أمر هذه الأمة يُطَبَّقُ كلام سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة: "لا يزال هذا الأمر دائمًا لهم، والنصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم", ولو استطاع المسلمون أن يغيروا ما بأنفسهم، ورجعوا إلى إسلامهم كان لهم الأمر من بعد ذلك، ولغيروا اليهود وتكون لنا الغلبة عليهم كما كانت لنا الغلبة من قبل.

    وقد غير في المسلمين من غير اليهود كثيرٌ، سنتكلم عنهم في مقالات قادمة، والمقال القادم سنتكلم عن المسلمين الذين غيروا في المسلمين.

    غزو الترك :
    بعد هذه الكلمة التي قالها سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، والتي سطرها التاريخ لتكون قاعدة من قواعد النصر عند المسلمين،لم يجد شهربراز بُدًّا من الدخول في أرض الترك، ولقد ذكرنا أن سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي دخل في أرض الترك مسافة ألف ومائة كيلو متر إلى الشمال، وهي مسافة ضخمة دون أن يلقى مقاومة تُذكر من الترك، بل كان الجيش التركي يفر من أمام جيش المسلمين، رغم أن مملكة الترك -كما ذكرنا- كانت تضاهي مملكة فارس، حتى إن الفرس -على ما لهم من قوة- أقاموا معهم معاهدة ألا يغزوا أرض الفرس ولا يغزو الفرس أرضهم، وكان على رأسهم ملكٌ يُلقب بالخاقان ذو بأس وقوة، وكان الجيش التركي يُعرف عنه القوة العظيمة، ومع ذلك فرَّ الجيش من أمام المسلمين؛ وكان ذلك نتيجة شائعة انتشرت في الجيش التركي، وهذه الشائعة لم يكن للمسلمين فيها يد، وكان مصدر هذه الشائعة الجيش التركي نفسه، وصدقوا الشائعة التي أطلقوها هم وفروا من أمام الجيش الإسلامي.

    وكانت الشائعة التي انتشرت بين الترك عن المسلمين أنهم قالوا: ما جرأهم على أرضنا، ودخول بلادنا، وقدومهم من الجزيرة العربية، وغزوهم فارس، ثم الدخول في مملكة الترك إلا أن الملائكة تحميهم، وأنهم لا يموتون؛ فكانت الجيوش التركية تهرب من أمام المسلمين، وجيوش المسلمين تفتح بلاد الترك، حتى وصل سيدنا عبد الرحمن الباهلي إلى مسافة ألف ومائة كيلو متر، وسيطر على هذه المنطقة، وبدأ بوضع الحاميات، وعاد سيدنا عبد الرحمن الباهلي إلى منطقة الباب.

    وبعد ذلك، وفي عام ثمانية وعشرين من الهجرة ستحدث للمسلمين بعض الانشغالات، وسيصيب بعض الحاكمين في هذه المنطقة بعضُ الفساد -وإن لم يكن كالفساد المستشري اليوم- ونتيجة هذا الفساد يعكس الله الوضع؛ تحقيقًا لكلمة عبد الرحمن الباهلي: "لو تغير القوم عما كانوا عليه لضاع منهم النصر، حتى ولو كانوا ذوي عدد وعدة".

    وقد قال بعض الترك: إن المسلمين لا يموتون وما أصيب منهم أحدٌ في غزوهم. وسبب ذلك أن المسلمين غزوهم قبل ذلك ولم يُقْتَلْ منهم أحد، فلهذا ظنوا أنهم لا يموتون. فقال بعضهم: أفلا تجرِّبون؟ فكمنوا لهم في الغياض، فمر بالكمين نفرٌ من الجند فرموهم منها فقتلوهم؛ فثارت الترك وحاربت المسلمين، وانتصر فيها الترك على المسلمين، ثم أرسل سيدنا عثمان بن عفان t جيشًا من المسلمين كانت لهم الغلبة ولم يكونوا أصحاب معاصٍ وذنوب. فالله له سنن في الكون، وهذه السنن واضحة {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].

    فسنة الله لا تتغير ولا تتبدل، فالطاعة يقابلها نصركم يقول I: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]. وليس بين الله وبين أحد محاباة أو نسب، بل العمل والتقوى هو الذي يتميز به إنسان عن إنسان، فالمفاضلة عند رب العالمين أساسها التقوى. وهذا بالنسبة لمملكة التُّرْك.

    نرجع إلى الجيوش التي أخرجها سيدنا عمر بن الخطاب لتغيير خريطة العالم، وكانت تلك الجيوش التي أخرجها لفتح شمال الدولة الفارسية، وكانت عبارة عن خمسة جيوش خرجت من منطقة الكوفة كما ذكرنا من قبل.

    جيش لفتح همذان، وجيش لفتح جرجان، أو الري وما وراءها، وجيشان لفتح أذربيجان، وجيش لفتح "الباب" الذي غزا الترك بعد ذلك. وهذه خمسة جيوش كانت قافلة من الكوفة، وكانت هناك جيوش أخرى قافلة من البصرة، وكما ذكرنا لأن الكوفة والبصرة هما قاعدتا العمليات العسكرية للجيش الإسلامي في بلاد فارس.

    فتح جنوب فارس :
    بعد الفتح الذي امتنَّ الله به على المسلمين في المنطقة الشمالية لبلاد فارس، توجهت الجيوش الإسلامية لفتح جنوب بلاد فارس، وفي المنطقة وفي شرق نهر دجلة مباشرة تقع مدينة الأهواز، وقد فتحها المسلمون قبل ذلك، وكان الفتح على يد سيدنا أبي موسى الأشعري t وسيدنا أبي سبرة بن أبي رهم، والتي استشهد فيها سيدنا البراء بن مالك في معركة "تُسْتَر" التي تحدثنا عنها قبل ذلك بالتفصيل، وسقوط الهرمزان وكل هذه الأحداث كانت في شرق نهر دجلة وفي شمال هذه المنطقة، ولم يدخل المسلمون هذه المنطقة إلا مرة واحدة، وكانت ذكرى سيئة للمسلمين في عملية لم تُكَلَّلْ بالنجاح للمسلمين وهي عملية طاوس.

    دولة فارس :
    تقع هذه المنطقة في شرق الخليج الفارسي وهي في غاية الأهمية؛ لأنها دولة فارس الأم "دولة بني ساسان"، وهي التي توسعت على مَرَّ الزمان، واحتلت الأهواز واحتلت الري واحتلت أصبهان وسجستان ومُكْرَان وكل المنطقة التي تحيط بها، وأصبحت هذه هي الدولة الفارسية، وحققت كل ذلك قبل أربعمائة سنة من الوقت الذي نتحدث عنه.

    وهناك مدينة "إِصْطَخْر" المقدسة وسُمِّي على اسمها الإقليم كله؛ فكان أكبر إقليم فارسي، وهذه المدينة الفارسية من أشد المدن حصانةً، ويقع بداخل مدينة "إِصْطَخْر" النار المقدسة التي لا تُطفأ أبدًا كما يعتقدون، وكان فيها القيادات الدينية لبني ساسان، وكانت لها مكانة عظيمة جدًّا عند الفرس.

    ومنطقة فارس تنقسم إلى خمسة أقاليم رئيسية:

    إقليم إصطخر.

    إقليم أَرَّجَان وهو قرب الأهواز مباشرة، وعلى حدود المسلمين في ذلك الوقت، فقد فتح المسلمون كل هذه المنطقة.
    إقليم سابور.

    إقليم أَرْدَشِير.

    إقليم دارا بجِرد.

    وهذه الأقاليم الخمسة هي أصل الدولة الفارسية.

    فتح إقليم فارس :
    يبدأ سيدنا عمر بن الخطاب بتجهيز الجيوش من البصرة وهو في المدينة، وكأنه في ميدان المعركة؛ فيخطط لفتح إقليم فارس فيضع الخطة كالمعتاد، ويجهز سيدنا عمر بن الخطاب ثلاثة جيوش رئيسية لفتح الإقليم، وهذه الجيوش قافلة من البصرة لتتوزع على الأقاليم المختلفة بعد ذلك:
    الجيش الأول بقيادة مجاشع بن مسعود.

    والجيش الثاني بقيادة سارية بن زُنَيْم.

    والجيش الثالث بقيادة أبي موسى الأشعري.

    وهذه الجيوش الثلاثة موجَّهة إلى إقليم "أَرَّجَان" أول الأقاليم الفارسية، وهذا الإقليم كان على حدود الدولة الإسلامية في هذه الفترة؛ فألقى الله الوهن في قلوب الفرس في هذا الإقليم، فقبلوا الجزية مباشرة، ولم يحدث قتال يُذكَرُ، وأعطوا الجزية لسيدنا أبي موسى الأشعري، وبقي سيدنا أبو موسى الأشعري t في هذه المنطقة، وأكملت جيوش المسلمين بقيادة مجاشع بن مسعود وسارية بن زنيم -رضي الله عنهما- إلى إقليم فارس.

    في ذلك الوقت علم المسلمون أن القوات الفارسية جمعت جموعًا عظيمة في بلدة تسمى "تَوَّج"، وهذه البلدة على الخليج الفارسي، وهي في إقليم سابور أصغر أقاليم فارس.
    والجيش الإسلامي قادم من الشمال لهذه البلدة، فكان المعتاد أن الجيش الإسلامي إذا وجد تجمعًا اتجه إلى الجيوش الفارسية التي تحاربه، لكن المسلمين وضعوا خطة جديدة متجاهلين الجيوش الفارسية في "تَوَّج"، واستمروا في المسير إلى إقليم فارس، وكان ذلك من نتاج خبرات المسلمين في المعارك السابقة.

    ولو نذكر موقعة "بُرْس" قبل فتح المدائن مباشرة، وقد تجمعت القوات الفارسية من أماكن مختلفة، ولما حاربهم المسلمون وانتصروا عليهم لم يدافعوا عن المدائن بل تفرق كلٌّ إلى مكانه الذي قدم منه ليدافع عنه، كلٌّ يريد أن يحافظ على ما يملك ولا تهمه الدولة الفارسية.

    فكانت خطة المسلمين أن يسيروا إلى إقليم فارس تاركين جموع الفرس في "توج"، وتدريجيًّا يتفكك هذا الجيش وكل فرقة من هذا الجيش سترجع إلى إقليمها لتدافع عنه، وتبقى فرقة سابور حيث هي.

    وكما توقع المسلمون ووضعوا خطتهم فقد تقدم الجيش الإسلامي متجاهلين الجيش الفارسي في توج، وما إن علم الجيش الفارسي المعسكر في توج أن المسلمين تجاهلوهم إلى بقية الأقاليم، حتى ذهب أهل كل أقليم إلى إقليمهم ليدافعوا عنه، فكانت تلك هزيمتهم وتشتَّتتْ أمورهم.

    ولم يكن تقدم المسلمين عشوائيًّا بل كان بخطة محكمة، فما إن وصل الجيش الإسلامي إلى "دارا بجرد" حتى انقسم الجيش قسمين: قسمًا على رأسه سيدنا مجاشع بن مسعود t ويتجه بجيشه إلى أردشير؛ ليلتف حول الجيش الفارسي من الخلف ويواجه بقايا الجيش الفارسي في توج، والقسم الآخر على رأسه سيدنا سارية بن زنيم t يتوجه إلى "دارا بجرد" ليفتحها كما خطط له سيدنا عمر بن الخطاب.

    ولما توجه سيدنا مجاشع بجيشه إلى أردشير لم يجد فيها جيشًا؛ فجيشها ما زال في توج ولم يصل بعدُ؛ فيتجه إلى توج ليجد بها نقصًا كبيرًا في عدد جنود الفرس على عكس تواجدهم منذ فترة قصيرة قبل مجيء الجيش الإسلامي، ويدخل سيدنا مجاشع بجيشه إلى توج ويحارب الفرس، ولم تشرح كتب التاريخ -للأسف- موقعة "توج"، ولكن توجد رواية واحدة رواها جبير الذي حضر المعركة بكلمات يسيرة جدًّا، ومع وجازتها إلا أن لها قيمة كبيرة، يقول الراوي: "فاقتتَلوا ما شاء الله (وذلك يدل على أن المعركة كانت طويلة)، ثم هزم الله أهل توج للمسلمين".
    ومن خلال كلمات هذا الراوي نتبين أنه كان ذا فهم عميق، فهو يعلم تمام العلم أن النصر من عند الله، وما هم إلا أداة لتحقيق إرادة الله I بأن يُعِزَّ الدين وأهله، ويذل الشرك وأهله، فيذل الله الفرس للمسلمين: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، وقتلهم المسلمون كيف شاءوا كل قتلة، وغنموا ما في عسكرهم، وحاصروا توج فافتتحوها، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وغنموا ما فيها، ولم تقم لتوج قائمة بعد اليوم، ودعا مجاشع الفارِّين إلى الجزية؛ فأجابوا.

    وقد هرب أهل سابور في الجبال؛ ولذا فقد دعا t بعد انتصاره أهل الجبال ليرجعوا إلى بلادهم، ويدفعوا الجزية؛ فرجعوا إلى بلادهم، ودفعوا الجزية للمسلمين، وفتح المسلمون بذلك سابور وأردشير بجيش سيدنا مجاشع بن مسعود t.

    وفي ذلك التوقيت يأتي سيدنا عثمان بن أبي العاص بجيش من البحرين ليفتح إصطخر عابرًا الخليج الفارسي كما أراد أن يفعل العلاء بن الحضرمي، لكن مع اختلاف الموقف؛ فالدولة الفارسية تترنح تحت ضربات الجيش الإسلامي، والقوات الفارسية في كل مكان تتلقى الهزائم، وفي هذه اللحظة يأذن سيدنا عمر للجيوش الإسلامية بالتحرك داخل البحر، وما كان مَنْع سيدنا عمر بن الخطاب t التحرك في البحر قبل ذلك تعنتًا أو قصر نظر، بل لأن المرحلة لم تكن مواتية لذلك، بدليل أنه عندما دخل الجيش الإسلامي في ذلك الوقت تلقَّى الهزيمة من الجيوش الفارسية، أما الآن فالجيوش الإسلامية بالفعل قد سيطرت على المنطقة البرية، والجيوش الفارسية تتلقى الهزائم في كل مكان، ومن الصعب أن يأتي لها مدد؛ فيأذن سيدنا عمر بن الخطاب t في هذه اللحظة لسيدنا عثمان بن أبي العاص الذي تولى الأمر في البحرين بعد سيدنا العلاء بن الحضرمي بأن يتوجه بجيشه إلى إصطخر، فينزل سيدنا عثمان بن أبي العاص إلى أردشير ويؤسس مدينة للمسلمين، ويبني فيها مسجدًا كعادة المسلمين ببناء المساجد عند فتحهم أي بلد، ثم تكملة الفتوحات بعد ذلك.

    وبعد بنائه المسجد تركها لمجاشع بن مسعود، وتوجه بجيشه إلى إصطخر هذه المدينة التي تتعلق بها قلوب الفرس، وكانت في منتهى الحصانة كما ذكرنا، ويلتقي عثمان بن أبي العاص والجيش الفارسي في معركة يقول عنها المؤرخون: إنها من أشد المعارك في إقليم فارس، ولكن ليست من أشد المعارك في الدولة الفارسية كلها.

    وكل معارك إقليم فارس تأتي فيها الهزيمة في صفِّ الجيش الفارسي، ونتج ذلك عن الهزائم التي تلقوها من المسلمين في هذه الفترة الطويلة التي دخل المسلمون معهم فيها في حروب منذ بداية العام الثاني عشر الهجري إلى العام الثاني والعشرين من الهجرة؛ فأصيبت نفوسهم بالوهن، وماذا يفعل ذلك الجيش الذي يعيش حياة الهزيمة أمام جيش يقاتل لإحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة.

    وبعد قتال عنيف هزم الله أهل إصطخر، ويسيطر المسلمون على مدينة إصطخر الدينية، وقد كان أول من سلم من أهلها رجل الدين "هربذ"، ورضي أهل إصطخر بدفع الجزية للمسلمين، وقُتِلَ قائِدُ الفرس في هذه المعركة واسمه "شَهْرَك" على يد سيدنا عثمان بن أبي العاص t.

    ووصل جيش سيدنا سارية بن زنيم t إلى "دارا بجرد"، وهناك -وفي منطقة كان فيها تجمع كبير للفرس- حاصر الجيش المسلم هذه المنطقة، واستطاع أن ينتصر عليهم في البداية انتصارًا جزئيًّا، ولكنهم استدعوا مددًا فجاءهم مدد من مُكْرَان، ومن البلاد التي تقع شرقي إقليم فارس، فجاء مدد عظيم، وجاء مدد آخر من شرق إصطخر التي لم تفتح بعد؛ وَوُضِعَ المسلمون في موقف من أحرج المواقف في فتوح فارس، فقد قدم عليهم جيش مكران من الجنوب، وجيش إصطخر من الشمال، وكان أمامهم جيش "دارا بجرد"، والجيش في صحراء واسعة بقيادة سيدنا سارية بن زنيم.

    ولم يكن لهذا الموضع إلا حلٌّ واحدٌ فقط، ولم يخطر على بال أحد من المسلمين الموجودين في أرض المعركة، لكنه جاء على بال شخص ليس في ميدان المعركة، بل بعيد جدًّا عنها، فقد خَطَرَ ببال سيدنا عمر بن الخطاب وهو في المدينة على بُعد آلاف الكيلو مترات، وتحدث كرامة من الكرامات، ويحقق الله على يديه النصر في "دارا بجرد" في البلاد الفارسية وهو في المدينة المنورة.

    أما كيف حقق سيدنا عمر النصر للمسلمين في "دارا بجرد"، هذا ما نعرفه -بإذن الله- في المقال القادم.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:21 pm

    فتح خراسان

    عمر المُلهَم.. والعناية الإلهية :

    توقفنا في المقال السابق عند جيش سيدنا سارية بن زُنَيْم في "دارا بجرد"، والموقف العصيب الذي لاقاه الجيش بتجمع وفود مختلفة من أماكن متعددة من الدولة الفارسية لحربه، وذكرنا أن الحل جاء من المدينة رغم بُعد المسافة بينها وبين بلاد فارس، ولكنه نصر الله الذي امتنَّ به على عباده المؤمنين: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31].
    في هذا الموقف الذي ألَمَّ بالمسلمين، وقد أحاط بهم الفرس من كل مكان، وظنوا أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، وفي ذلك التوقيت ينام عمر بن الخطاب t، فيرى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، ورأى أن الوفود تجتمع من أماكن مختلفة لتحاصر جيش المسلمين، وأن الجيش الإسلامي وقع في مأزق، واستيقظ t وأراد أن يخبر جيش المسلمين بالحل، ولكن كيف؟ فلو بعث إليهم رسولاً لاستغرق وقتًا طويلاً؛ لأن المسافة بينه وبين الجيش الإسلامي بعيدة تستغرق ثلاثة عشر يومًا، وكان اليوم التالي يوم الجمعة فبدأ يشرح للمسلمين في خطبة الجمعة أن الجيش الإسلامي في مأزق، وأن الجيوش الفارسية تحاصرهم من كل مكان، وهو يرى أن المسلمين بصحراء؛ إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن استندوا إلى الجبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد، ثم قال: يا سارية، الجبلَ الجبلَ! ثمَّ أقبل عليهم، وقال: "إنَّ لله جنودًا لا نعرفها، ولعل بعضها أن يبلغهم".
    في هذا الموقف العصيب الذي يعيشه الجيش في "دارا بجرد" وبعد أن بلغت القلوب الحناجر، وانقطعت الأسباب، ووثق المسلمون في نصر الله، وأن الله ناصر دينه، تتنزل العناية الإلهية بالنصر على المؤمنين، ويكون النصر من رجل لم يكن في ميدان القتال أو يعرف طبيعة المكان، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء. ويسمع المسلمون صوتًا من السماء يقول: "يا سارية، الجبلَ"، وهذه الرواية ثابتة في الصحيح.
    ونفَّذ سيدنا سارية ما سمع؛ فذهب بالجيش إلى الجبل وجعله في ظهره، وقاتلوا الفرس من وجه واحد والجبل في ظهرهم، حتى أتم الله النصر للمسلمين، وانتصر الجيش الإسلامي على كل الجموع التي جاءت لتفتك به، وحقق المسلمون نصرًا عظيمًا، وجمعوا غنائمَ كثيرة من الفرس.
    لا أحد يعلم جنود الله أو الكيفية التي ينصر الله بها المسلمين إذا هم اتبعوا منهجه، ولكن كما يقول سيدنا عمر بن الخطاب: "إن لله جنودًا لا نعرفها، ولعل بعضها أن يبلغهم".
    ولم يكن بوسع سيدنا عمر بن الخطاب أن يرسل رسولاً بهذه السرعة لينقل الخبر إلى سارية بن زنيم؛ فقال هذه الكلمة يخاطب بها الجيش الإسلامي، وهو يعلم أن صوته لن يفعل شيئًا ولكنه جُهْد المُقِلّ. ولما رأى الله صدق إيمان سيدنا عمر بن الخطاب، وصدق إيمان الجيش في دارا بجرد أتم الله لهم النصر.
    وقد تتحقق مثل هذه الكرامة في أي وقت من الأوقات، وقد يُلْهِم الله I قائد الجيش الحل، فدائمًا يلهم الله جنده بوسيلة قد لا يخطط لها المسلمون مطلقًا، ولكن ما عليهم هو الأخذ بالأسباب كاملة.
    عففت فعفت رعيتك :
    وبعد الانتصار العظيم الذي حققه الجيش الإسلامي بقيادة سيدنا سارية بن زنيم في "دارا بجرد"، سقط إقليم فارس كاملاً، وسيطر المسلمون على أنحاء الدولة الفارسية، وبدءوا في توزيع الغنائم، وبقي من الغنائم سفط، أي: وعاء فيه جواهر لم يستطع تقسيمها بين المسلمين؛ فاستأذن سارية بن زنيم المسلمين أن يبعث بهذا السفط إلى عمر زيادةً على الخمس الذي يذهب إلى بيت المال.
    وهنا نذكر مواقف سيدنا عمر مع سيدنا السائب بن الأقرع لما قدم عليه بجواهر، وكانت زيادة على الخمس، فقال: ليس أحق بهذا المال إلا الجيش. وأمره أن يبيعه ويقسم ثمنه بين المسلمين، وذكرنا أيضًا موقف أمير الجيش الذي أرسل طعامًا إلى سيدنا عمر بن الخطاب يخصه به ولم يأكل الجيش منه؛ فأرسل سيدنا عمر بن الخطاب إليه وقال له: إنه ليس من كَدِّك، ولا من كَدِّ أمك، ولا كَدِّ أبيك، ولا يشبع عمر من شيء لم يشبع منه المسلمون. كان هذا هو دَيْدَن سيدنا عمر بن الخطاب t.
    وكما نعلم أن فتح أقاليم الشمال وأقاليم الوسط كان في وقت واحد، ولما قرر سيدنا سارية بن زنيم أن يبعث هذا السفط لم يكن يعرف ما حدث من عبد الله بن عتبان وردّ سيدنا عمر عليه، ولكن اجتهد كلٌّ منهما هذا الاجتهاد في نفس الوقت، وأرسلوا هذه الأشياء إلى سيدنا عمر بن الخطاب؛ فاختار سارية بن زنيم رسولاً من الرسل وهو من أهل العراق ولا يعرفه سيدنا عمر بن الخطاب؛ ليبشره بالنصر وأرسل معه خُمس الغنائم وسَفَط الجواهر (وكان الرسل والوفد يُجَازَوْن وتُقضَى لهم حوائِجُهم)؛ فقال له سارية: استقرض ما تبلغ به وما تُخلِفه لأهلك على جائزتك. ففعل، ثم خرج فقدم على عمر، فوجده يطعم الناس ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره، فقال: اجلس. فجلس، حتى إذا أكل القوم انصرف عمر، وقام فاتبعه، فظن عمر أنه لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخُل. فلما جلس في البيت أُتِيَ بغَدائه: خبز وزيت وملح جَرِيش وماء، فوُضِعَ، فقال: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ قالت: إني لأسمع حِسَّ رجلٍ. فقال: أجل. فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال، لاشتريت لي غير هذه الكسوة. فقال: أوَ ما ترضَينْ أن يُقَالَ: أم كلثوم بنت عليٍّ وامرأة عمر؟! فقالت: ما أقلَّ غَناء ذلك عني! ثم قال للرجل: اُدْنُ فَكُلْ، فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى. فلما أكلا وفرغا قال: أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين. قال: مرحبًا وأهلاً. فأدناه حتى مست ركبتُهُ ركبَتَه، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم؛ فأخبره بنصر الله الذي أتمه للمسلمين وهزيمة الفرس. فقال له سيدنا عمر: اِحْكِ لي الحوادث.
    فقال: كان جيش المسلمين في مأزق شديد حتى سمعنا "يا سارية الجبلَ"؛ فأخذنا جانبًا من الجبل، فجعلنا الجبل في ظهرنا وانتصرنا على عدو الله بفضل الله. فقال: الحمد لله. وأخرج له خمس الغنائم، ثم قال: وهذا سفط من الجواهر جعله سيدنا سارية فوق الخمس. فغضب سيدنا عمر بن الخطاب غضبًا شديدًا، ثم صاح به: لا، ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم. ما أشبع الله -إذن- بطن عمر، أما والله لئِن تفرق المسلمون في مشاتيهم قبل أن تقسم عليهم هذا، لأفعلن بك وبصاحبك الفاقرة. فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد أَنضيتُ إبلي، واستقرضت على جائزتي، فأعطني ما أتبلَّغ به. فما زال به، حتى أبدله بعيرًا ببعيره من إبل الصدقة، وأخذ بعيره فأدخله في إبل الصدقة، ثم وعده بشيء آخر إن هو ردَّ المال، ورجع الرسول محرومًا حتى دخل البصرة.
    وهذا العدل الذي ظهر من سيدنا عمر بن الخطاب هو الذي دفع الجيش إلى أن يحب سيدنا عمر بن الخطاب t، وبذلك العدل انتصر المسلمون على هذه الدولة العظيمة التي ملأ الظلم والجور أركانها، ولم يُعْرَفْ في هذه الدولة حَقٌّ للمقاتل أو حق للفارسي بصفة عامة، ولكن كل الحقوق كانت تذهب إلى كسرى فارس وإلى الأمراء، ثم بعد ذلك يذهب الفتات إلى الجيش عكس الجيش الإسلامي تمامًا، وبذلك سقط الإقليم الأم في أعظم دولة احتلت جيرانها من الدول الأخرى، ويُعدّ سقوطها سهلاً نسبيًّا مقارنة بالمناطق الأخرى، ونذكر هنا أن هذه الأحداث كلها وقعت في سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، وأن أحداث الفتح الإسلامي لبلاد الفرس بدأت في العام الثاني عشر من الهجرة، وبذلك فقد استمرت الحروب في بلاد الفرس نحو عشر سنوات، كانت الهزائم تتوالى خلالها على الفرس؛ فكان من الطبيعي أن يُهْزَموا في هذه المعركة أيضًا بفضل الله I.
    فتح شرق فارس (كرمان ـ سجستان ـ مكران):

    فتح كَرْمان:
    بعد انتهاء فتح دارا بجرد أرسل عمر بن الخطاب جيوشًا أخرى لاستكمال الفتوح في الدولة الفارسية:
    في شرق منطقة فارس توجد مدينة "كرمان"، وكرمان داخلة في حدود إيران اليوم، وفي جنوب كَرْمان مدينة "مُكْرَان" -ومكران هي باكستان حاليًا- ثم إقليم "سجستان" وهو جزء من أفغانستان، و"خراسان" وتقع في الوسط، وسيكون لها جيش خاص.
    يقرر سيدنا عمر بن الخطاب أن يرسل جيشًا من البصرة إلى كرمان لفتحها، وعلى رأس الجيش سيدنا سهيل بن عدي من صحابة النبي، وفي الوقت نفسه كان سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان قد انتهى من فتح أصبهان، فأمر سيدنا عمر بن الخطاب جيش سيدنا سهيل بن عدي أن يدخل كرمان من الجنوب، ويسانده جيش عبد الله بن عبد الله بن عتبان من أصبهان من الشمال حتى يدخل المسلمون على كرمان من منطقتين مختلفتين فيتم النصر للمسلمين، وبالفعل يلتقي الجيشان مع جيش كرمان الذي يملؤه الرعب، وكان الرعب قد تسلل إلى قلوب جيش الفرس لأمرين:
    الأمر الأول:
    أن كرمان تقع في شرق إقليم فارس في الدولة الفارسية الأم التي تحتلها منذ أربعمائة عام؛ لذا فقد امتلأت قلوبهم رعبًا من هذا الجيش الذي استطاع أن يقضي على هذه الدولة القائمة منذ أربعمائة عام.
    الأمر الثاني:
    قَتْلُ قائد كرمان السابق في معركة "تَوَّج" -وكان مددًا لأهل فارس في هذه المعركة- على يد سيدنا مجاشع بن مسعود.
    ولك أن تتخيل نتيجة هذه الموقعة بين جيش يملؤه الرعب وجيش آخر يمتلئ قلبه بالثقة في موعود الله ونصره، وأنه ينتظر إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة.
    فتح سجستان:
    بعد أن هزم الله جيش كرمان وانتصر المسلمون بمَنِّ الله وفضله، وتولى أمر كرمان سيدنا سهيل بن عدي t، أرسل سيدنا عمر بن الخطاب جيشًا خاصًّا إلى إقليم سجستان الجزء الجنوبي لأفغانستان، على رأسه سيدنا عاصم بن عمرو التميمي t، وله ذِكْرٌ طويل في فتوحات فارس منذ بدايات الفتح الفارسي مع سيدنا خالد بن الوليد من العام الثاني عشر الهجري، وله بطولات كثيرة، ومن بطولاته أنه كان قائد "كتيبة الأهوال" أول كتيبة دخلت المدائن عاصمة الدولة الفارسية.
    يتوجه سيدنا عاصم بن عمرو التميمي على رأس جيش قادم من البصرة في طريقه مباشرة إلى سجستان، ليس له شأن بالجيوش التي تقاتل في كرمان أو غيرها، ولكنه يذهب إلى الوجهة التي وجهه إياها عمر بن الخطاب t، وهناك في سجستان يلتقي مع جيشها في موقعة صغيرة، وانتصر عليهم انتصارًا سريعًا؛ فطلب الفرس في ذلك الوقت الصلح مع سيدنا عاصم، ووافق سيدنا عاصم وأعطى الفرس الجزية للمسلمين، ثم دخل معظم إقليم سجستان في الإسلام، ومنذ دخل فيهم الإسلام ظلوا عليه ولم يرتدوا عنه، وأتم الله فتح إقليم سجستان في العام الثاني والعشرين من الهجرة.
    فتح مُكْرَان:


    يخرج جيش من البصرة بأمر سيدنا عمر بن الخطاب t وبخطة منه ليستكمل فتح جنوب الدول الفارسية، وعلى رأس هذا الجيش سيدنا الحكم بن عمرو، ويولِّي هذا الجيش وجهه نحو مكران، ويأمره سيدنا عمر بن الخطاب بأن يستعين بعبد الله بن عبد الله بن عتبان الذي فتح أصبهان وساعد في فتح كرمان.
    ويلتقي عبد الله والحكم قبل أن يلتقوا مع الفرس في منطقة مكران في معركة شديدة ظلت أيامًا، وكان على رأس الفرس في منطقة مكران ملك يدعى "راسل" ظل يقاتل أيامًا عديدة حتى قتله المسلمون، واستباحوا معسكره تمامًا، وحدثت مقتلة عظيمة في الجيش الفارسي، وبدأ الجيش الفارسي يفر من أمام المسلمين إلى مملكة الهند شرق مكران وخارج حدود المملكة الفارسية، ولم يبق في منطقة كرمان غير الفلاحين الذين أسلموا جميعًا، ومنذ دخولهم في الإسلام لم يرتدوا عنه، وكان هذا هو الفتح الأول في منطقة أفغانستان ومنطقة باكستان، أما الفتح الكامل لهما فسيأتي في عهد سيدنا عثمان t، وسيأتي على يد سيدنا محمد بن القاسم الثقفي رحمه الله، وأما منطقة سجستان وما فوقها في الشمال ففتحها سيتم على يد قتيبة بن مسلم الباهلي رحمه الله.
    وبذلك سقطت معظم الدولة الفارسية، وأصبحت الفتوحات أسهل بكثير من بدايتها، وكان ذلك في العام الثاني والعشرين من الهجرة.
    فتح خراسان:
    تقع خراسان في وسط الدولة الفارسية، وكانت ذات أهمية كبرى؛ لذا أفرد لها سيدنا عمر بن الخطاب جيشًا خاصًّا، والناظر في حروب الفرس يجد أن سيدنا عمر قسّم جيوش المسلمين إلى ثلاثة أقسام:
    قسم خارج من الكوفة لفتح منطقة الشمال في الدولة الفارسية، وقد أتم هذا الجيش مهمته على أكمل وجه؛ فقد أتم فتح كل المنطقة الشمالية، وفتح جرجان وطبرستان في هذه المنطقة، ووصل إلى حدود مملكة الترك، بل دخل إلى بلاد الترك وذلك على يد عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي.
    والقسم الثاني من الجيوش اتجه إلى جنوب فارس وأتم مهمته بنجاح، فقد تم فتح إقليم فارس ومكران وسجستان.
    أما القسم الثالث من الجيوش الإسلامية فكان قادمًا من البصرة إلى فتح خراسان في عمق البلاد الفارسية، وخراسان هي الحدود الشرقية لدولة فارس مع الصين، وبفتح خراسان يتم فتح الدولة الفارسية بكاملها.
    وهناك في فتح خراسان أمر ذو أهمية قصوى، وهو اختفاء يزدجرد الثالث كسرى الفرس في مدينة "مرو الشَّاهِجَان" إحدى مدن إقليم خراسان الموجود في شرق إقليم الدولة الفارسية، فتوَجُّه الجيوش الإسلامية إلى يزدجرد وقتله أمر ضروري؛ لأن بقتله تسقط الدولة الفارسية ولا تقوم لها قائمة بعد ذلك، فهو الرأس الذي يدبر للدولة الفارسية، وبوجوده يلتف حوله الفرس ويدافعون عنه حماسةً للدولة الفارسية.
    فهذه المعركة -إذن- تحمل طابعًا خاصًّا، فالجيش متوجه إلى ملك الفرس كسرى الذي بقتله لن تقوم للفرس قائمة، وكما قال في الحديث الذي رواه أبو هريرة t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
    ولطابع المعركة الخاص أخرج سيدنا عمر بن الخطاب t على رأس الجيش قائدًا خاصًّا، لأول مرة يقود جيشًا وهو سيدنا الأحنف بن قيس، فيخرج من البصرة على رأس جيش لفتح خراسان، ولمطاردة يزدجرد الثالث كسرى فارس.
    وقبل الخوض في غمار المعركة، ومطاردة الفريقين لبعضهما البعض نتكلم عن الفريقين أولاً:
    الفريق الأول:
    وهو فريق يزدجرد الفارِّ الهارب، ومنذ صعوده إلى عرش فارس وهو يهرب، فقد تقلَّد حكم فارس أثناء وجود الجيوش الإسلامية في العراق، وبعد أن تولى الحكم دخل المسلمون إلى المدائن؛ فهرب كسرى إلى مدينة حلوان على بعد ما يقرب من مائتي كيلو متر شرقي المدائن، وبدأت الجيوش الإسلامية في غزو المدائن، وبعد أن أتم الله فتحها، اتجه المسلمون إلى حلوان وانتصرت جيوش الإسلام في معركة جَلُولاء قبل حُلوان، فهرب يزدجرد من حلوان إلى الري، ومكث في الري فترة؛ لأن سيدنا عمر أمر المسلمين بعدم الانسياح في بلاد فارس، وكان ذلك في العام السابع عشر الهجري، ثم دخل المسلمون أرض فارس بعد نصيحة بعض المخلصين بغزو الفرس وقتل يزدجرد، وكان الناصح لسيدنا عمر سيدنا الأحنف بن قيس.
    وكانت نصيحته تنص على أن كسرى لن يكل من محاربة المسلمين، وسيلتفّ الناس حوله ما دام حيًّا فالأفضل محاربته؛ فبموته تنتهي الدولة الفارسية. ويأخذ سيدنا عمر برأي سيدنا الأحنف بن قيس، ويرسل إلى الري جيشًا على رأسه سيدنا نعيم بن مقرن، ولما توجه الجيش إلى الري هرب كسرى إلى مرو الشَّاهِجَان في عمق بلاد فارس -على بُعد المسافة بينهما- حتى يأمن وصول الجيش الإسلامي إليه، ومن مرو الشاهجان بدأ بتحفيز الجيوش الفارسية مرة أخرى لمحاربة المسلمين، واستقر يزدجرد الثالث في مرو الشاهجان.
    الفريق الثاني:
    وهو الرجل الذي أمَّره سيدنا عمر بن الخطاب على الجيش لمحاربة يزدجرد، وهو سيدنا الأحنف بن قيس، وكان من أحكم وأدهى وأذكى العرب ومن أحلمهم أيضًا، ويُضْرَب به المثلُ في الحلم والأناة واشتهر بذلك، واسمه الضحاك بن قيس، والأحنف صفة اشتهر بها لاعوجاج في ساق قدمه، ولما رأت أمه ذكاءه وحكمته قالت: لولا حنف في رجله لكان سيد قومه. وأصبح بعد ذلك سيد قومه مع هذا الحنف، ثم أصيب t بعد ذلك في إحدى المعارك فأصبح أعور. وقد دعا له النبي قبل أن يراه، يُروى عن علي بن زيد عن الحسن: أن الأحنف بن قيس قال: بينا أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان بن عفان t إذ جاء رجل من بني ليث وأخذ يدي فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. فقال: هل تذكر إذ بعثني رسول الله إلى قومك بني سعد، فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه؟ فقلت لي: إنك تدعو إلى الخير، وتأمر بالخير، وجئتَ من عند من يدعو بالخير؛ فجعل الناس يدخلون في دين الله لمقولتك، فبلغت ذلك إلى النبي فقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ".
    ولم يكن الأحنف قد رأى النبي، فقد مات قبل وصول الأحنف لمبايعته على الإسلام؛ وبذلك فلا يطلق عليه لقب صحابي؛ فالصحابي كما قلنا قبل ذلك هو من رأى النبي.
    وكان يقول إذا عمل عملاً صالحًا: ولكنني أرجو أن ينجيني الله بدعوة النبي.
    عندما لمع نجم سيدنا الأحنف بن قيس (ونذكر أنه كان في الجيش الذي أنقذ سيدنا العلاء بن الحضرمي في طاوس، وكان تحت إمرة سيدنا أبي سبرة بن أبي رهم، فأبلى بلاءً حسنًا في القتال، ووصل خبره إلى سيدنا عمر بن الخطاب في المدينة وكان لا يعرفه)، أراد سيدنا عمر بن الخطاب أن يختبره؛ فدعاه إلى المدينة، وأبقاه فيها عامًا كاملاً يعطيه أعمالاً ويراقبه فيها، وكانت نصيحة الأحنف بن قيس لسيدنا عمر بن الخطاب خلال هذه السنة بغزو بلاد فارس؛ فوافقه سيدنا عمر بن الخطاب على ذلك، وقال له: لقد سبقتني القول. وبدأ سيدنا عمر يرسل الجيوش لغزو بلاد فارس.
    وقال له سيدنا عمر بن الخطاب بعد انتهاء السنة: يا أحنف، إن النبي قد حذرنا من كل منافق عليم (والمنافق العليم هو من يعرف عن الإسلام الكثير، ويدعو إلى ما يخالفه بالطعن فيه)، فحاولت اختبارك سنة، ووضعتك تحت عيني فوجدت علانيتك حسنة، وإني لأرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك؛ فاذهب إلى أهل البصرة فإني قد وليتك على جيش من جيوشها.
    ثم أرسل رسالة إلى سيدنا أبي موسى الأشعري سيد قومه، فقال له: أتاك الأحنف بن قيس سيد قومه، فَخُذْ برأيه، وأَمِّرْه على جيش من الجيوش، وأرْسِلْه إلى خراسان. وكان ذلك في بداية العام التاسع عشر الهجري، حيث انشغل المسلمون بفتح أصبهان والقتال في منطقة الري، فلم يخرج الأحنف بن قيس بجيشه من البصرة إلا في أواخر العام الحادي والعشرين من الهجرة، وتوجه سيدنا الأحنف بن قيس بجيشه إلى خراسان.
    ونذكر عن سيدنا الأحنف بن قيس أنه كان صالحًا ورعًا تقيًّا، وكان كثير الصلاة بالليل، وكان إذا أذنب ذنبًا ذهب إلى بيته وأوقد شمعة، وكان يضع المصباح قريبًا منه؛ فيضع إصبعه على المصباح، ثم يقول: يا أحنف، ما حملك على أن صنعت كذا يوم كذا.
    ومن أقواله المشهورة: أن أحد الناس سأله وقال له: يا أبا بحر، إن فيك أناة شديدة، فأين العجلة في أمورك؟ فيقول: إني قد وجدت في نفسي عجلة في ثلاثة أمور: "في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها، وفي جنازتي إذا حضرت حتى أضعها في حفرتها (وكما نعلم أن النبي كان يحضُّ على إسراع دفن الموتى)، وفي ابنتي إذا خطبها كفؤها حتى أزوجها".
    وسأله أحد الناس، فقال: يا أحنف، بمَ سُدت قومك وأنت أحنف أعور؟ فقال: بتركي ما لا يعنيني.
    وبعد أن يُؤَمَّرَ الأحنف على الجيش يتوجه إلى خراسان، وفي طريقه يمر بأصبهان وقد حاصرها سيدنا عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فيستكمل طريقه إلى خراسان دون الاشتراك مع جيش عبد الله بن عتبان؛ لأنه ملتزم التزامًا شديدًا بتنفيذ أوامر سيدنا عمر بن الخطاب t.
    ولما توجه سيدنا الأحنف بن قيس إلى عمق البلاد الفارسية ليفتحها واجه في بادئ أمره مدينة "هَراة"، وهذه المدينة تقع في غرب أفغانستان، ففتحها سيدنا الأحنف بن قيس عَنْوة، وبعد الانتصار الذي حققه سيدنا الأحنف بن قيس في هراة بدأ بإرسال الجيوش من داخلها؛ فأرسل جيشًا لفتح مدينة سَرَخْس على رأسه الحارث بن حسان، ويرسل مطرف بن عبد الله إلى "نيسابور" وتقع سرخس ونيسابور في الشمال وتسقط المدينتان، ويتوجه الأحنف بن قيس بالقوة الرئيسية من هراة إلى "مرو الشاهجان" التي فيها يزدجرد، وعندما يعلم يزدجرد الثالث بقدوم جيش المسلمين، يترك في مرو الشاهجان كنزه الدفين الذي جمعه من المدائن وحلوان والرَّيِّ وغيرها، ويدفنه في مكان لا يعلمه أحد، ويتجه إلى "مَرْو الرُّوذ" وهي تقع على بعد مائتي كيلو متر من مرو الشاهجان على أقصى حدود الدولة الفارسية، فبعدها مباشرة تقع الصين، واستولى الأحنف بن قيس على مرو الشاهجان واستخلف عليها حاتم بن النعمان الباهلي، وتوجه بجيشه إلى مرو الروذ لمتابعة يزدجرد، وعلم يزدجرد أن جيش المسلمين يتابعه وقادم من مرو الشاهجان، فهرب إلى أقصى شمال الدولة الفارسية إلى مدينة بلخ، وهذه المدينة على بعد أربعمائة وخمسين كيلو مترًا من مرو الروذ وتقع في أوزبكستان اليوم.
    وبلخ هي أقصى الشمال وأقصى الشرق، وبعدها نهر جيحون ووراء هذا النهر الأراضي التركية، وفي الشرق مملكة الصين، وبين مملكة الصين ومملكة الترك مملكة الصُّغْد وقد اندثرت هذه المملكة مع الزمان.
    وكان يزدجرد قد أقام المعاهدات مع هذه الدول الثلاثة: ألا نغزوهم ولا يغزونا، ومن شروط المعاهدة أن يدافع بعضنا عن بعض وقت الأزمات. وقبل أن يهرب يزدجرد من مرو الروذ إلى بلخ أرسل إلى هذه الممالك الثلاثة لينجدوه من هذا الهجوم المتوالي، والمطاردة العنيفة من المسلمين، ويتوجه يزدجرد بجيشه إلى بلخ، ويستولي سيدنا الأحنف بن قيس على مرو الروذ ويرسل فرقة إلى بلخ، ويتبعها هو بكامل الجيش بعد السيطرة على مرو الروذ ويصل إلى بلخ، ولم يجد يزدجرد مكانًا يهرب إليه، فقد وصل إلى أقصى نقطة في مملكته، فقد سقطت كل الدولة الفارسية.
    وأثناء خروج يزدجرد من مرو الروذ إلى بلخ يستسلم إقليم طخارستان في شمال الدولة الفارسية من ناحية جرجان وأقصى شمال خراسان، ويستسلم هذا الإقليم دون قتال، وولَّى عليه سيدنا الأحنفُ بن قيس ربعيَّ بن عامر -رضي الله عنهما- الذي كان هو أول الرسل الذين ذهبوا إلى رستم في موقعة القادسية.
    ولو رجعنا إلى الوراء خمسة عشر عامًا سنجد ربعي بن عامر في المدينة وفي غزوة الأحزاب، وأثناء حصار المشركين للنبي والمسلمين، وما أصاب المسلمين -في ذلك الوقت- من الخوف والجوع والشدة، ثم أصبح بعد خمسة عشر عامًا أميرًا على طخارستان.
    ولم يبق أمام يزدجرد إلا محاربة المسلمين، وإلى الآن لم يأتِ إليه مددٌ من الممالك الثلاثة التي أرسل يستحثها لإرسال المدد لينقذوه، ولما وصلت الرسائل إلى ملك الترك وملك الصغد وملك الصين، قرر ملك الصغد وملك الترك أن يرسلا مددًا لمساعدة يزدجرد في حربه مع المسلمين، أما ملك الصين فكان رده مختلفًا، والحوار الذي دار بين ملك الصين ورسول يزدجرد كان حوارًا عجيبًا أسلم به كثير من حاشية ملك الصين.
    ولما تقدم سيدنا الأحنف بن قيس إلى بلخ ووجد جيش الفرس وفيه يزدجرد، كانت أول معركة يلتقي فيها المسلمون مع يزدجرد منذ بداية الفتح في بلاد فارس إلى هذه اللحظة.
    أما عن تفاصيل هذه الحرب، وما دار بين ملك الصين ورسول الفرس من حوار، ونتيجة هذا الحوار، وما الذي فعله ملك الصُّغْد وملك الترك، فهذا ما نعرفه في المقال القادم إن شاء الله.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:23 pm

    سقوط المملكة الفارسية
    ذكرنا في المقال السابق أن جيش الأحنف بن قيس وصل إلى بَلْخ لقتال يزدجرد شخصيًّا في حاشيته الملكية، ولم يتمكن يزدجرد من الفرار واضْطُرَّ إلى قتال الأحنف بن قيس بنفسه، وكان يزدجرد قد أقام معاهدات مع الممالك المحيطة بالدولة الفارسية؛ فأرسل خطابًا إلى ملك الصين، وخطابًا إلى ملك الصُّغْد، وخطابًا إلى ملك الترك؛ أما ملك الروم فكان يعيش في الحروب التي تدور في مملكته، غير الحروب الطاحنة التي كانت بين الفرس والروم مما أثَّر على علاقتهما.

    ووصلت رسائله إلى الملوك، فأجابه ملك الترك بإرسال جيش لنجدته، وقد دخل الجيش الإسلامي في بلاد الترك، وكان أول من دخل سيدنا عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، فوجدها ملك الترك فرصة ليتحد مع ملك الفرس في حرب ضد الجيش الإسلامي، لعله يستطيع إخراجه من بلاده، وتوجه جيش الترك بالفعل تجاه بلخ.

    ووافق ملك الصُّغْد على طلب يزدجرد وأرسل جيشًا لمساعدة كسرى فارس.

    رد ملك الصين على رسول كسرى :
    أما ملك الصين فكان أحكمَ من ملكي الترك والصغد؛ فقد حاور رسول كسرى، وقد سُجِّلَ هذا الحوارُ؛ لأن كثيرًا ممن سمعوا هذا الحوار قد أسلموا، ويقال: إن رسول يزدجرد نفسه أسلم.

    ابتدأ ملك الصين قائلاً للرسول: إن حقًّا على الملوك إنجادُ الملوك على من غلبهم؛ فصِفْ لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإني أراك تذكر قلةً منهم وكثرةً منكم، ولا يبلغُ أمثالُ هؤلاء القليل الذين تصف منكم -مع كثرتكم- إلا بخير عندهم وشرٍّ فيكم.

    فقال الرسول: سلني عما أحببت. فقال ملك الصين: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم. قال ملك الصين: وما يقولون لكم قبل القتال؟ قال الرسول: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة. ويتضح من أسئلة ملك الصين أنه كان يتابع الحروب الإسلامية، فالحروب تدور رحاها في المملكة المجاورة واستمرت اثني عشر عامًا، فهو يسأل عن أمور محددة يريد أن يستوثق منها من رسول يزدجرد. قال ملك الصين: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قال الرسول: أطوع قوم لمرشدهم. وهذه هي مفاتيح النصر، يجيب بها رسول كسرى على أسئلة ملك الصين.

    قال ملك الصين: فما يُحِلُّون وما يحرِّمون؟ فعدَّد عليه الرسول بعض الأمور، وقد أثَّر ما ذكره في ملك الصين، لكن ما يهمّ هو السؤال التالي الذي طرحه ملك الصين على الرسول فقال له: هل يحلون ما حرم عليهم، أو يحرمون ما حلل لهم؟ قال الرسول: لا. قال ملك الصين: فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظَفَر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم.

    وإذا كنا نعيش في وضع من الضعف والهزائم غير الوضع الذي عاش فيه المسلمون من قبل، فقد يكون ما ذكر ملك الصين هو السبب، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها، ولو كان قائلها ملك الصين.

    ثم قال ملك الصين: أخبرني عن لباسهم؟ فيشرح له الرسول بساطة ثيابهم. ثم قال ملك الصين: أخبرني عن مطاياهم؟ فقال الرسول: الخيلُ العِرَابُ الأصيلة، ووصفها له، والإبلُ العظيمة ووصفها له.

    فكتب ملك الصين إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحِقُّ عليَّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولُك لو يطاولون الجبال لهدوها، ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهْجُهُم ما لم يهجوك.

    ورفض ملك الصين أن يرسل إليه بمدد ينجده خوفًا من حرب المسلمين.

    وحوى هذا الحوار حِكمًا كثيرةً من الممكن أن نستفيد منها فالتاريخ يعيد نفسه، ونحن الآن في وضع يدعونا لاستخراج الحكمة والبحث عنها، والحكمة كاملة في ديننا، وسيتضح هذا الأمر في نهاية الدرس في مقولة لسيدنا عمر بن الخطاب t.

    عودة للأحنف بن قيس :
    كان الأحنف بن قيس أسرع من ملك الترك وملك الصغد فوصل بجيشه إلى بلخ قبلهما، وحارب يزدجرد والتقى الجيشان في أول معركة يحارب فيها يزدجرد بنفسه؛ فقد تعود الهرب منذ دخول الجيوش الإسلامية إلى أرض فارس، وكأنما كُتِبَ عليه الهروبُ منذ ميلاده؛ فقد هربت به أمه وهو طفل خوفًا عليه من كسرى ليقتله، ثم أحضروه ليتولى الحكم وكان عمره يومئذ إحدى وعشرين سنةً.

    وبدأ القتال وتخيل حال جيش ظل يهرب من مكان إلى آخر حتى ألجأته الظروف للحرب مع جيش يتقدم من مكان إلى آخر، وكيف حاله وهو يقابل جيشًا يحرص على الموت حرصهم على الحياة، وكانت هذه المعركة من أقصر المعارك في الفتوحات الإسلامية، فما هي إلا ساعات قليلة حتى عملت السيوف الإسلامية في رقاب الجيش الفارسي، وكان يزدجرد يقاتل في مؤخرة الجيش، وكالمعتاد لما رأى سيوف المسلمين تأخذ مأخذها من جيشه؛ لاذ بالفرار بقلة من جيشه عابرًا النهر داخلاً في مملكة الترك..

    ويقف سيدنا الأحنف بن قيس على آخر حدٍّ من الحدود الفارسية، ولم يكن لسيدنا الأحنف بن قيس أن يعبر إلى مملكة الترك دون أن يأذن له سيدنا عمر بن الخطاب، وكان قد أرسل إلى الأحنف رسالة بأنه إذا وصل إلى هذه النقطة فلا يعبر إلى مملكة الترك، فلم يفكر سيدنا عمر في الدخول في الأراضي التركية؛ لأن جيوش المسلمين متفرقة في أماكن واسعة، فالجيش الذي قضى على الدولة الفارسية قوامه عشرون ألف مسلمٍ، قد توزعت بقية الجيوش الإسلامية على أقاليم الدولة الفارسية، فخشي سيدنا عمر بن الخطاب من تشتت الجيوش في الأراضي التركية، وبذلك يضيع النصر الذي حققه في البلاد الفارسية، فكانت أوامره ألا يتعدَّى نهر جَيْحون حتى وإن هرب يزدجرد خلف هذا النهر، ويقف الأحنف بن قيس طاعة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ولم يتقدم ليعبر نهر جَيْحون.

    بعد الانتصار الذي حققه سيدنا الأحنف بن قيس في بلخ، وسقوط الدولة الفارسية، وبعد أن اطمأن على الوضع فيها تركها عائدًا بجيشه إلى مرو الروذ بعد أن ترك بها حامية لتحميها.

    لم ينته الأمر بالنسبة ليزدجرد بعدُ؛ فبالأمس القريب كان ملكًا على مملكة كبيرة من أقوى الممالك في ذلك الوقت، واليوم أصبح فارًّا مطارَدًا، وقد فَقَدَ كنزه المدفون في مرو الشاهجان، وفقد وضعه الاجتماعي، وما بين عشية وضحاها سُلِبَ منه كُلُّ ما يملك، وبعد أن كان يتقلب في النعيم أصبح من أهل الجحيم.

    واستنجد يزدجرد بملك الصغد وملك الترك على الجيش الإسلامي رغبة في الانتصار عليه، أو تحرير الكنز المدفون في مرو الشاهجان على أن يقاسمه الكنزَ ملكُ الترك، ووافق ملك الترك، وعبرت الجيوش التركية التي تحالفت مع الجيش الفارسي، واضطرت الحامية المرابطة في بلخ إلى الانسحاب إلى الأحنف بن قيس في مرو الروذ؛ لما رأت كثرة عدد الجيش القادم من مملكة الترك، ويستولي يزدجرد والخاقان على بلخ مرة أخرى.

    واتجهت الجيوش الفارسية المتحالفة مع الجيوش التركية إلى مرو الروذ لمقابلة الأحنف بن قيس، وعسكرت هذه الجيوش قرب مرو الروذ، وجهز الأحنف بن قيس جيشه لما علم بانسحاب الحامية الإسلامية من بلخ، وتلتقي الجيوش في معركة في مرو الروذ، وهذه المعركة ليست على غرار معركة بلخ، فالجيوش التركية كانت كبيرة العدد بجانب جيش الصغد وبقايا الجيش الفارسي، فكانت من المعارك الشديدة في هذه الفترة، واستمرت المعركة أيامًا، وكانت الفلول تأتي من جهات مختلفة، ومن خارج حدود مرو الروذ وأحاطت هذه الفلول بالجيش الإسلامي، وكانت العادة القتال نهارًا، وفي أثناء الليل خرج الأحنف ليلاً ليعرف أخبار جنوده، ولعله يسمع برأي ينتفع به، فمر برجلين ينقيان علفًا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أنا أميرنا أسند ظهرنا إلى هذا الجبل وجعل النهر على يميننا من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوتُ أن ينصرنا الله. فقد خشي المسلمون الحصار في أرض لا يعرفونها، فسمع الأحنف بن قيس ذلك الرأي وأعجبه، فلما أصبح جمع الناس وقال لهم: إني أرى أن تجعلوا ظهوركم إلى هذا الجبل. ثم قال لهم: أنتم اليوم قليل وعدوكم كثير فلا يَهُولَنَّكم؛ فـ{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]. بعد الوضع الذي اتخذه المسلمون بدأت الكفة ترجح نسبيًّا في جانب المسلمين ولكن لم يتحقق النصر الكامل، وقاتل المسلمون من جهة واحدة، فأصبح الأمر معتمدًا على كفاءة المقاتل المسلم، وليس على حصار الفرس والترك كما كان في بداية المعركة.

    وفي ليلة من ليالي المعركة خرج الأحنف قائد الجيوش طليعةً لأصحابه أو دورية استكشافية بين الحدود الفاصلة بين الجيشين ليدرس الموقف؛ ليعرف كيف ينتصر على هذا الجيش، حتى إذا كان قريبًا من عسكر الخاقان وقف، فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه فضرب بطبلة، وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلهم يضرب بطبلة، ثم يخرجون بعد خروج الثالث. ثم وقف الفارس من العسكر موقفًا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق التركي ووقف، فخرج فارس آخر من الترك ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله وأخذ طوقه ووقف، ثم خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين، فحمل عليه الأحنف فقتله، ثم انصرف الأحنف إلى عسكره.

    وبالفعل خرجت الجيوش التركية بعد الثالث فأتوا على فرسانهم فوجدوهم قتلى، وكانوا أهل تشاؤم وتفاؤل كالفرس؛ فتشاءم خاقان وتطيَّر، وتسربت الهزيمة إلى قلوب جيشه.

    وتعددت الروايات بالنسبة لموقف الخاقان وجيشه التركي، فبعض الروايات تذكر أنهم عادوا إلى بلادهم ولم يقاتلوا، وقال الخاقان: قد طال مقامنا وقد أصيب فرساننا، ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير؛ فرجعوا. وارتفع النهار للمسلمين ولم يروا منهم أحدًا، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان والترك إلى بلخ.

    وتذكر بعض الروايات الأخرى أن المعركة تمت، وحمل الأحنف بن قيس رايته وانطلق داخل الجيش التركي وأوقع بهم هزيمة رهيبة.

    ونعلم أن يزدجرد كان مع الجيش التركي وكان بينهما اتفاق، وهو ما دفع الخاقان الدخول في حرب مع المسلمين، ولم يكن المسلمون على علم بتلك الاتفاقية.

    وأثناء القتال ترك يزدجرد الخاقان مقابل المسلمين بمرو الروذ وانصرف بحاميته الفارسية إلى مرو الشاهجان، وكان بها حامية إسلامية صغيرة على رأسها حاتم بن النعمان، وكان الجيش الفارسي أكبر نسبيًّا من الجيش الإسلامي، فضرب عليهم الحصار، واستطاع يزدجرد ومن معه الدخول إلى مرو الشاهجان بعد انسحاب الحامية الإسلامية، وانكشف ما اتفق عليه يزدجرد والخاقان، فقد شغل الترك جيش المسلمين في مرو الروذ ليتمكن يزدجرد من الحصول على الكنز المدفون في مرو الشاهجان ثم يعود إلى مملكة الترك، وفي الوقت الذي وصلت فيه الأنباء إلى الأحنف بن قيس كان الجيش الإسلامي قد حقق انتصاره على الجيش التركي، وكان أمام الأحنف اختياران إما أن يسير إلى بلخ بالقوى الأساسية، أو يسير إلى مرو الشاهجان حيث يزدجرد وكنزه المدفون، فاختار الأحنف أن يسير إلى مرو الشاهجان لسببين؛ أولهما: أنه لا يريد أن يقع بين جيشين في الشمال والجنوب.

    والسبب الثاني: طاعته لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في عدم تجاوزه نهر جيحون.

    لما علم يزدجرد أن الأحنف لحقه وقادم إليه أُسْقِطَ في يده، فهو لم يكن يتوقع أن تأتي إليه الجيوش، بل توقع أنها ستذهب إلى الجيش التركي، فهرب يزدجرد كعادته.

    الفرس ينقلبون على يزدجرد :
    فلما جمع يزدجرد خزائنه، وكانت كبيرة عظيمة، وأراد أن يلحق بخاقان، قال له أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟ قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين. قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم؛ فإنهم أوفياء وهم أهل دين، وإن عدوًّا يلينا في بلادنا أحب إلينا من عدو يلينا في بلاده ولا دين له، ولا ندري ما وفاؤهم. فأبى عليهم، فقالوا: دع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا، لا تخرجها من بلادنا. فأبى، فاعتزلوه وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وانهزم منهم ولحق بخاقان، وعبر النهر من بلخ إلى فرغانة، وصالح الجنود الفارسيون سيدنا الأحنف بن قيس على الجزية وأعطوه كنز يزدجرد، فباعه المسلمون بمائة وخمسين مليون درهم، وقسم مائة وعشرين مليون درهم على العشرين ألفًا؛ فكان نصيب الفرد ستة آلاف درهم.

    أخبار النصر تصل المدينة :
    وأرسل إلى سيدنا عمر بن الخطاب خبر الفتح ومعه ثلاثون مليون درهم خُمس الغنائم، فما كان من سيدنا عمر بن الخطاب إلا أن جمع الناس وقرأ عليهم كتاب الأحنف بن قيس، ثم خطب خطبة فقال: "إن الله تعالى ذكر رسوله، وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، ثم قال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، الحمد لله الذي أنجز وعده ونصر جنده، ألا إن الله قد أهلك مُلْكَ المجوسية وفرَّق شملهم، فليسوا يملكون بأيديهم شبرًا يضر بمسلم، ألا إن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، ألا وإن المِصْرَيْن (الكوفة والبصرة) من مسالحها (المدن الصغيرة التابعة) اليومَ كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد، وقد أوغلوا في البلاد، والله بالغ أمره، ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله؛ فقوموا في أمره يوفِ لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تُبدِّلوا ولا تغيروا؛ فيستبدل الله بكم غيركم؛ فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تُؤتَى من قِبَلِكُم".

    ونضع كلمات سيدنا عمر بن الخطاب نصب الأعين لتكون لنا درسًا من الفتوحات الفارسية، تعيه قلوبنا وخاصة آخر كلامه، فهو لا يخاف على هذه الأمة من الفرس أو الروم أو الصين أو من غير ذلك بقدر ما يخاف أن تؤتى هذه الأمة من قبلها، وذلك إذا أحلَّت الأمة حرامها وحرَّمت حلالها، وإذا حدثت الفرقة بين المسلمين حتى لو حقق كل فرد أعلى درجات التقوى، طالما أنه يعمل بمفرده ولا يتعاون مع الآخرين لتحقيق أمة مترابطة ومتماسكة وقوية البنيان.

    ودائمًا ما كان سيدنا عمر يقول لجيش المسلمين: إني أخاف عليكم من الذنوب أخوف من جيش الفرس ومن جيش الروم. وكان الجيش الإسلامي -في ذلك الوقت- قد حقق هذه الصفات التي هي مفتاح النصر؛ لذا أتم الله تعالى لهم فتح المملكة الفارسية، ودانت لهم مملكة من أعظم الممالك في ذلك الوقت.

    مقتل كسرى يزدجرد :
    وتزامن سقوط الدولة الفارسية مع فتح المسلمين لبرقة في تونس، وتوغلهم في أرض الروم حتى حدود المملكة التركية.

    وبعد هذا السقوط المفزع الذي لحق بيزدجرد، إضافة إلى محاربة جنده له وأخذ كنزه، وصل يزدجرد إلى خاقان الترك فاستُقْبِل استقبال الملوك، ثم سأله أحد عماله (وكان على مرو الشاهجان وكان اسمه ماهويه) ابنته ليتزوجها؛ فغضب يزدجرد غضبًا شديدًا، وقال له: إنما أنت عبد من عبيدي. فعمل ماهويه على تقليب الحاشية على يزدجرد، وقررت الحاشية قتله، فهرب يزدجرد من الحاشية الفارسية حتى انتهى إلى بيت طحَّان فآواه وأطعمه ثم سقاه الخمر فلعبت برأسه؛ فأخرج تاجه ووضعه على رأسه فعرفه الطحان، ثم أخبر ماهويه، وتشاءم ماهويه من قتل يزدجرد بنفسه أو أحد من حاشيته؛ فقد كانوا يعتقدون أن من قتل كسرى أو قتل ملكًا عُذِّبَ بالنار في الدنيا، فأوحى إلى الطحان بقتله، فأخذ فأسه وضرب يزدجرد فاحتز رأسه بها، وبعد قتل الطحان لكسرى قال ماهويه: ما ينبغي لقاتل ملك أن يعيش. فقتل الطحان، وألقى جثة يزدجرد في نهر جيحون، وحملت المياه جثته إلى مكان قريب من مرو الشاهجان، وتعرف عليه مطران على مرو يقال له: إيلياء، فجمع من كان قبله من النصارى، وقال لهم: إنَّ ملك الفرس قد قتل، وهو ابن شهريار بن كسرى، وإنما شهريار وَلَدُ شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقَّها وإحسانها إلى أهل ملَّتها من غير وجه؛ ولهذا الملك عنصر في النصرانِيَّة مع ما نال النصارى في مُلك جدِّه كسرى من الشرف، وقبل ذلك في مملكة ملوك من أسلافه من الخير، حتى بنى لهم بعض البِيعَ؛ فينبغي لنا أن نحزن لقتل هذا الملك من كرامته بقدر إحسان أسلافه وجدّته شيرين إلى النصارى؛ وقد رأيت أن أبني له ناووسًا، وأحمل جثّته في كرامة حتى أواريها فيه.

    وانتهت بذلك قصة آخر ملك تولى حكم فارس، وكان من عادة الفرس أن يبتدئوا التقويم من اعتلاء كسرى لكرسي العرش، وبموت الملك ينتهي التقويم ويبتدئ تقويم جديد ببداية عهد كسرى جديد، ولم يأت بعد يزدجرد أحد ليسير المجوس -إلى هذه اللحظة- بالتقويم اليزدجردي، وما زالت هذه الطائفة باقية وموجودة وتعرف بالزرادشتية.

    بعد انتهاء الفتوحات الفارسية والانتصار العظيم الذي حققه المسلمون، الذي لا نستطيع إعطاءه حقه إلا بعد قيام من ينشر الخير، ويبشر بهذا الدين وينشره في ربوع الأرض، وفي كل مكان في العالم، في هذا الوقت نستطيع أن نعرف مقدار الجيش الإسلامي الذي خرج بعد حروب الردة مباشرة -رغم عدد قتلى المسلمين في معارك الردة- لغزو الفرس والروم، وشمال إفريقيا حتى وصل إلى الأندلس.

    وذكر أبو الحسن الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن (علم مقارنة الأمم) فقال: بالمقارنة.. قوة المسلمين إلى قوة الفرس وقوة الروم في ذلك الوقت، هي أضعف من قوة المسلمين في هذا الوقت من قوة روسيا وأمريكا قبل سقوط روسيا، وقوة الفرس والروم أشد على المسلمين من قوة روسيا وأمريكا على المسلمين الآن، لكن الفارق عوامل النصر التي كانت موجودة من قبل، ولو أراد المسلمون العزة والمنعة والنصر وعملوا له لحققه الله تعالى؛ فلا شيء يعجزه وكل شيء بيده.

    هدف الفتوحات الإسلامية :
    هل يوجد تعارض بين الفتوحات الإسلامية التي كانت عن طريق حروب شديدة مع قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]؟ مع أن الآية واضحة وصريحة، وأن الفرس لم يهاجموا المسلمين، بل المسلمون هم الذين حاربوهم في بلادهم.

    الحقيقة أن هذا الأمر من الأهمية بمكان ولا بد من الوقوف على حقيقته، وفي هذا يقول أحد العلماء: إن حركة الفتوحات الإسلامية لم تكن لمجرد الدفاع عن الدولة الإسلامية كما يحاول بعض المسلمين الدفاع عن الإسلام، والقول بأن الإسلام لا يحارب إلا دفاعًا، ويظن أنه يخدم الإسلام بذلك، حتى لا يُطْلَق على الإسلام أنه دين إرهاب، أو أنه يحاول الضغط على هذه الدول لتعتنق الإسلام، ونذكر أن الإسلام ليس دينًا دفاعيًّا فقط، بل فرض عين على المسلمين أن ينشروا الدعوة خارج حدودهم حتى يَعُمَّ الإسلام ربوع الأرض، والمسلمون لم يفرضوا الإسلام على أية أمة من الأمم، لكنه يحرر هذه الشعوب من الطواغيت التي تحكمهم وتمنعهم من اختيار الدين المناسب؛ فمثلاً كان الشعب الفارسي يتبع ولاته في عبادة النار، ولا يحق لهم اختيار ما يدينون به، لكن دين الله لا بد أن يصل إلى هذه البلاد، وإلى كل فرد، ثم يترك له حرية الاختيار في اعتناقه للإسلام أو عدم اعتناقه، أما إذا تركه المسلمون دون إبلاغ فهم آثمون، فكانت مهمة الجيوش الإسلامية محاربة الطبقة الحاكمة التي تأبى أن تطيع أمرَ الإسلام، بعد عرض الإسلام عليهم وبعد عرض الجزية، والجزية حلٌّ أفضل للمعاهِدين من الأموال والضرائب التي يدفعونها لحكوماتهم وأقل مما يدفعه المسلمون زكاةً؛ ولذا كانت هذه الشعوب تغتبط بالحكم الإسلامي.

    بعد عرض هذه الأمور الثلاثة: الإسلام أو الجزية أو المنابذة؛ فإن رفض القوم الإسلام أو الجزية قاتل الجيش الإسلامي الجيش الفارسي والجيش الرومي ولا علاقة له في الحرب بمن لا يحارب، لا يقاتل الفلاحين، ولا من يعبد الله في محرابه أو في كنيسته أو في صومعته أو حتى في معبد النار، لكنه يقاتل من يقفون أمام نشر دين الله I، حتى إذا خلَّى بين الناس وبين الاختيار، ترك لهم المسلمون حرية العقيدة، يعبدون ما شاءوا أن يعبدوا بعد توضيح الإسلام لهم، فإن رضوه دينًا كان بها، وإن لم يرضوه أقرُّوهم على ديانتهم، رغم أن الدولة الفارسية تعبد النار وليسوا أهل كتاب، ومع دفعهم الجزية يتركهم المسلمون يعبدون النار، وفي مقابل الجزية يمنعهم المسلمون ويدافعون عنهم، ولم يكن غرض المسلمين من الفتوحات التكالب على الدنيا، بل أوقف سيدنا عمر بن الخطاب الحروب خشية كثرة الغنائم على نفوس المسلمين، فهل هناك قائد أي جيش فاتح يوقف الحروب؛ لأنه يخاف على أتباعه من كثرة الغنائم؟!

    ولم تحمل الرسائل التي بعثها سيدنا عمر بن الخطاب بين طياتها أي غرض من أغراض الدنيا بل كان جُلُّ همه الآخرة وترك الدنيا، ولو وضعوا أعينهم على الآخرة لربحوا الدنيا والآخرة، وإذا وضعوا أعينهم على الدنيا خسروهما معًا، وهذا هدف نبيل من أهداف الفتوحات الإسلامية، ولا نخجل من ذكر انتشار الإسلام في هذه البلاد بهذه الحروب، بل الإسلام أعطى الفرصة لهؤلاء الناس ليتعرفوا عليه، تاركًا لهم حرية الاختيار.

    ونتساءل: هل سيأتي اليوم الذي نفرح فيه عندما نرى انتشار الإسلام في أوربا وأمريكا وروسيا وكل ربوع الأرض؟ نعم، سيأتي هذا اليوم لكن بجدٍّ واجتهاد من المسلمين في تعريف البشرية بديننا الحنيف، وقد وعد الله بتحقق ذلك، ونحن نؤمن بموعود الله وأن دين الله سيعمُّ كُلَّ الأرض، ويعز الإسلام كما كان من قبل ويَذِلُّ الشرك، ولكن الفكرة تكمن فينا، وهل سيكون لنا دور في ذلك أم نتولى؛ فيحق علينا قول الله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]؟ فبداية الهَلَكَة كما وضحها ملك الصين: يحلُّوا حرامهم ويحرِّموا حلالهم. ولا بد أن يستشعر كل إنسان أن النصر يتأخر بمعصيته وذنبه، فالزوج الذي يترك زوجته تخرج إلى الشارع بدون حجاب، وكذلك الأب الذي يترك ابنته بدون حجاب هذا الأمر يؤخر النصر، رغم أن هذا شيء فردي وخاصٌّ به إلا أنه يحرم حلالاً ويحل حرامًا، ويؤخر النصر, كذلك من يتعامل بالربا، ومن يتعامل في الخمر، والغيبة والكذب، وكل من يقوم بشيء مخالفٍ يحرم فيه حلالاً ويحل حرامًا.

    ويؤخر النصر أيضًا -ولو كان الأفراد على أعلى درجات التقوى- إذا انصرف كلٌّ إلى نفسه لا يفكر في الآخرين، بل لا بد لهذه النفوس التقية أن يجتمع بعضها مع بعض في دولة واحدة، وليس من الصعب على المسلمين أن يعيشوا تحت لواء دولة واحدة تنشر الخير وتنشر الإسلام في أرجاء المعمورة، وقد ظل الإسلام يحكم وله دولة قائمة تجمع شمل المسلمين ألفًا وثلاثمائة عام، ولم يعش المسلمون سوى خمسة وسبعين عامًا فقط متفرقين بعد إسقاط الخلافة العثمانية، وهذه المدة ليست بشيء في حياة الأمم، واجتماع هذه الأمم ليس بالصعب ولا العسير، فالأهم من ذلك الإرادة القوية التي تجمع هذه الشعوب، وتبدأ بتكوين الحكومات الإسلامية داخل بلادنا ونشر الإسلام فيها، ثم تتحد هذه البلاد في أمة واحدة تحافظ على العدل والمحبة وتنشر الإسلام في ربوع الأرض، وكلٌّ له دور في مكانه..

    وكما يقول النعمان بن مُقَرِّن لما خطب المسلمين في معركة نهاوند: ولا يكِلْ أحدُكم قِرْنَه إلى أخيه. فليبدأ كلٌّ منا بنفسه، ويقربها من الله I مبتعدًا عن الحرام، مقتربًا من الحلال، مكثِرًا من الطاعات، وكل هذه الأشياء من عوامل النصر، ثم يقوم بدعوة غيره إلى الخير والكفِّ عن المعاصي، وليكن لك دور في مجتمعك، لا أن تعيش لنفسك فقط، ويكون جُلُّ همِّك جمع الأموال، أو تحقيق منافع شخصية، حتى ولو كانت على المستوى العبادي والإيماني.

    ويقول أحد المصلحين ملخصًا هذا الكلام: أصلحْ نفسَك وادعُ غيرَك، ولو حاول كل منا أن يقيم دولة الإسلام في قلبه لقامت على أرضه، أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقمْ على أرضكم. وحتمًا لو سلكنا الطريق الصحيح سنصل إلى ما وصل إليه الصحابة من نصر وتمكين بإذن الله.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:24 pm



    القادسية رستم يقرر خوض معركة:
    بعد أن قرر رستم خوض المعركة أحضروا له فرسًا جديدًا؛ لأن فرسه القديم كان قد غنمه منه طليحة، فأخذ يستعرض أمام جنده، فقفز عليه دون أن يضع رجله في الركاب، وهذا أمر لا يفعله إلا فارس عظيم مثل رستم، ووقف على فرسه بمنتهى الخيلاء يستعرض جيشه، ثم قال: غدًا ندقهم دقًّا. فقال أحد الجند: إن شاء الله. فقال: وإن لم يشأ!! وقرر أن يدخل المعركة وهو يصِرُّ على كفره وعناده، فقد انتهت المفاوضات بين الطرفين، وباءت الدعوة بالفشل، وستحدث المعركة في اليوم الرابع، وأصبح المسلمون في حِلٍّ من وعدهم لأهل فارس.
    وفي بداية اليوم يرسل رستم إلى المسلمين؛ فيقول لهم: تعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ وكان الفرس في غرب نهر العتيق والمسلمون في شرقه؛ فقال له سعد بن أبي وقاص: اعبروا إلينا. فقال له: خَلُّوا بيننا وبين القنطرة. أي اجعلوا زهرة يتحرك بعيدًا عن القنطرة لكي نعبر إليكم؛ فقال له سعد: والله لن نعطيكم شيئًا غلبناكم عليه. فهذه القنطرة قد استولينا عليها منكم، ولن نعطيها لكم أبدًا، فانظروا طريقة أخرى تعبرون بها.
    فذهب جيش رستم إلى منطقة ضحلة من نهر العتيق، وظلوا يردمونها بالتراب والبوص والزروع طيلة الليل وسَاوَوْا عليها؛ ليتمكنوا من العبور عليها، وعُرِفَتْ هذه المنطقة بعد ذلك باسم منطقة الرَّدْم.
    الفُرس يبتكرون سلاح الإشارة:
    كان مما استحدثه الفرس لأول مرة في تاريخ الحروب سلاح الإشارة (اللاسلكي)، ونحن نعرف أن الاتصالات بين المسلمين وبين عمر بن الخطاب في المدينة، أو بين الفرس وقائدهم يزدجرد في المدائن كانت تقوم على الخيول؛ فالرسول يركب فرسه ويجري به ومعه الرسالة المراد تبليغها لأمير المؤمنين أو لكسرى أو غيرهم، ثم يسلمه إياها ويأخذ الرَّدَّ عليه، ويرجع كما أتى؛ ولكن الابتكار الجديد عبارة عن رجل يقف في إيوان كسرى بجوار يزدجرد يسمع الكلام منه، فيصرخ به بأعلى صوته، والرجل الثاني يقف على أبعد مسافة يمكنه فيها أن يسمع الكلام، ثم يقف رجل آخر على مسافة منه يبلغ من بعده، وهكذا.
    وكانت المسافة بين كل رجل وآخر نحو مائة متر تقريبًا، وفي الطريق من القادسية إلى المدائن يقف هؤلاء الرجال لتبليغ الرسائل، وعندما حسب العلماء هذه المسافة وهذا التوقيت وجدوا أن الجملة المكونة من أربع كلمات تصل من القادسية إلى المدائن (وهذه المسافة نحو مائتين وعشرين كيلو مترًا) في أربع ساعات، وعن طريق الخيول تصل في ثلاثة أيام؛ أما الجملة المكونة من كلمتين فتصل خلال ساعتين فقط، وكان عدد هؤلاء الرجال ألفين ومائتين، وهذه طريقة مفيدة، وتعتبر حديثة في هذا الوقت، ويعضدهم في ذلك أنهم يمتلكون طاقات بشرية هائلة، فلا توجد عندهم مشكلة -إذن- في أن يضعوا ألفين في الطريق، هذا فضلاً عن أن المسافات كانت قصيرة نسبيًّا: نحو مائتين وعشرين كيلو مترًا من القادسية إلى المدائن، أما المسافة بين القادسية والمدينة فبعيدةٌ جدًّا تُقَدَّر بنحو 580 كيلو مترًا، وهي مسافة ضخمة جدًّا، فليس من المعقول أن يضعوا على الطريق هذا العدد الضخم من الرجال؛ لأن جيش المسلمين كله نحو 32000 جنديٍّ.
    ثم بدأ الجيش الفارسي يعبر القنطرة، وكانت أرض القادسية من ناحية خندق سابور إلى نهر العتيق ضيقة؛ فلا يستطيع رستم أن يرتب جيوشه في مقدمة ومؤخرة وميمنة وميسرة كما كان، فأدخل مقدمته ومؤخرته بين الميسرة والميمنة، ففقد بذلك عامل المناورة، وعامل كثرة الجنود؛ وأصبح الجنود رغم كثرتهم صفًّا واحدًا: صفًّا وخلفه صف آخر وهكذا.
    فعدد الصفوف ضخم لكن المساحة التي أمام المسلمين مساحة متقاربة، وعدد صفوف المسلمين قليل جدًّاً؛ فجعل على ميمنته الهرمزان، وكان عدد جيشه ثمانية وعشرين ألفًا، منهم أربعةَ عشرَ ألفًا من الفرسان، وأربعة عشر ألفًا من المشاة، ومعه سبعةُ أفيال؛ أما الجالينوس قائد المقدمة فقد أصبح على يساره مباشرة، ومعه أربعةٌ وعشرون ألفًا وستة أفيال، وبِهْمَن في عشرين ألفًا وخمسة أفيال، والبيرزان قائد المؤخرة فقد أصبح على يمين الميسرة ومعه أربعة وعشرون ألفًا وستة أفيال، ومهران قائد الميسرة على أربعة وعشرين ألفًا وستة أفيال، وقِوَامُ هذا الجيش 120 ألفًا، وقوات الاحتياط التي لا تشترك في المعركة ولكنها تنتظر نتائجها 120 ألفًا آخرون على الناحية الأخرى من نهر العتيق، وقد نصبوا لرستم شيئًا غريبًا سَمَّوه طيارة (وهي تشبه الخيمة ولكن ليس لها جدران، مجرد سقف كبير جدًّا، ووضعوا حولها البُسُط وكُلَّ شيء، وكأنه جالس في قصره) في قطاع بهمن في قلب الجيش وأقرب الأماكن للردم؛ وذلك لكي يتمكن من الهرب إلى المدائن إذا حدثت هزيمة، ونصبت على يمينها الدِّرَفْش كَبْيَان (راية الفرس العظمى)، وتحمي الطيارة ثلاثة من أفيال الملوك التي لا تشترك في القتال، ومهمتها حراسة خيمة الملك فقط.
    وقد فعل المسلمون في تنظيم الجيش مثلما فعل الفرس؛ لأن المنطقة لا تسمح بوجود مقدمة ومؤخرة كذلك، فوضع على رأس الميمنة عبد الله بن المعتم، وعلى الميسرة شُرَحْبِيل بن السِّمْط، ودخلت المقدمة بقيادة زهرة وسواد في الوسط، ودخلت المؤخرة بقيادة عاصم بن عمرو التميمي في الوسط أيضًا بجوار الميمنة، ووقفت فرقة من المسلمين فيها نحو أربعة آلاف جندي على رأسهم مذعور بن عدي؛ لكي تحمي ظهر المسلمين من أي هجوم يأتيهم من خلفهم. وفي حصن (قُدَيْس) الذي يقع على خندق سابور جلس سعد بن أبي وقاص؛ لكي يفكر كيف يدير المعركة، وقسمت الجيوش الإسلامية بحسب القبائل وهي نحو ثماني عشرة قبيلة، وكانت أكبر القبائل قيس عيلان وبكر بن وائل وتميم وأسد وبجيلة وكندة، وكانت كل واحدة منهم تتكوَّن من نحو ألفين ونصف إلى ثلاثة آلاف، وهذه أعداد قليلة جدًّا إذا قُورِنَتْ بأعداد الفرس الكثيرة والضخمة، ولكن الله I مع هذه الطائفة يؤيدها وينصرها. ثم بدأ التجهيز للقتال.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:25 pm



    ربعي بن عامر يخاطب رستم:
    في اليوم التالي يرسل رستم عبر القنطرة -أيضًا- يطلب من المسلمين وفدًا للحديث معه (فهو يود الصلح ويبحث عن ثغرة تتم بها المصالحة، أو أية وسيلة أخرى يرجع بها الجيش المسلم دون الدخول معه في حرب)؛ فيخبر زهرة بن الحُوِيَّة سعد بن أبي وقاص بذلك، فيجمع سعد بن أبي وقاص مجلس حربه، ويقول لهم: إنني سأرسل له وفدًا عظيمًا من أصحاب الرأي، كما أرسلت من قبل ليزدجرد؛ ليقيم عليه الحُجَّة، ويدعوه إلى الإسلام. فيقول ربعي بن عامر t: إن هؤلاء القوم قوم تباهٍ، وإننا لو فعلنا ذلك يرون أننا قد اعتددنا بهم (أي: جعلنا لهم مكانة عظيمة، وأقمنا لهم الهيبة ونحن خائفون منهم)، ولكني أرى أن ترسل لهم واحدًا فقط؛ فيشعروا أننا غيرُ مهتمين بهم؛ فيوهن ذلك في قلوبهم. فتجادل معه القوم، ولكنه ظل يجادلهم حتى قال سعد: ومن نرسل؟ فقال ربعي: سَرِّحوني. أي: دعوني أذهب إليه أكلمه؛ وعندما وافق سعد وافق بقية القوم، ووقع في قلوبهم الرضا، وذهب ربعي بن عامر ليقابل رستم. وربعي هذا لم يكن من قواد الجيوش الإسلامية، ولكنه سيد في قومه، وانطلق ربعي على فرسه الصغير ذي الذيل القصير، وهذا شيء تُهَانُ به الخيولُ، ويلبس ثيابًا بسيطة جدًَّا (قديمة ومهلهلة ولكنها نظيفة)، وهذا لباسه منذ أن قدم للقتال؛ فذهب به لمقابلة رستم، ويربط سيفه في وسطه بشيء غنمه من الفُرْسِ، وبالطبع هم يعرفون شكل لباسهم (وفي هذا إذلال لهم كأنه يقول لهم: ما كان في أيديكم بالأمس أصبح اليوم في يدي، وهذا أمر يؤثر في أنفسهم كثيرًا)، ويحمل فوق ظهره السهام، وفي مِنطَقته السيف، وله جحفة من جريد النخل مثل التُّرس يتقي بها السهام، وكانت دروع الفُرس من الحديد القوي، وكان يلبس من الدروع درعًا حديدية تغطي نصفه الأعلى، وكان من أطول العرب شعرًا وقد ضفَّره في أربع ضفائر، فكانت كقرون الوعل، ودخل عليهم بهذا المنظر غير المعتاد بالنسبة لهم؛ فدخل بفرسه ووقف على باب خيمة رستم، فطلب منه القوم أن ينزع سلاحه، فقال: لا، أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رَجعتُ.
    فأخبروا رستم بذلك، فقال: ائذنوا له بالدخول. فدخل بفرسه على البُسُطِ الممتدة أمامه، وهي طويلة جدًّا، يتراوح طولها ما بين مائة وخمسة وستين مترًا إلى مائة وخمسة وثمانين مترًا، وعندما دخل بفرسه وجد الوسائد المُوَشَّاة بالذهب؛ فقطع إحداها، ومرر لجام فرسه فيها وربطه به، وهذا يُوحِي بأن هذه الأشياء ليست بذات قيمة عنده، وفي هذا أيضًا إذلال للفرس، ثم أخذ رمحه، واتجه صوب رستم وهو يتكئ عليه، والرمح يدب في البسط فيقطعها، ولم يترك بساطًا في طريقه إلا قطعه، ووقف أهل فارس في صمت، وكذلك رستم، وبينما هم يفكرون في جلوسه جلس على الأرض، ووضع رمحه أمامه يتكئ عليه، وبدأ رستم بالكلام؛ فقال له: ما دعاك لهذا؟ أي: ما الذي دفعك للجلوس على الأرض؟ فقال له: إنا لا نستحب أن نجلس على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال له: لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة (هذا هو المفهوم عند ربعي بن عامر، وعند الجيش المسلم في معظم الأحاديث التي دارت: أن الله I قد ابتعث هذه الطائفة؛ لتقوم بمهمة وليست للبحث عن الغنائم، أو الطغيان في البلاد)، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر. فقال له رستم: قد تموتون قبل ذلك. فقال: وعدنا الله I أن الجنة لمن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا. فقال له رستم: قد سمعت مقالتك (أي فهمت مقصدك)، فهل لك أن تؤجلنا حتى نأخذ الرأي مع قادتنا وأهلنا؟ فهو يطلب منه مهلة يفكر فيها، فقال له: نعم، أعطيك كم تحب: يومًا أو يومين؟ أى: من الممكن أن نعطيك فرصة من غير أن نحاربكم لمدة يوم أو يومين؛ فقال له رستم: لا، ولكن أعطني أكثر؛ إنني أخاطب قومي في المدائن. فقال: إن رسول الله قد سنَّ لنا أن لا نمكن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث (أي ثلاثة أيام فقط حتى لا يتمكنوا منا ويتداركوا أمرهم)، فإني أعطيك ثلاثة أيام بعدها؛ اختر الإسلام ونرجع عنك أو الجزية، وإن كنت لنصرنا محتاجًا نصرناك، وإن كنت عن نصرنا غنيًّا رجعنا عنك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك عن قومي أن لا نبدأك بالقتال إلا في اليوم الرابع، إلا إذا بدأتنا (أي: أنا ضامن لك أن لا يحاربك المسلمون إلا في اليوم الرابع). فقال له رستم: أسيِّدُهم أنت؟ أي: هل أنت سيد القوم ورئيسهم حتى تضمن لي أن لا يحاربوني؟ فقال له: لا، بل أنا رجل من الجيش، ولكنَّ أدنانا يجير على أعلانا. فهو يقصد أن أقل رجل منا إذا قال كلمة، أو وعد وعدًا لا بُدَّ وأن ينفذه أعلانا.
    ونذكر حادثة أبي عبيد بن مسعود الثقفي في موقعة باقُسْيَاثا، عندما أُسِرَ قائدُ الفرس جابان وأمَّنه جنديٌّ مسلمٌ، وهو لا يعرف أنه جابان، وبعد ذلك علم المسلمون أنه جابان، فرفض أبو عبيد بن مسعود الثقفي أن يقتله وقال: أمَّنه جندي مسلم، ويقتله أبو عبيد. وأطلق سراحه، وقد كان قائد الفرس في موقعة أُليّس، فهُزِمَ ثم هرب، ثم التقى مع المسلمين في موقعة باقُسْيَاثا، وهُزِم فهرب، ثم قُتِلَ بعد ذلك، فالمسلمون يجير أدناهم على أعلاهم، هكذا قال له ربعي بن عامر، ثم تركه وانصرف.
    وعاد رستم يُكلِّم حاشيته مرة أخرى، ويقول لهم: أرأيتم من مَنطِقِه؟! (أي: كيف يتحدث؟) أرأيتم من قوته؟! أرأيتم من ثقته؟! يخاطب قومه ليستميلهم إلى عقد صلح مع المسلمين؛ وبذلك يتجنب الدخول معهم في حرب، ولكنهم رفضوا ولجُّوا، وقالوا له: إنك تجبن وما إلى ذلك، ولكنه يحاول مرة أخرى.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:26 pm



    المغيرة بن شعبة يخاطب رستم:
    في اليوم الثالث يطلب رستم رجلاً آخر يتحدث معه، فيرسل له سيدنا سعد بن أبي وقاص سيدنا المغيرة بن شعبة. ونحن نعلم أن سيدنا المغيرة يعرف الفارسية، ولكنه لم يخبرهم بذلك، وجعل المترجم يمشي بينهم حتى يسمع ما يقولون، وينقل هذا الكلام إلى المسلمين بعد ذلك؛ فدخل عليه المغيرة بن شعبة -وكما ذكرنا من قبل رجل دخل عليه برمحه وقد خرق البسط في طريقه حتى وصل إليه، وآخر دخل بفرسه إلى أن انتهى إليه، وهذا قد ترك حصانه بالخارج؛ ففرحوا وظنوا أنه لم يكن مثلهما- وظل يمشي حتى وصل إليه، فجلس بجانبه على السرير المُذهَّب، فصرخوا في وجهه إذ الفُرْسُ جميعهم يقفون بعيدًا جدًّا عن رستم، وهذا يجلس بجانبه! هذا أمر لا يُصَدَّق؛ فقامت الحاشية بسرعة لكي تجذبه من مكانه، فقال لهم: أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أحب، وإلا رجعت.
    فقال لهم رستم: صدق. وتركه، فقال لهم المغيرة بن شعبة: واللهِ جلوسي جنب أميركم لم يزدني شرف، ولم ينقصه شيء، والله يا أهل فارس إنَّا كانت تبلغنا عنكم الأحلام (أي نسمع عنكم أنكم عقلاء)، ولكني أراكم أسفهَ قوم، وكان أجدرَ بكم أن تقولوا لنا إنما يعبد بعضكم بعضًا (أي أنتم في تقديسكم لرستم كأنكم تعبدوه)، ولكننا نتواسى ولا تتواسَوْا (أي: يُوجَدُ بيننا رحمة ومودة وألفة وهذا عكس ما أنتم عليه)، واللهِ الآن أدركتُ أن أمركم مضمحلٌّ، وأن أمر الغَلَبَة والملك لا يقوم على مثل ما أنتم عليه.
    فسمع الحاشية من خلفه وهي تقول: واللهِ صَدَقَ العربي. فأهل فارس والجند والحاشية يشعرون بهذا الكلام، فهم بالفعل كأنهم يعبدون رستم ويزدجرد والقادة، كما أن بداخلهم سخطًا شديدًا على هؤلاء القادة، ولكنهم لا يستطيعون أن يعلنوه، ثم أخذ الرؤساء يحدث بعضهم بعضًا يقولون: ما أحمقَ أَوَّلِينا (أي جدودنا) عندما كانوا يُصَغِّرُون أمر هذه الأمة!!.
    فأراد رستم أن يخفف من تأثير أفعال الحاشية مع المغيرة حتى لا يغضب؛ فقال له: يا عربي، إن الحاشية قد تفعل شيئًا لا يرضى عنه الملك، ولكنه يتجاوز حتى لا يكسر حاشيته.
    ثم بدأ رستم يسخر من سلاحه (وهذه آخر فرصة لرستم، فإذا خرج من عنده، ولم يحدث بينهما اتفاق، فالمعركة ستقع لا محالة؛ فقال في نفسه: إن المسلمين لا يوافقون على الصلح؛ فلأعمل على إضعاف قوتهم وعزيمتهم، وأحاول أن أخوِّفَهم)؛ فقال له: يا هذا، ما هذه المغازل التي تحملها؟ يقصد سهامه القصيرة التي تشبه مغازل الصوف في نظره، وكانت سهام الفرس طويلة جدًّا تعرف بالنشاب؛ فقال له المغيرة بن شعبة: ما ضَرَّ الجمرةَ أن لا تكون طويلة. أي أن كرة النار لا يضرها صغرُها، فإذا ألقيت على شخص قتلته وحققت الهدف منه، فليس بالضرورة أن تكون طويلة؛ ورماهم كما رماهم من قبلُ حُذَيفة، فأحضروا له درعًا من دروعهم، فرماه بسهم من سهامه التي يقولون عنها مغازل، فاخترقه، ولم تخترق سهامهم جحفته؛ فهَزَّ ذلك رستم، ثم حاول أن يتماسك، فقال له: ما بالي أرى سيفك رَثًّا؟ أي مظهره قديم وضعيف؛ فقال له: رَثُّ الكسوة، ولكنه حديد الضربة. ثم قال له: تتكلم أو أتكلم؟ فقال له: أنت دعوتني فتكلَّمْ.
    فتكلم رستم قائلاً: لم نزلْ متمكنين في الأرض، وظاهرين على الأعداء؛ نُنصر ولا يُنصر علينا إلا اليوم واليومين، والشهر والشهرين؛ لِلذُّنوب (سبحان الله! هذا مفهوم رستم عن القتال، وقد لا يكون عند كثير من المسلمين، فهو يعلم أنهم يهزمون بسبب كثرة اقترافهم للذنوب)، فإذا رضي الله عنا رَدَّ لنا بأسنا وجَاهَنَا، ومَلَّكنا على من ناوأنا (أي هذه طبيعتنا، فنحن نُنصرُ دائمًا، وقد نُغلب مرةً أو مرتين بسبب المعاصي، فلا تظن أن لك الغلبة)، أما أنتم فأهل قَشْفٍ، ومعيشةِ سوءٍ وجَهدٍ وشقاء، لا نراكم شيئًا، ولا نَعُدُّكم، وكانت إذا قحطت أرضكم أتيتمونا، فحملناكم وِقْرًا من تمر أو قمح، فرَضِيتم ورجعتم.
    ثم أخذ يشبه المسلمين وقوم فارس بقوله: وإنما مَثَلُكم كرجل له حائط (أي حديقة أو بستان)، فدخل فيه ثعلب من خرم أو ثقب في سور الحائط؛ فأخذ يأكل من الكَرْمِ (أي العنب الموجود في الحديقة)، فنظر الرجل (صاحب الحائط) إلى الثعلب، فقال: وما ثعلب؟ فأكل، ثم بدأ يعيث في الحديقة فسادًا: يأكل من هذا، ويفسد في هذا؛ فغضب الرجل وطلب منه أن يخرج، فأَبَى الثعلب، فنادى الرجل على غلمانه، فتتبعوه، فعندما أدرك الثعلب أنهم طالبوه وغير تاركيه؛ رجع إلى الثقب فدخل فيه حتى يخرج، ولكنه كان قد سمُن فانحشر في الثقب (أي عندما دخل إلى الحديقة كان نحيفًا، ولكنه عندما أكل من الحائط امتلأ جسمه فلم يستطع الخروج من الثقب)، فأتاه الغلمان على هذه الحالة، فظلوا يضربونه حتى قتلوه، فانظروا كيف تخرجون؟ (أي: جئتمونا مهازيل فتركناكم حتى سمنتم، فأروني كيف تخرجون من أرض فارس؟!) وإني لأرى أن ما جاء بكم إلا الجَهْد (أي أن حالتكم المادية أصبحت سيئة فلذلك جئتم)، فعودوا أدراجكم ونحن نُوقِرُ لكم ركائبكم قمحًا وتمرًا (أي سنحمل لكم كل هذه الجمال التي معكم بالقمح والتمر)، وأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وكل رجل منكم له وِقْر من تمر وقمح وثوبين، وتعودون إلى أرضكم؛ فإني لا أشتهي قتلكم، فارجعوا عافاكم الله.
    فقال المغيرة: الحمد والشكر لله رب العالمين، إن الله خالق كل شيء، ورازق كل شيء، وصانع كل شيء؛ فأما ما ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الغلبة، ومن الظهور على الأعداء، ومن التمكُّن في البلاد فنحن نعرف ذلك ولا ننكره، ولكننا نعلم أن الله قد صنعه بكم (فأنتم لم تصنعوا ذلك، ولكن الله قد وضعه فيكم)، وأما الذي ذكرت من سوء حالنا، ومن قلة زادنا، ومن ضيق عيشنا، ومن اختلاف قلوبنا، فنحن نعرفه أيضًا ولا ننكره، كنا في مثله أو أشد منه: كان أفضلنا من يقتل ابن عمه، ويأكل ماله، وكنا نأكل الميتة والدَّم والعظام، وغير ذلك من سوء العيش، ولكن الدنيا دُوَل (فالحياة تتغير دائمًا)، وما زال أهل شدائدها ينتظرون الرخاء حتى يصيروا إليه، وما زال أهل الرخاء ينتظرون الشدائد حتى تنزل بهم (يقصد أنكم إذا كنتم اليوم في نعمة فمن الممكن أن تنزل بكم الشدائد، وإذا كنا نحن في شدة فمن الممكن أن نصير إلى الرخاء)، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر لقصر عنه شكركم (أي أن الله قد أعطاكم نعمًا كثيرة، فإن كنتم شكرتموه فشكركم قليل إذا قورن بنعم الله)، ولكن أسلمكم ضعفُ الشكر إلى تغير الحال (أي أنتم كفرتم بالله I ولم تشكروا نعمه فأدى ذلك بكم إلى تغير حالكم). ثم قال له: إن الله تعالى بعث فينا رسولاً، وأنزل فينا كتابه؛ فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه منا مُصدِّق، وكذَّب به آخر، فقاتل من صدَّقه من كذَّبه، حتى كانت لهم الغلبة واجتمعت العرب كلهم معه، وكانوا من اختلاف الرأي مما لا يطيق الخلائق تأليفهم، فعرفنا أنه الحق ثم أمرنا أن ننابذ من خالفه ممن يلينا؛ فنحن ندعوكم إلى واحدة من ثلاث: إما الإسلام ونرجع عنك ونتركك، ونخلف فيك كتاب الله، وإما الجزية عن يدٍ وأنت صاغر (نفس الكلام الذي قاله ليزدجرد)، وإن أبيت فالسيف. فقال له رستم: وما صاغر؟ فقال له: أن يقوم أحدكم على رأس أميرنا فيطلب منه أن يأخذ الجزية، فيحمده إن قبلها (يشكره إذا قبلها منه)، فكن يا رستم عبدًا لنا تعطينا الجزية؛ نكف عنك ونمنعك.
    وعندما قال له: كن عبدًا لنا؛ قام رستم واستشاط غضبًا، واحمرَّت عيناه وبدأ يزبد ويخرج عن أصول الحديث بين رؤساء الدول والسفراء؛ فقال له: واللهِ ماكنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا الكلام منكم. ثم حلف بالشمس أن لا يرتفع الصباح حتى يدفنهم في القادسية، ثم قال له: ارجع إلى قومك، لا شيء لكم عندي، وغدًا أدفنكم في القادسية.
    فرجع المغيرة وأثناء مروره على القنطرة أرسل رستم رجلاً يناديه، فناداه، فنظر إليه، فقال له: مُنَجِّمُنا يقول: إنك تُفقَأ عينُك غدًا. وذلك ليخوفه، فتبسَّم المغيرة بن شعبة وقال: واللهِ لولا أني أحتاج الأخرى لقتال أشباهكم؛ لتمنيت أن تذهب الأخرى في سبيل الله.
    فعاد الرجل يخبر رستم بذلك، وهو في ذلك الوقت يتحدث مع حاشيته ويقول لهم: أرأيتم من اجتماع كلمتهم؟! والله إن هؤلاء إن كانوا صادقين ما قامت لغيرهم قائمة، ولم يستطع أحد أن يحاربهم؛ لأنهم يتفقون على رأي واحد وكلمة واحدة.
    وفي أثناء ذلك قَدِمَ الرجل الذي أرسله إلى المغيرة، وأخبره بما قال؛ فقال لهم: أرأيتم؟! أي: هل أدركتم ما أريد؛ فغضب القوم منه وأخذوا يجادلونه حتى أغضبهم وأغضبوه.
    ثم بات ليلته يفكر في الأمر؛ فالمهلة قد أوشكت على الانتهاء، ودخل اليوم الثالث فنام رستم في هذه الليلة، ورأى الرؤيا نفسَها مرة أخرى؛ فاستيقظ فزعًا ونادى على خاصته وقال: واللهِ يا أهل فارس إن الله يعظنا، وإني أراكم تُلْقُون بنا إلى التهلكة. فجادلوه في ذلك، وأخذوا يحفزونه على القتال، حتى وجد أنه لا بُدَّ له من القتال.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:27 pm


    حذيفة بن محصن يخاطب رستم:
    في اليوم التالي يبعث رستم برسالة إلى زهرة بن الحُوِيَّة يقول له: أرْسِلْ إلينا الرجل الذي كان عندنا. فيرسل زهرة بذلك إلى سعد بن أبي وقاص، فيقول له سعد: بل أرسل له اليوم آخر. فيرسل له حذيفة بن محصن الذي كان قائد الجيش الثامن من جيوش حروب الردة التي ذهبت لقتال مرتدي عُمَان في عهد أبي بكر الصديق t، فيدخل عليه وهو راكب فرسه، فقالوا له: انزل من على فرسك. فقال: لا، والله لا أنزل؛ أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رجعت. نفس كلام ربعي بن عامر، ودخل حذيفة بجواده يمشي به على البُسط، وظل راكبًا حتى وصل إلى رستم.

    ولنا أن نتخيل هذا الموقف: حذيفة فوق حصانه يكلمه، فقال له: انزل. فقال: لا أنزل؛ أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أُحِبُّ، وإلا رجعت. فقبل رستم أن يحدثه فوق حصانه، وهو يمشي على سريره المذهب!! وبدأ يخاطبه، فقال له: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبك؟ يقصد ربعي بن عامر، فقال له: إن أميرنا يعدل بيننا في الرخاء والشدة، وهذه نوبتي. أي أن كل واحدٍ في جيش المسلمين له دور، وهذا دوري، وأميرنا يوزع علينا الأمور بالتساوي.

    فقال له: ما جاء بكم؟ فقال له: إن الله مَنَّ علينا بدينه، وأرانا آياته فعرفناه، وكنَّا له منكرين، ثم أمرنا بدعاء الناس إلى ثلاث فأيُّها أجابوا قبلناه: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء (أي الجزية) ونمنعكم إن أردتم ذلك، أو المنابذة. فقال له رستم: أو الموادعة إلى يوم ما؟ أي من الممكن أن تعطينا فرصة؛ فقال له: نَعَمْ، ثلاثة أيام. فقال: إذن تقاتلونا في اليوم الرابع. فقال: ثلاثة أيام من أمسِ (وهو اليوم الذي تحدث فيه مع ربعي بن عامر)؛ وعلى ذلك فقتالكم في اليوم الثالث.

    وعلى الفور اضْطَرب رستم اضطرابًا شديدًا، ونظر إلى قومه، فعلم القوم ما يدور في ذهنه (فهذان الاثنان متفقان في الرأي والتفكير، وهذا ما أوقع الرعب في قلبه)، فأراد رؤساء القوم أن يخففوا من هول الموقف عليه، وأن يُثبتوا له أن هؤلاء القوم ليس لهم قوة أو خبرة بالحروب؛ فقالوا لحذيفة بن محصن: ما هذا الذي تحمله؟! فأخرج سيفه كأنه شعلة من نار؛ فصرخ رستم في وجهه: أَغْمِدْه.

    فأغمده بعد أن رأى الرعب في أعينهم، ثم أقاموا له درعًا من دروعهم، فأطلق فيه سهمًا فخرقه، ثم أقام لهم جحفته وكانت من جريد النخل، فأطلقوا عليها سهامهم، فسلمت؛ فقال لهم: يا قوم فارس، إنكم عظَّمتم الطعام والشراب وعظمتم اللهو، ولم نعظمهم؛ فعَظَّمَنا الله وصغَّرَكُم. أي: كانت هذه الأشياء منتهى تفكيركم، ولم نكن نحن كذلك؛ فلذلك منحنا الله I قوة تجعل سهامنا تخترق أي درع من دروعكم، ولا تخترق سهامكم دروعنا حتى وإن كانت من جريد النخل؛ ثم رجع حذيفة بن محصن إلى المسلمين، وعاد رستم يجادل قومه مرة أخرى، كما جادلهم من قبل بعد حديث ربعي بن عامر.

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:29 pm




    زهرة بن الحوية يتحدث مع رستم:
    تقدم له زهرة بن الحُوِيَّة، ونحن نعلم أن زهرة بن الحُويَّة واقف بفرسانه على القنطرة لحمايتها؛ فيتقدم له زهرة بنفسه كي يتحدث معه، فيُعَرِّض له رستم بالمصالحة، ولكنه لا ينطق بها، لقد كان بداخل رستم عدة عوامل تمنعه من القتال:

    أولاً: هو لم يكن راغبًا في الخروج على رأس الجيوش، بل كان يود أن يخرج الجالينوس مكانه ويظل هو في المدائن، ولكن يزدجرد أصر أن يخرج رستم على رأس الجيوش.

    ثانيًا: لم يكن راغبًا في دخول الجيش الفارسي كله في معركة واحدة، فهو يود أن يبعث فرقة فرقة، حتى إذا انهزمت فرقة تدخل الثانية، ولكن الجيش الفارسي جاء بمائتين وأربعين ألفًا من الجنود، أي أن معظم الطاقة الفارسية قد جاءت في هذا الجيش.

    ثالثًا: التراب الذي أُعْطِي إلى عاصم بن عمرو التميمي ما زال يؤثر في نفسيته ونفسية قومه؛ لأنهم متشائمون من ذلك، وهذا شيء مهم جدًّا في تكوينهم، فهم يؤمنون تمامًا أن فارس من الممكن أن تُهزَم نتيجة هذا الفأل السيئ.

    رابعًا: وأخيرًا موضوع الحلم الذي رآه.

    فلذلك لم يكن راغبًا في القتال ولكنه يعرِّض بالمصالحة، ولا يقولها كِبرًا؛ لأنه لا يود أن يظهر بمظهر الضعيف الذي يطلب المصالحة من زهرة بن الحُوِيَّة بعد كل هذه العظمة والسلطان وهذه القوة الفارسية؛ فيقول له: أنتم جيراننا، وكنتم تأتوننا وتطلبون منا الطعام، وكنا نعطيكم ولا نمنعكم، وكنا نحسن جواركم، وكنا نُظِلُّكم بظلِّنا، ونطعمكم من طعامنا، ونسقيكم من شرابنا (فهو يقصد أن العلاقة كانت بيننا وبينكم طيبة، فما الذي غير هذه العلاقة؟!)، وكنتم تأتوننا ولا نمنعكم من التجارة في أرضنا، ثم جئتم الآن تحاربوننا (فما الذي غيَّر هذه الأحوال؟!). فقال زهرة: صدقت في قولك عمَّن كانوا قبلنا؛ كانوا يطلبون الدنيا ولكن نحن نطلب الآخرة، كنا كما تقول حتى بعث الله إلينا رسولاً، وأنزل عليه كتابًا، فدخلنا معه في دينه، وقال له الله: إني مسلِّطٌ هذه الفئة على من خالفني، ولم يَدِنْ بديني، فإني مُنتقِمٌ منهم، وأجعل لهم الغلبة (أي للفئة المؤمنة) ما داموا مُقرِّين بي. فقال له رستم: وما هذا الدين؟ فقال زهرة بن الحُوِيَّة: هذا الدين عموده أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تُقرَّ بكل ما جاء من عند الله، وتُبعد عن حكمك كل ما خالف أمر الله I.

    فقال رستم: ما أحسن هذا! وأي شيء آخر؟ يريد أن يستزيد، ويعرف كيف يفكر المسلمون، فأكمل "زهرة" الحديث، وقال: وجئنا -أيضًا- لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. قال: وهذا حسن أيضًا، أي شيء آخر؟ فقال: والناس كلهم أبناء آدم وحواء إخوة، لا يتفاضلون إلا بالتقوى. فقال: هذا شيء عظيم!! ثم قال له رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر، ودخلت معك وقومي في دينك أترجع عنا؟ قال: نعم واللهِ، نخلِّف فيكم كتاب الله، ونترككم ولا نعود إليكم إلا في حاجة أو تجارة. فقال رستم: صدقتني. ثم انصرف رستم وانصرف زهرة.

    ومن خلال هذا الحديث مع زهرة نتبين أن رستم يحاول أن يعرف من المسلمين الكثير عن دينهم، والكثير عن طريقة تفكيرهم حتى يعرف كيف يقاتلهم، ولكن في واقع الأمر عندما ننظر في مجريات الأمور بعد ذلك نجد أن رستم كان بالفعل يفكر في مصالحة المسلمين، ولم يكن تصرفه هذا حركة سياسية، أو حركة القصد منها تثبيط همة المسلمين؛ لأنه عندما عاد إلى قومه، وإلى رؤساء قومه جمعهم وجمع مجلس الحرب، وأخذ يناقشهم، ويقول لهم: ما رأيكم في هذا؟! وهل رأيتم أحسن من هذا؟! فأَنِفَ القوم من هذا الحديث، ولم يقبلوا فكرة الدخول في الدين الإسلامي، فليس من المعقول في نظرهم أن يدخل قادة الفرس في هذا الدين؟! فيقول لهم: أما رأيتم من حُلو حديثهم، ودقة كلامهم، وثباتهم وعدم خوفهم من الموت؟! وأخذ يعدّد حسنات المسلمين.

    فغضب القوم منه، وتجادلوا معه جدالاً عنيفًا، حتى أغضبهم وأغضبوه؛ فأصرَّ رستم على عرض فكرة المصالحة، بل فكرة الدخول في دين الإسلام (ولا نعلم: أذلك بانشراح صدر، أم تجنبًا لقوة المسلمين الضخمة التي يظن أنها ستنتصر عليه في المعركة القادمة؟) ثم يعيد عليهم الكلام مرة أخرى؛ فيقول له القوم: إنك بدأت تجبن عن لقاء القوم. فأخذت الكلمة مأخذها في صدر رستم، إذ كيف برستم أشجع قواد فارس يُتَّهم بالجبن؟! ثم قال لهم: أخذ الله أجبَنَنا، إنما تلقون بفارس إلى التهلكة، وأنا لست أجبنَكم، ولكني أحكمكم وأعقلكم.

    وظل رستم على الكفر مع قومه ولم يفكر بعد ذلك في الصلح، ولكن كان بداخله شعور يقيني أن هؤلاء القوم منصورون من الله I؛ لأن فرقته تعصي الله، وهو يعلم أن الاختلاف بينه وبين المسلمين هو في: مَن هو الله؟ فهو يعبد النار ويوقن أنها تنقذ الطائع وتحارب العاصي، وإذا ارتكبوا الذنوب فإنهم مهزومون، وهو يعلم أيضًا أن قومه غير حسني السيرة، وأن المسلمين لهم من السيرة الطيبة ما يجعلهم ينتصرون عليهم، كما أن الحلم الذي رآه، والأشياء التي شاهدها، والأحداث التي مرَّتْ به غرست في قلبه الشؤم من هؤلاء القوم، ثم تأتي أحاديث أخرى سنذكرها بعد ذلك يقول فيها: إن ما جاء به هؤلاء القوم هو الحق. ولك أن تتخيل قائدًا معه مائتان وأربعون ألفًا من الجنود، وهو يشعر أنه سيُهزم أمام جيش عدده اثنان وثلاثون ألفًا فقط. شعور في منتهى الضعف، فإذا كان القائد والجيش كله بهذا الشعور فلا يمكن أن تقوم له قائمة، أو ينتصر في معركة، ثم في هذا اللقاء بين زهرة ورستم على القنطرة يميل الرفيل على زهرة، ويعلن له إسلامه؛ فيثبته زهرة على ذلك، ويقول له: ابقَ في مكانك. يقصد في أرض فارس؛ لكي ينقل أخبار الجيش الفارسي للمسلمين، ويظل الرفيل في الجيش الفارسي وهو يخفي إسلامه.

    اللهم أرزقنا بقادة مثل الصحابة وجند مثل جندهم وإيمان مثل أيمانهم ونصر من عندك كما نصرتهم ..آمين

    sadekalnour
    مدير عام

    عدد المساهمات: 4034
    تاريخ التسجيل: 02/02/2010

    محمد عبد الموجود رد: فتوحات العراق وفارس

    مُساهمة من طرف sadekalnour في السبت نوفمبر 12, 2011 6:32 pm



    قَال أبو الطَّيبِ : (( أَفَاضِلُ النَّاسِ أَغْراضٌ لذا الزَّمَنِ *** يَخْلُو من الهمِّ أخلاهم مِن الفِطَنِ)).
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يوليو 23, 2014 1:20 am